في ظل الاعتقالات التعسفية في حق المناضلين، وحملة التضييق على النشطاء السياسيين، وجد الإعلام نفسه عاجزًا عن نقل ما يجري في الشارع الجزائري؛ لأن السلطات عمدت على منع نشر أي مضمون لا يخدم إرادتها سياسية، وإنهاء الحراك في أسرع وقت ممكن.

بالرغم من التعتيم الإعلامي تشهد الجزائر حراكًا شعبيًّا متواصلًا وواسع النطاق، بعد انطلاق شرارته في فبراير (شباط) من العام الماضي. فهل تحقق المطلب الأساسي وفي مقدمته تسليم السلطة لشعب؟ خاصة بعدما فُرض الرئيس الحالي، تبون، في القصر بعد انتخابات قاطعتها غالبية الشعب، مثلما حدث مع بوتفليقة في سنة 1999 عندما اجتمع مع جنرالات الجيش في أعالي حيدرة بالعاصمة وأبرم اتفاقًا على قيادة البلاد كواجهة سياسية لحكم العسكر وانسحاب منافسيه واتهام السلطة بتزوير الانتخابات.

تتضارب المواقف داخل الحراك حول كيفية التعامل مع دعواة الحوار من قبل الرئيس، الذي يعتبره الحراك «مرشح العسكر» وواجهتهم السياسية ووزير سابق من المغضوب عليهم محسوب على المنظومة السابقة لعهد بوتفليقة. بينما يواجه تبون، منذ تسلم السلطة، تحديًّا مركزيًّا يتعلق بخلق آليات وأرضية للحوار مع الحراك الشعبي. فيما يتساءل بعضهم كيف نقبل الحوار في وقت يقبع أبرياء في السجون رافعين لافتات كتب عليها «الحرية لسجناء الرأي»؟

وسط تضارب في المواقف بين مكونات الحراك نفسه، ومطالب بتحقيق شروط أولية تخص أساس اجراءات التهدئة وإطلاق سراح الناشطين الموقوفين ووقف التضييق على المتظاهرين والإعلام، وفي أول إطلالة صحافية له رئيسًا للبلاد، قال تبون إنه مستعد للحوار المباشر مع من يتم اختيارهم من الحراك وكل الفاعلين في الساحة السياسية، حتى يتم رفع اللبس عن المسائل العالقة واعتبار الحراك الشعبي الفاعل السياسي الجديد في المشهد الوطني وتبنيه سياسة اليد الممدودة.

لم يبرز الحراك حتى الآن أي موقف واضح إزاء دعوة الرئيس المنتخب، لكن الرئيس في أول خطوة سياسية استطاع سحب جزء من الأحزاب سياسية والشخصيات الوطنية الى طاولة الحوار، فيما اعتبر بعض المعارضين أن أي خطوة سياسية في هذا الاتجاه تستدعي تقديم صورة واضحة تتعلق أساسًا بالاستحقاقات والمطالب المركزية للحراك العالقة منذ فبراير الماضي؛ لأن الحراك الجزائري ليس لديه أي استعداد لتقديم صك على بياض لأي رئيس مستقبلًا.

وفي حراك الجمعة الأخيرة «52»، عبر الحراك الشعبي عن اعتبار أنه لا بديل للسلطة الحالية، فلا رجوع عن تحقيق مطالبه الواضحة والمشروعة. وفي هذا السياق أكد باحثون سياسيون في الشأن الجزائري أن السلطة الحالية ستتجه إلى الأسماء البارزة في الحراك لتتجاوز المأزق وتزكي خارطة الطريق الجاهزة بمحاورين سبق اختيارهم، والهدف إنهاء الثورة السلمية واستمالة خصومهم وزرع الثقة بينهم وبين المتظاهرين وفك الأزمة والانخراط في الحوار المزعوم، وهذا ما يعتبر مغامرة محفوفة بالمخاطر؛ لأنها ستسقط صمام الأمان الوحيد الذي تملكه الجزائر في ظل استمرار هذا النظام الذي صار في حالة تناقض جوهري مع المجتمع.

وفي الأيام القادمة سيعرض تبون مشروع دستوره بشكل يومي بأنه ملخص لمشاورات مع طبقة سياسية ومع جزء ممن ينسبهم الإعلام للحراك، وذلك من أجل إعطاء انطباع بأن الدستور نتاج توافق، كما جاء في تعيين الخبير القانون الدولي أحمد لعرابة على رأس لجنة تعديل الدستور، هو دليل قاطع على استمرار النظام السابق لأنه محسوب على نظام بوتفليقة، وتم اللجوء إليه في التعديل الدستوري الاخير في 2016، ويراهنون عليه اليوم لكسر الحراك وتفصيل مواد دستورية على مقاس النخبة الحاكمة.

كما شهدنا فإن الحراك الشعبي تعامل حتى الآن مع حكومة تبون الأولى بصفتها مؤشر على الاستمرارية السياسية للنظام القديم، وسيتم التعامل معها كحكومة انتقالية من دون مرحلة انتقال سياسي فعلي، ولن يكون في مقدورها مواجهة التحديات المرفوعة؛ لأنها لا تختلف نوعيًا لا في تشكيلاتها ولا في توازنتها الداخلية عن الحكومات التي عرفتها الجزائر في عهد بوتفليقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد