يخوض أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي، «الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد» في المغرب، شكلًا احتجاجيًا يتمثل في الإضراب عن العمل منذ أكثر من أسبوع، وذلك لأجل مطالبة وزارة التعليم والحكومة المغربية بإدماجهم فورًا في أسلاك الوظيفة العمومية، أسوة بزملائهم المرسمين، وإسقاط مخطط التعاقد.

وقد جسد «الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد»، قبل القيام بهذه الخطوة التصعيدية، عدة أشكال نضالية، تمثلت بشكل أساس في مسيرات واحتجاجات، وعقد ندوات، خارج أوقات عملهم حتى لا يتضرر التلميذ المغربي، وقصد حث الوزارة على الاستجابة لمطالبهم.

إلا أن الوزارة المعنية يكون ردها في كل مرة هو «اللا رد»، من خلال ممارسة هوايتها المعتادة، سياسة الآذان الصماء، ما دام هؤلاء الأساتذة يحتجون يوم الأحد ويعودون إلى الفصل يوم الإثنين، فلا مشكلة لدى الوزارة في ذلك، لكن هيهات هيهات.

بعد كل الأشكال والمراحل النضالية التي جسدها الأساتذة، وأمام رفض الوزارة الاستجابة لمطالبهم، قرر «الذين فرض عليهم التعاقد» دخول منعطف جديد في مسارهم النضالي، من خلال خوض إضرابات هذه المرة داخل أوقات العمل لأجل الضغط أكثر على الوزارة الوصية، من أربعة أيام بعدها أسبوع ثم أسبوع آخر قابل للتمديد، الشيء الذي شل الحركة داخل الأوساط التعليمية المغربية وجعل الجهات المسؤولة في وضع أكثر محرج، إذ لم يكن يتصور السيد وزير التربية الوطنية المغربي «سعيد أمزازي» أن تؤول الأمور إلى هذا الوضع، فسارع الزمن وعقد اجتماعات هنا وهناك، ليخرج في الأخير بتصرح يعد فيه الأساتذة بمراجعة ما يسمى «بالنظام الاساسي لأطر الأكاديميات»، وهو ما يرفضه الأساتذة أساسًا ولا يقبلون إلا بإسقاطه.

وحتى لا يفوتني الأمر، لا بد من توضيح مجموعة من النقاط المهمة في السطور التالية، أولًا: إضراب الأساتذة لا يعني رفضهم أو امتناعهم عن العمل، بل إن الإضراب حق مشروع يكفله دستور البلاد، وخروجهم للإضراب ما هو إلا بدافع الغيرة عن المدرسة العمومية المغربية ودفاع عن عنها وعن مصلحة الأجيال القادمة، وبالتالي فلا مجال لأي كان أن يتجرأ ويشير بأصابع الإدانة والاتهام للأساتذة بعدم مراعاة مصلحة التلميذ المغربي، بل إن المسؤول الأول والأخير هو الوزارة الوصية والحكومة ككل.

لا شك عزيزي القارئ أن سؤالًا حير ذهنك منذ بداية المقال، وهو ما المقصود «بالأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد»؟

إجابة على التساؤل باختصار شديد موجودة بين صفحات القانون المغربي (القانون الذي يؤطر العلاقات التي تكون الدولة طرفًا فيه أو ما يصطلح عليه بالقانون العام)، إذ يوضح أن ولوج الوظيفة العمومية هو حق، وسطر على كلمة حق، مكفول للجميع شريطة التوفر على الشهادة المناسبة، وبالتالي فإن غلق هذا الباب بقفل «التعاقد»، وجعل التوظيف في أسلاك التعليم لا يتم إلا من خلال التعاقد، فإنك فرضت على أبناء المغاربة هذا الخيار دون سواه، لا، بل سلبتهم حقًا يكفله القانون.

ويضيف أحد أعضاء «التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد» قائلًا: «التعاقد فرض على الأساتذة، علمًا أن أغلب أبناء الشعب يتجهون إلى اختيار التعليم كوظيفة، وإذا أراد أمزازي أن ينزع صفة الفرض عليه أن يعيد فتح 8000 منصب الاعتيادية، ويطلق موازاة معها التعاقد، ويترك الاختيار لأبناء المغاربة»، لافتًا إلى أن «الأساتذة لم يجدوا بديلًا عن العقدة».

مما يعني أن إسقاط مخطط «التعاقد المشؤوم» بحسب الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، واجب على كل غيور على المدرسة العمومية المغربية، ذلك أن ما يطبخ وراء ستار «نظام التعاقد» أو كما تسميه وزارة التعليم المغربية «النظام الاساسي لأطر الاكادمية»، هو التخطيط لخوصصة قطاع التعليم بالمغرب وضرب مجانية التعليم، على اعتبار أن الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ستتمتع تدريجيًا بالاستقلال المادي عن الوزارة المعنية، أي ستصبح بمثابة مؤسسة خاصة تمول نفسها بنفسها، يديرها ويحرك دواليبها أصحاب المال والنفوذ، يعيثون فسادًا بقطاع حيوي ومهم لنهضة البلاد، فعن أي إصلاح وعن أي رؤية استراتيجية تتحدث الوزارة والمجلس الأعلى من ورائها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد