لدموع الفقد نفس اللغة، ونفس درجة الملوحة، نشيج الأنين يعزف على نفس النوتة، تتوحد كل اللغات في لحظات الحزن لتصبح ذات جنسية واحدة هي الإنسانية.

وقد يكون الحزن وإحساسك بحزن الآخرين هو الحقيقة المؤكدة أن ما زال لك قلب ينبض.  زلزال اليابان، ليلة باريسية تقطر دما، أجراس حزن لبنانية، سوريا، العراق، فلسطين، اليمن، مصر، وجع منتشر في كل بقاع الأرض، كما لو أن السماء غاضبة من ظلم أهل الأرض.

126 قتيلا وحوالي 200 مصاب “إلى الآن” حصيلة التفجيرات الإرهابية في باريس أمس،  لتتشح مدينة النور بالسواد في الحادث الذي يعد الأسوأ من نوعه في أوروبا بعد حادث مدريد، والذي نُفذ أمس في إستاد فرنسا الدولي.

 

ليفزع العالم من هول ما حدث، ويندد كل زعماء العالم بالحادث، ويرفع وتيرة الصياح ضد الإرهاب، وتعلن دول متعددة حالة التأهب الأمني القصوى بعد هجمات باريس، خوفا من أن يطالها شرر هجمات تتطاير إليها.

 

وراعني حقيقة: بعض لهجات الشماتة على صفحات التواصل الاجتماعي في نذير بائس بتدني الروح الإنسانية، ومقارنة غير متكافئة على الساحة العربية والدولية بالأمن. وغضوا الطرف عن الإجراءات الفورية التي اتخذتها الحكومة الفرنسية في مطاردة الجناة، أو الإعلان الفوري عن عدد المصابين والقتلى، وطريقة إجلاء الناس من الإستاد، والرعاية الطبية الفورية، والنجدة اللحظية التي تمت في مسرح الحادث.

 

وإغلاق الحدود الفرنسية، ونشر وحدات للجيش في العاصمة الفرنسية، وقلب باريس رأسًا على عقب في تعقب الجناة، وصدور قرارات وتنفيذ إجراءات صارمة في كل الدولة الفرنسية لمواجهة الإرهاب وتعقب منفذي الحادث، وإعلان حالة الطوارئ “إلى الآن لم يصرح أحد من الشعب أو وسائل الإعلام أن الحكومة فاشية كما يحدث عندنا وهذا الفرق في درجة الوعي”

وكذلك التضامن الفوري الدولي مع الحادث، كالتصريحات الفورية لأغلب زعماء العالم، وإضاءة برج التجارة العالمي بألوان العلم الفرنسي، والبث المباشر من الإعلام العالمي من موقع الحادث، وإلغاء تأشيرة “شنغن” والسماح لمواطني الدول الأوروبية فقط بالسفر إلى باريس.

 

والتصريحات الإعلامية الفرنسية بناءً على شهود عيان بأن منفذي الحادث صرخوا “الله أكبر”

في إشارة أخرى للمسلمين، والعرب بوجه خاص ما إن صح سيصبح وضع اللاجئين السوريين في أوروبا حرجًا جدا، أو ستكون قضيتهم دوليًّا أمام الرأي العام في خبر كان! كل ذلك وصفحات التواصل الاجتماعي ترتفع فيها نبرة الشماتة، غافلين عن تداعيات الوضع في أوروبا كلها، وما ستجنيه جميع الجاليات العربية والإسلامية هناك، والدارسون في الجامعات الفرنسية من جميع أنحاء الوطن العربي، وصعوبة التأشيرات لأوروبا سواء للعمل أو السياحة، لمجرد أن العربي ينتمي لمنطقة موبوءة على سطح الكوكب تسمى “الشرق الأوسط”، أو ينتمى لأعظم الأديان وأكثرها سماحة ودعوة للحب وتقبل الآخرين، إلا أن جهل البعض منه حوّله في نظرة الغرب له، بأنه مفرخة للعنف والقتل.

 

فلا يسعنا إلا أن نبتهل لله “ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”. الحدث ليس مجرد حادث إرهابي فقط، أو مجالًا للمقارنة في السياسات الدولية بين حادث باريس والطائرة الروسية في شرم الشيخ، إنما للحدث تداعيات كبيرة جدا في الشرق الأوسط كله. لك أن تختلف مع السياسات الفرنسية أو الداخلية، ولكن التضامن مع ضحايا أبرياء يدفعون ثمن سياسات مهترئة وقذرة هو واجب إنساني، الجريمة ستبقى جريمة والدماء ستظل لعنة تطارد الجميع، وبكلمة صغيرة أذكركم ونفسي بها: إذا كان الغرب قطهم جمل، فإحنا جملنا برص، لأن أنفسنا هانت علينا وعلى حكامنا.

 

من تهن عليه نفسه يهن على أديم الأرض.  الشماتة نوع من الإرهاب وإن كان إرهابًا لا يقطر دمًا وإنما يقطر كراهية تؤدي إلى الدم.

“ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا”.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد