كانت ساعة متأخرة من الليل حيث يسود الصمت وتتجمع الأشجان داخل النفوس الوحيدة المهمومة بالوطن والناس.

وكنت أراها هناك تجلس وحيدة وقد امتلأ قلبها بالحزن المكبوت الذي يفتك بالصدور وضاق صدرها بمشاعر أكاد اسمع لها صرخات وأنين كطفل رضيع يتضور جوعا وعطشا لصدر أمه.

فنظرت إلى عينيها فوجدتها قد امتلأت بماءالدموع ولكنها تقاوم انفجاره في عزة نفس وشموخ.

حزنت كثيرا على حالها ووجدت دموعي تنفجر نهرا جاريا تعاطفا معها وغطت الدموع عيني فلم أعد أبصر جيدا.

وفجأة أراني في ميدان شبرا يوم ٢٠١٣/٦/٣٠ الساعة الثانية ظهرا حيث بدأت أفواج الناس في الاحتشاد وكل دقيقة تحمل معها وفودًا جديدة وآمال جديدة وثقة داخل النفوس تزداد وامتلاء الميدان وشارع شبرا وكل الشوارع المحيطة وبدأت الامواج البشرية في التحرك كل قد حدد وجهته إلى ميدان التحرير وإلى قصر الاتحادية.

وفي الطريق يصدر بيان المجلس العسكري وكانت به جملة أبكت كل من رأيت وكل من سمعها.

(إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه)

يا لها من كلمة اخترقت قلب كل مصري ولمست معها أوتار أحزان وأوجاع هذا الشعب العظيم فعزف أجمل الألحان وذرفت معها الدمعات فخرج الشعب كله يعلن صدق هذه الكلمة وأنه يفتقد إلى الحنان والكرامة وأن يشعر في وطنه أنه إنسان.

 

نعم إنها كلمة واحدة، ففي البدء كانت الكلمة سر وجود كل شي، والآن هي الكلمة السر في حل كل شيء والتعبير عن كل شيء.

فالكلمات قد تكون معابر وقد تكون مقابر، قد تعبر بنا إلى آفاق المستقبل والأمل والنجاح والتفاؤل، وقد تكون مقبرة لطموحنا وأحلامنا وكرامتنا وحريتنا.

 

لقد كانت ثورة يناير تعبر عنها كلمات (عيش، حرية، كرامة إنسانية) وكلها تصب في معنى كلمة واحدة وهي ذات الكلمة التي عبر عنها البيان الصادر في ٦/٣٠ إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه.

ولما كانت الشرطة قبل يناير هي السلطة التي تمارس الإهانة والبطش وتقيد الحرية كان هذا الهجوم على أقسام الشرطة في ٢٨يناير ٢٠١١ وحرقها اعإانا لانتهاء هذه الممارسات ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟

حدث بعد ذلك تفعيل سيناريو الفراغ الأمني وافتعال أحداث البلطجة والفوضى والسرقة وذلك من أجل منع الناس من النزول إلى الميادين والانشغال بحراسة أنفسهم واهليهم وبيوتهم من الهجمات الوهمية والإشاعات التي تم بثها عن طريق المخبرين والمسجلين خطر والمراقبين.

وكانت هذه هي أول خطوة في سيناريو الثورة المضادة ولقد تم تفعيلها من قبل تنحي مبارك إعمالا بمبدأ تجهيز مسرح العمليات لكل السيناريوهات المحتملة.

وبعد إجبار المجلس العسكري على إعلان نجاح مرسي في ٢٠١٢ قام على الفور بتفعيل كافة عناصر الثورة المضادة من اختلاق الأزمات وتصعيد الاضطرابات ونشر الإشاعات وأعمال البلطجة وكانت ممنهجة وساعد على سهولة ذلك غباء الجماعة وميولها الفاشية وتسرعها في الإمساك بزمام الأمور وظهرت تمرد برعاية أجهزة الدولة الأمنية وانطلقت القنوات الإعلامية بمنتهى الحرية في نقد نظام إرهابي غبي متخلف بحماية ودعم إقليمي وداخلي.

ولقد نجحت الجماعة الفاشلة في أمر واحد وهي أنها وحدت بين صفوف كل المصريين بين المؤيد والمعارض لثورة يناير وبين الثائر والمثار ضده وبين الشعب وبين أجهزة الدولة التي كان يهاجمها بالأمس القريب.

حتى جاءت لحظة الخروج في ٦/٣٠ وظهر السيسي في هذه اللحظة الفارقة كفارس ومخلص وكان ظهوره قريبا من ذلك الظهور الذي ظهر به الجنرال نابليون إبان الثورة الفرنسية.

 

وكانت الكلمة التي فتحت له قلوب المصريين (ان هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه).

فعشقه المصريون عشقا ورفعوه فوق الرؤس ملكا متوجا حتى تسلم مقاليد الحكم في 2014.

وهنا حدث أن عاد رموز ورجال نظام مبارك مرة أخرى إلى الظهور أعلى الشاشة في المشهد السياسي وتولي مقاليد السلطة في البلاد وتراجعت إلى الخلف النخب الثورية التي كانت تتصدر المشهد منذ يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013.

ولقد وثق الرئيس السيسي بهم باعتبارهم الأكثر خبرة ودراية بمقاليد حكم مصر سياسيا واقتصاديا.

ولكن كان نهج هولاء المباركيين هو عقاب هذا الشعب لثورته فلاكرامة للشعب ولا حرية ولا حتى عيش فاختاروا من السياسات أسوأها ومن الحلول أقصاها عواقب على هذا الشعب وذلك حتى ينكسر فلا يثور بعدها أبدا وتكون عبرة لكل الأجيال القادمة وذلك بحجة الاصلاح الاقتصادي.

ووجد هذا الشعب نفسه مرة أخرى يساوم على الاختيار بين الأمن وتقييد الحريات أو الفوضى وإذاعة الخوف وانتشار البلطجة.

وبين تعويم الجنيه وارتفاع الأسعار وبين الإفلاس والانهيار.

وبين الرضوخ والإذلال وبين مصير دول مثل ليبيا وسوريا ولا يحنو عليه أحد.

وانقلبت الثورة إلى مؤامرة وانقلبت الكرامة إلى إذلال وانقلب الحلم بالعيش الكريم إلى غلاء فاحش في الأسعار وانتقال الطبقة الوسطيدى عمود هذا المجتمع من الطبقة المستورة الساندة للمجتمع إلى مهددين بالفقر.

وتحول الفقراء إلى قطع غيار بشرية ببيع بعض أعضائهم ولحومهم نظير المال وكثرت عمليات الخطف وعصابات بيع الأعضاء البشرية وزادت عمليات الهجرة غير الشرعية عبر البحر وزادت عمليات الموت غرقا.

وارتفعت أسعار الدولار بحجة التعويم، وانتشرت سياسة الاستحمار بحجة عدم معرفة الشعب بخبايا الأمور.

ويتم تسوية الأزمة بافتعال أزمة أخرى فاصبحنا نتعامل بمبدأ الإلهاء السياسي.

حتى الحمار لم يسلم فأصبح مذبوحا ومأكولا ومصدرا للصين.

وأصبحت كل الأمور في مصر تدور حولها علامات استفهام كثيرة دون أن يجيب علينا أحد.

لماذا رجال مبارك؟ لماذا تيران وصنافير الآن؟ لماذا تعويم الجنيه الآن؟ لماذا إلغاء الدعم الآن؟ لماذا نذكر الشعب بمصير ليبيا وسوريا ولا نذكر تونس وما مرت به من تحول إيجابي؟

إنني على يقين أن الرئيس السيسي يظن أنه يفعل الصواب وأن من حوله يؤكدون له ذلك ولكن حقيقة الحال عكس ذلك.

إن التشابه بين السيسي وبين نابليون كبير، ولكن كيف كانت نهايته؟ إن السيسي لا حل له إلا أن يتبع طريق عبد الناصر فيصبح زعيما خالدًا.

أو أن يمشي على خطى مانديلا فيصبح ناجحا وقائدا ولكن كيف له هذا وقد سجن مانديلا فعرف معنى الحرية وظلم فعرف معنى العدل.

إن الثورة أصبحت قريبه جدا من داره وأوشك رصيده أن ينفذ عند شعبه ولا أجد له محيصا إلا أن يعود إلى أحضان هذا الشعب وأن يحنو عليه فعلا. إن العالم الآن يمر بمرحلة تغيير على المستوى الإقليمي والعالمي والحرب قد تكون على الأبواب ولا نجاة إلا بوحدة الصف وتقوية الجبهة الداخلية.

 

فأخذت أمسح دموع عيني وأدقق النظر إلى تلك الحزينة الباكية فوجدتها بلدي مصر.

نعم هي دموع مصر على أبنائها لانه لا يجد من يحنو عليه من يعطف عليه من يبكي على فقرائه الذين يسرق منهم قمحهم وأقواتهم واعضاءهم وأحلامهم.

إن هذا الشعب المسكين زاد فقراؤه فقرا وزاد حزنه وزاد شقاؤه وزاد مرضه ولا يجد من يحنو عليه.

 

متى؟ يجد هذا الشعب من يحنو عليه؟

متى يجد هذا الشعب من يقدر حريته ويحافط على كرامته؟

متى ستجف دموع أمهات الموتى من شباب هذا البلد سواء من الإرهاب أو الغرق أو التعذيب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد