بحر الأسبوع المنفرط خرج والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري خلال ندوة صحافية بتصريح غير موفق حول النخب السياسية، والتنظيمات الحزبية بالبلاد، حيث أخرج مدفعيته لقصفها، وانتقاد عملها، ودورها داخل المجتمع! نفس الشخص سبق له أن هاجم الهيئات السياسية، وبعض خيارات الحكومية، في تجاوز خارق وغير مسؤول لمنصبه واختصاصاته؛ حيث نصب نفسه رقيبًا وحسيبًا لعمل الحكومة والتنظيمات الحزبية، التي يحاسبها في الأصل الناخب المغربي عندما يدلي بصوته أثناء الاستحقاقات الانتخابية.

غرور والي بنك المغرب، وثقته الزائدة عن حدها في نفسه، جعلته هذه المرة يتلقى العديد من الصفعات، من نشطاء، وقادة حزبيين، وأحزاب سياسية، الصفعات التي ردت على عجرفته، فأول من تصدى لهذا الخروج الأرعن لعبد اللطيف الجواهري هو القيادي بحزب العدالة والتنمية، والوزير السابق، د. محمد نجيب بوليف، الذي دون في منشور له على حسابه «بفيسوك» تدوينة انتقد فيها تصريحات والي بنك المغرب، مشيرًا إلى أنه لا يمكن التهجم والتنقيص من المؤسسات الدستورية.

تدوينة د. محمد نجيب بوليف على صفحته الرسمية «بفيسبوك»:

«بعد تقرير لجنة النموذج التنموي، الذي سقط في فخ الاصطفاف، لما اعتمد على تصريح أحد المواطنين، الذي يقول فيه: لا ثقة في القيادات السياسية، فركز عليه كمنطلق في التحليل».

وتابع عضو البيجيدي في تدوينته «يخرج والي بنك المغرب ليقول: لا ثقة في الأحزاب السياسية، ولا في الباكور والزعتر»، مضيفًا، «كلام سيئ جدًا من طرف تكنوقراط من المفترض فيهم احترام أنفسهم أولًا، ومهامهم المسندة إليهم ثانيًا، والاقتصار على تنفيذ ذلك».

وأشار بوليف، «لا يحق لهم استغلال مواقعهم (تقرير خاص، ندوة صحافية خاصة) للتهجم والتنقيص من هيئات دستورية، لا يستقيم أي وضع بدونها».

وأضاف في التدوينة ذاتها «أن تكون هناك أعطاب ونقائص و… عند الأحزاب، فذلك لا شك فيه، والكل يعرفه، لكن أن يتجرأ من هم في مستوى من ذكرت أعلاه، في ظرفية حساسة قبل الانتخابات، فهذا يستوجب منهم توضيحًا واعتذارًا، وإلا فسنضطر للدفاع عن الباكور والزعتر، ولم ليس الحديث عن أعطاب السياسات التنموية والنقدية والمالية، و ما إلى ذلك؟ فالسياسيون لهم كامل الحق في التعبير عن ذلك».

بالإضافة لتدوينة الوزير السابق، رد كذلك حزبا التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على خرجة الجواهري، ففي بلاغ صادر عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أشار الحزب فيه أن لهذه التصريحات تأثير سلبي مباشر عميق في تقويض منسوب الثقة في الأحزاب السياسية، وتقوية العزوف الانتخابي وتداعياته السلبية على الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا سيما أن الأمر يتعلق بالسيد والي بنك المغرب وبمؤسسته التي تتمتع بكثير من المصداقية بفضل ابتعادها عن الخوض فيما لا يدخل في صميم اختصاصاتها، لا سيما القضايا ذات الطبيعة السياسية.

وشجب الحزب «هذه التصريحات المسيئة للأحزاب السياسية وللعمل السياسي بالمغرب، المؤطر دستور»، منددًا بهذا الانحراف الخطير وغير المبرر في سلوك رئيس هذه المؤسسة العريقة.

أما بلاغ حسب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أشار إلى أن «والي بنك المغرب جانب الصواب، وحشر وضعه الاعتباري في وظيفة تبخيسية إزاء العمل المؤسساتي، مثيرًا بذلك موجة غضب وقلق في الأوساط السياسية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أحد أعمدتها».

وأوضح الحزب أن والي بنك المغرب «لجأ إلى لغة تحقيرية، بنَفَسٍ شعبوي واضح، غير مستساغ في الخطاب المؤسساتي المفروض احترامه من لدن والي مؤسسة مركزية في عالم الاقتصاد والمؤسسات».

وأكد الحزب أن هذه التصريحات «تأتي في وقت تعرف فيه البلاد حملة تعبوية واسعة وجادة ومثابرة من أجل مواجهة ظاهرة العزوف الانتخابي، ومن أجل الدفع بالمغاربة، لا سيما الشباب منهم، إلى تسجيل أنفسهم في اللوائح الانتخابية…».

هده ليست المرة الأولى التي تحصل فيها الإساءة للأحزاب وللنخب والتظيمات السياسية، فقبل هفوة المسؤول الأول عن السياسة النقدية والمالية بالمغرب، تضمن تقرير بنموسى كذلك نقد مبطن وغير بريء للأحزاب السياسة عندما تحدث عن عدم ثقة المغاربة في القادة والهيئات السياسية، في تبخيس صريح للممارسة السياسية في المغرب، وهو ما قد يشجع على عزوف المواطن المغربي عن الإدلاء برأيه وبصوته في المناسبات الانتخابية القادمة.

هذا السلوك يؤدي إلى تقهقر واضطراب المناخ الديمقراطي المغربي، وهو وضع يساهم في تولي التكنوقراط لمناصب مهمة، سواء في الحكومة، أو في مؤسسات لها ارتباط مباشر بالمواطنين، والتي في الأصل على الفاعل السياسي أن يتولى تدبيرها بفعل احتكاكه معهم.

لوحظ في السنوات الأخيرة عودة قوية للتكنوقراط وصعود أسهمهم على حساب السياسي، وهذا يتزامن مع مناخ ديمقراطي بالبلاد يتسم بنكوص في البيئة الديمقراطية؛ مما يهدد أحد ثوابت الأمة والذي تم التنصيص عليه في دستور 2011، ألا هو ثابت الاختيار الديمقراطي.

فكلما عرف المغرب نوعا من الإنفتاح الديمقراطي تم تغليب السياسي على التكنوقراطي في تدبير الشان العام، وكلما كان هناك تضييق على الممارسة الديمقراطية والحرية، جرى اعتماد التكنوقراطي على حساب السياسي؛ مما يجعل هذه النخبة تحتل حيزًا أساسيًا في الهرم السياسي بالمغرب ونفوذها يتزايد على حساب السياسيين.

ظاهرة الاعتماد على التكنوقراط في تدبير الشأن السياسي انطلقت منذ عهد الحسن الثاني، الذي انتهجت الدولة في عهده منهجًا في الحكم معاديًا للديمقراطية وللسياسة بفعل الصراع حول السلطة الذي كان قائمً بين الملكية وأحزاب الحركة الوطنية.

هذه الممارسات السلبية التي شهدها المغرب خلال حكم الملك الراحل الحسن الثاني استمرت وامتدت، لكن بنسبة أقل على ما كانت عليه من ذي قبل، لتصبح بمثابة عرف سياسي، حيث لا تخلو أي حكومة مغربية من وزير تكنوقراطي، هذا السلوك والمنطق السياسي في تعيين التكنوقراط في الحكومات التي تفرز بعد كل استحقاق انتخابي، يعيق عملية التزاوج بين الديمقراطية والتنمية.

المراهنة على سياسة التكنوقراط لن تعطي النتائج المرجوة دون المضي قدمًا في مسار الإصلاح الديمقراطي الذي انطلق فعليًا مع دستور 2011، تحسن المؤشرات التنموية والاقتصادية لن تكون له قائمة من خلال مقاربات غير ديمقراطية، بحيث لا يمكن تحقيق الإقلاع الاقتصادي والتنمية في غياب ممارسة ديمقراطية حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد