يرسم العقل البشري صورًا نمطية يصعب تغييرها عن الأشياء والأشخاص المحيطين به. فعندما تُذكر كلمة «عاطل عن العمل» غالبًا ما يتم ربطها بشخص كسول يقضي معظم يومه في المقهى أو شخص غير قادر على تنمية مهاراته المتواضعة بما يضمن له الحد الأدنى من المنافسة في سوق العمل. في واقع الأمر لم تعد البطالة بشكلها النمطي هي المسيطرة في يومنا هذا، حيث ظهرت مصطلحات جديدة على مسامعنا مثل البطالة الممنهجة، والبطالة التكنولوجية، والحق في العمل اللائق.

من هو العاطل عن العمل؟

تعددت التعريفات التي تناولت ظاهرة البطالة ولعل من أبرزها تعريف العاطل على أنه «أي شخص في سن العمل القانوني ولديه الرغبة والقدرة على العمل، ويبحث عنه، ويرضى به عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى». يستخدم معدل البطالة في قياس تلك الظاهرة ويشار إليه بنسبة الأفراد العاملين إلى قوة العمل المتاحة خلال فترة زمنية معينة. تظهر البطالة في عدة صور وأشكال فمنها الإجبارية، والاختيارية، والموسمية، والاحتكاكية، والمقنعة، والجزئية، والهيكلية، وفي السنوات الأخيرة تم إضافة البطالة التكنولوجية لأنواع البطالة.

الثورة الصناعية والبطالة

بدأت الثورة الصناعية الأولى باختراع الآله البخارية في القرن الثامن عشر في إنجلترا، أما الثورة الصناعية الثانية فتفجرت في القرن التاسع عشر في عدد لا بأس به من الدول الأوروبية ثم انتقلت لباقي دول العالم واتسمت بزيادة الاعتماد على الطاقة الكهربائية. فيما ظهرت الثورة الصناعية الثالثة في القرن العشرين مع اختراع الحاسب الآلي وتطور خدمات الإنترنت، ومؤخرًا ظهرت الثورة الصناعية الرابعة بفضل تطور تقنيات النانو، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والحوسبة السحابية، وغيرها من التقنيات شديدة التطور وبالغة التعقيد.

السمة المشتركة بين كافة مراحل الثورة الصناعية هي ارتفاع معدلات البطالة وخاصة بعد إحلال العامل اليدوى بالماكينات والحواسب الآلية في العديد من المهن والحرف، ولكن هل سيزداد الأمر سوءًا في المستقبل بسبب التطور السريع في تكنولوجيا المعلومات وزيادة الإعتماد على الذكاء الصناعى في حياتنا اليومية؟ هل سيسرق الإنسان الآلي وظيفتك في المستقبل؟ هل ستصبح عاطلا عن العمل على الرغم من امتلاكك لمهارات عالية لمجرد أنك بشري ولست آليا؟

سيناريوهات محتملة

ظهرت تنبؤات متضاربة حول المستقبل بظهور كل موجة من موجات الثورة الصناعية وخاصة الموجة الأخيرة، فهناك من انتهج الفكر التشاؤمى وتنبأ بانتشار البطالة على نطاق واسع، فالتحكم الآلى في الصناعة من شأنه أن يقلص فرص العمل وخاصة في تلك الوظائف التي تعتمد على مستوى بسيط أو متوسط من الخبرات العلمية ويسهل محاكاتها تكنولوجيا، ومن أمثلة تلك الوظائف التي تأثرت بالفعل وظيفة الصراف البنكي جراء انتشار ماكينات الصرف الآلي. كما تنبأ البعض باضمحلال دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في ظل هيمنة الشركات متعددة الجنسيات مما ينذر بتراجع أوضاع الطبقات المتوسطة في البلدان ذات الاقتصادات الناشئة والنامية، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى قلاقل واضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة، بسبب اتساع حالة الفقر، وتدهور الأوضاع المعيشية في تلك البلدان التي ما زالت حديثة العهد بالنظم الديمقراطية ولم تتحقق فيها العدالة الاجتماعية بالشكل المطلوب.

بينما عبر أخرون عن تفاؤلهم وكان على رأسهم الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز في مقالة الذي نشرة في عام 1930 بعد شهور من الكساد الاقتصادي العظيم تحت عنوان «الاحتمالات الاقتصادية لأحفادنا» وانتقد فيه موجه التشاؤم السائدة آنذاك وأشار إلى أنها ظروف مؤقتة، وأن الازدهار سيعم في المستقبل، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد إلى تنبؤ كينز بأن جيل أحفاده لن يضطر للعمل أكثر من 15 ساعة أسبوعيًا بفضل التقدم التكنولوجي والرخاء المنتظر.

بغض النظر عن عدم تحقق تنبؤات كينز إلى يومنا هذا، إلا أن فيضان التفاؤل لم يتوقف وبرر البعض تفاؤلهم بأنه مع كل عصر يتسارع فيه التطور يتنبأ بعض الاقتصاديين بازدياد نسبة البطالة الممنهجة، لكن في نهاية الأمر تتحول إلى بطالة مؤقتة يتبعها خلق مهن ووظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، مثل وظيفة مهندس الاتصالات، وخبير تكنولوجيا المعلومات، ومسؤول التسويق الإلكتروني، وموظف خدمة العملاء، وغيرها من الوظائف المستحدثة.

لكن هل حقًا سوف يتم خلق عدد كافٍ من الوظائف في ظل التطور السريع للثورة الصناعية الرابعة؟ وهل ستبقى معدلات البطالة تحت سيطرة حكومات الدول؟ وما هو مصير العاملين ذوي المهارات الضعيفة والمتوسطة؟ وهل العاملين من ذوي المهارات العالية في مأمن من أن يطالهم شبح البطالة التكنولوجية في المستقبل القريب؟ كلها تساؤلات تصعب الإجابة عليها في الوقت الراهن وتحتاج إلى وضوح الرؤية حتى يتسنى للباحثين التنبؤ في ظل حالة من شبه التأكد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد