هُنا مواقع التواصل الاجتماعي، والدمار الاجتماعي أيضًا، هنا الفرار من الواقع المُر، إلى واقعٍ يبدو بعد ذلك أدهى وأمر، هنا النفوس تنتشي في بداياتها، لتسطر نهايات ألم جثيم بدأ باللاشيء ونما بالتمادي فيه، ولم ينته أبدا!

تطبيقاتٌ ظهرت على سطح الحياة وطفت، دخلت قلوب الناس عنوة حتى أضْحتْ ركنًا أساسيًا من أركان الحياة المتهشمة، والناس هنا في هذه الحياة مهمومون مُنكسرو الأرواح، مالت عليهم الدنيا فمالوا هم على أنفسهم وزادوها همًا وانكسارًا، تركوا الطبيعة والجمال، وتعلقوا بالمادةِ ووهم الدلال، رياح الحياة هبت في وجوههم فلم يتصدوا ولم يدْحضوا، ولكنهم اندمجوا مع الرياح وزادوا قوة الدفع، فبكوا وتباكوا، وبكى الناسُ عليهم!

دمعاتٌ تتساقط ليدوي صداها في أرجاء القلب، فيأتي أنين يعبث بالروح التي ارتطمت في سد الوهم، وجراح نفس تنزف بفعل عالم افتراضي لا يوجد فيه من صلبِ الحقيقة والواقع إلا القليل الهزيل المهترئ!

قصةٌ حزينة بدأتها القلوب المفرغة، هذه القلوب التي لم تهْنأ في واقعها ولم ينمُ بداخلها بذور عاطفته، حتى راحت تقذفُ نفسها من تطبيق إلكتروني إلى آخر كي تبحث عن رفيقِ قلب ربما لم يحالفها الحظ في الزجّ به إليها خارج عالم الافتراض، لتقع فريسة لقلوبٍ ليست كالقلوب مِن قسوتها، أو تُوقِعُ هي فريسة من قلوبٍ ليستْ كالقلوب من ضعْفِها، وما بين القسوة والضعف، قصصٌ وحكايات حب سطّرها الاهتمامُ المزعوم!

يتجلى الأمر حينما تُولدُ الحياةَ في قلب المساكين ما يسمى بـــ«العَوَز العاطفي»، فكل قلب يحب قلبًا ولو لم يكن موجودا، وكل نفس ترسم خيالات المعشوق في مخليتها ولو لم تطأ قدما المعشوق أرض هذا العالم، ينمو هذا العوز العاطِفي ويشْتد إذا ما قابله جفاء في الواقع وغياب للقلبِ المراد، تَلحُّ هذه الحاجة وتدُبُّ بأقدامها على قلب القلب لينصرف المسكين أو المسكينة إلى تلك الأرض الخصبة في ظاهرها القاحلة في باطنها!

يأتي هذا القلب ليبحث عن ملاذِهِ متفحصًا حسابات وصفحات على تلك المواقع، معجبًا بكل شيء فيها لأنها حقيقة لا تنطوي على قبح، فمؤثرات الجمال ذات وفرة، حيثُ كل شيء يخضع للتقنية الجمالية، بداية من منشوراتٍ تدعي الفضيلة من أشخاصٍ لم يعرفوا طريقها، مرورا بتعليقاتٍ مكانها مع النفاق في إناء معًا، وانتهاءً بمحادثاتٍ تُسيطر عليها الحاجة، ويرسم خط سيرها الوهم، وتنتهي بالمكاشفة المريرة والحظرُ الأمَر!

علاقةُ حب مزعومة ينمو وهمها ويتمادى، ليبدأ أي الطرفين بحديثٍ وقت الفراغ ومن ثمّ إلى أحاديث، تعابيرُ ود تنطلق من قلب مسكين إلى قلب مثله، شعور بالاهتمام يتضَخّم، وفراغٌ يأخذه من يده إلى مكان المحادثة، ليُرْسِل فيُرْسَل إليه، ويَهدِي فيُهْدَى إليه، ويُظْهِر خفة الظل ليبادله الطرف الآخر بما هو أخف، ويُعربُ عن الشكر والامتنان فيُعْرَبُ له عن الواجبِ وعدم الفرق، ويمارس حقوق الزوج في طلب عدم الحديث مع الآخرين وأنه فقط صاحب الملكية فيمن يُحادثه، ليُحيطَه الآخر علمًا بأن هذه الحقوق واجبات عليه أيضًا، حبٌ إلكتروني خياليّ، بيتٌ صغير دخله عريس وعروس، دخلاهُ من أبوابٍ متفرقة ولم يجتمعا فيه وجهًا لوجه، ونقل أحاديثهما صدى صوت المنزل، إلى أن خرجا من ذات الأبواب بقلبين كسيرين مع أنهما لمْ يَلتقيا أبدًا!

آلاف القصص المُبكية التي أنتجتها مواقع التواصل، آلاف الأوهام التي زرعها اللاشيء في أماني المساكين، آلاف الوعود التي أُطْلِقَتْ في ساعات لهو وقعت في قبضة الفراغ العابث بالنفسِ عبثا لا مُنته!

في المحادثات الإلكترونية التي تبني علاقة عاطفية ميتة قبل أن تُولد، يرى الحبيبُ الإلكتروني حبيبته الإلكترونية في أبهَى صورها، وتراهُ هي كذلك، يراها حسناء بلغتْ من الجمال مبلغًا مرتفعًا ومتفردًا، وتراهُ كذلك، يراهَا رقيقة عانقتْ روحها جمال الروح وامتلكته، وتراه كذلك، يراها متفردة على عرش الأخلاق الحميدة، وتراه كذلك، يراها أنثى بكل تفاصيلها وتراه رجلا بنفسِ الكل، أحبّها وأحبّتهُ من دون لقاء، من دون نظرة المُحبين البليغة عن أي كلام، من دون الخصوع لمبادئ الحب وقوانينه، مسكينان تقابلا في طريق وعر وخطير، فأخذا بعضهما إلى طريق أكثر وعورة وخطورة، فبكَتْ قلوبُهم وتبَاكَتْ!

في المحادثات الإلكترونية تعابير خالية من الروح، وسوء فهم لمعان حسنة الفهم، وحسنُ فهم لمعان سيئة الفهم، ووعود زائفة تنطلقُ من قلب الضعيف فيؤمنُ بها من هو أضعف قلبًا، وسقوط مدوٍ إلى قاع الهوى، وانحدار مُهين إلى نفسٍ لا وجود لها إلا بوجود الحاسوب أو الهاتف الذكي، وإذا انعدمت هذه أو تلك انعدم الحبيب المجهول وكأن العالم لم يستضفه بداخله!

كثيرون مروا على هذا الطريق المُظلم، ونالت من مشاعرهم سهام إلحاح العاطفة على نفسها، وقليلون مَنْ سلكوا مسالك أخرى ذات تقنين ديني وعرفي وعقلي، لم يخضعوا لتعارفٍ على طريقة الـ«هاي ممكن نتعرف»، لم يمروا على فراقٍ حدَثَ بضغطة زر على خاصية «الحظر»، لم يتناوبوا مشاعرا لفّقَهَا كل طرف إلى الآخر ادعاءً وكذبا، لمْ تبكِ قلوبُهم على سقطة أرواحهم جرّاء انسياقٍ خال من الحقيقة والصدق، مليء بكل شيء لا يملأ إلا همًا ونكدا!

وليس المقصد من تلك الكلمات عامةَ مَنْ أقبلوا بعاطفتهم على الوسيط الإلكتروني، لأن كل قاعدة تتَمرّدُ شواذها عليها، ولكن المُراد مَنْ تعرضوا للخذلانِ العاطفي الإلكتروني، وليس ثمة نسبة محددة تُحْصي هؤلاء، لأن أغلب القصص المتعلقة بهذا الشأن تظل حبيسة النفوس لا تخضع للإفصاح، تقتُل القلوبَ في صمتٍ يساعد على القتل ويُبقي الكرامة، ويُبطِنُ الضعف ويُظهرُ القوة، وينال من سلامة الروح وأمانها!

والحقيقة أن هذا العالم الافتراضي ليس مجالا للرقي العاطفي، ليس تربة خصبة تنمو عليها قصص حب مكتملة لا تطعنُ القلوب بسكين الأذى المعنوي، ولجوء المساكين إليه بمثابةِ ضوء أخضر لمزيد من آلامهم وانكسارهم، والوقت والحياة أثمن من إهدارهما في سقطات نفس جلبها الفراغُ والشيطان، أثمن من لحظة ضيق لفقد حبيب هو وحقيقة حبه كالشرق والغرب أو السماء والأرض!

كما أنّ القلوبُ ليست بثمنٍ بخس حتى يتم تدميرها في اللامعقول، إذ يجب حفظها آمنة مُطمئنة إلى أن يقذفها القدر إلى ساحات النور العاطفي، تلك الساحات التي خلَتْ من الإذلال والوَهَنْ، ساحات الكرامة الروحية والسمو الوجداني، حيث كل نفس كيان متكامل لا تهزأ به ضغطات الزر ولا أكاذيب ساعات اللهو والفراغ، لا تتحكم فيه اختلاجات النفس المُزيّفة لتجرها إلى عقد آمال على طريق غير واضح المعالم، وهناك في ساحات النور هذه، تهنأ الروح وتسْعد وتطمئن، وتنتشي بجمال الواقع والحقيقة المطلقة، حقيقة «الحب النقي» البعيد عن «دموع الشات وأنين الوهم»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد