ربما تكون الحياة هي أهم ما يميز هذا الكوكب – إذا ما افترضنا خلو الأنظمة الكونية الأخرى من صور الحياة – وجاء الانسان ليميز هذه الحياة عن صور الحيوات الأخرى الموجودة قبله على هذا الكوكب، ومع كل هذا فهو لا يدري متى جاء إلى هنا، ولكنه يدرك أن هذا الكوكب لم يكن على ما هو عليه الآن عندما أتى، ربما أصبح أكثر تطورًا، أذكى من أسلافه التي رحلت، أو ربما العكس. إذ تشير دراسات الأنثربولوجيا إلى أن إنسان الآن يختلف كثيرًا عن إنسان الماضي في إطار الفكر، والتفاعل مع كل ما حوله، ربما لم يختلف معدل التطور الفسيولوجي كثيرًا، ولكنّ الفكر تأثيره أقوى في تغيير أنماط حياة هذه الكائن وهذا ما يميزه عن غيره من الكائنات، إذ إن الكائنات الأخرى تدفعها مكونات البيئة إلى مزيد من التغيرات حتى تتأقلم ربما لأنها لا تملك أداة الفكر، وربما لأن ما يحركها هو فقط عوامل الحياة المادية أو ربما شيء آخر ما زالت ماهيته غامضة بالنسبة لنا.

التطور البيولوجي يأتي بقدر قد يتطور الكائن استجابة لموقف أو لدفع خطر

إن أهم ما يميز التطور البيولوجي الطبيعي هو أنه هادف دائمًا بمعنى أنه لا يحدث إلا لغاية، ولا ينشأ إلا بدافع، لا ينشأ إلا إذا وجدت حاجة مسبقة إليه، وأن النمط القديم لم يعد قادرًا على أداء المهمة في ظل المستجدات التي تحتاج وجود نمط آخر أكثر تطورًا من النمط القديم، أو ربما يكون وجوده خطرًا على عناصر الحياة الأخرى بالضبط كانقراض الديناصورات، ومن هنا ينِشأ طراز بيولوجي أقدر على إكمال المهمة أو الرسالة التي جاء من أجلها، أو أن يرحل ليحل محله طراز حيوي آخر أقدر على الأداء، جاء هذه المفهوم باعتباره أساسًا محددًا لأي تغير أو تطور داخل الأنظمة الحيوية. وما نشير إليه هنا هو التطور على مستوى نفس النوع أو على مستوى سلسلة الحياة كاملة.

التطور البيولوجي أساسه الخلية وحدوده حدود الكائن

إذا ما عدنا إلى بداية خيط الحياة، ربما قبل أن يأتي الإنسان إلى هذه الأرض العجوز في نظرنا، الشابة في نظر الكون، لنقف عند حافة قدوم الحياة إلى هنا وبداية الظهور الحقيقي للخلية الحية بمفهومها البيولوجي، إذ كانت في بداية الأمر تحمل بداخلها مقومات البقاء فقط في الصورة البدائية المقدر لها أن تبقى خلال هذه الحقبة الزمنية لأداء غرض محدد بهدف وبزمن محددين، تشير دراسات التطور الخلوي إلى أن الصورة البدائية للخلايا لم تكن على ما هي عليه الآن، حيث كانت لا تحوي إلا بعض العضيات الأساسية، إذ كان حينها النظام الحيوي متزن إلى حد كبير باستثناء العوارض الكونية الكبيرة، والتي تبدو في دافعها أنها كانت بغرض توجيه النظام الحيوي لاتجاه محدد للسير ضمن خط الاتزان، أو فناء بعض صور الحياة التي شكلت خطرًا على الاتزان آنذاك.

التطور التكنولوجي وتطور الفكر

لا ندري إذا ما كان التطور التكنولوجي هو ناتج تطور الفكر، أم أن الأول هو أحد دوافع محفزات تطور الثاني؟ كل ما نعرفه أن الفكر يسعى في المقام الاول إلى إيجاد الراحة من منظوره النسبي في كثير من الحالات، فالدراسة السيكولوجية لمكونات الطبيعة الإنسانية تشير إلى أن الإنسان في كثير من الأحيان قد ينجذب بدوافع ظاهرية إلى ما هو جديد ملتمسًا فيه قسطًا من الراحة أو بعضًا من الحلول المريحة أو حتى شيئًا من الهروب، وهذا ما يفسره لنا مسعى الإنسان دائمًا إلى دوافع الراحة والخلاص والهروب، يفر إلى هناك وينسى ما قد يخلفه اندفاعه على كل جوانب حياته وحياة من يحيط به. وخلاصة العلاقة في هذا الجانب تلخص في أن التأثير يبدو في مجمله أنه متبادل فلا جدال في أن كليهما يؤثر ويتأثر بالآخر.

مردود التطور التكنولوجي على تطورات صور الحياة الأخرى

لا شك أن التكنولوجيا قادتنا إلى مزيد من الرفاهية، ولكن ليست كل الرفاهية تعني الراحة، ربما كان الإنسان البدائي يعيش مفهوم الراحة أكثر مما نعيشه الآن وربما العكس، فالراحة ليست راحة الأبدان فقط، هل وفرت لنا التكنولوجيا مزيدًا من الصحة؟، ربما نعم وربما لا، إذ تشير إحصائيات عمر الإنسان عبر خط الحياة إلى أن متوسط عمر إنسان الماضي أطول بكثير من متوسط عمر إنسان عصر التكنولوجيا، ربما تجاوز أضعاف عمر إنسان اليوم.

هل ساهمت التكنولوجيا في دفعنا إلى مزيد من الاستقرار الاجتماعي؟ الجواب بكل تأكيد لا.

تساؤلات مخيفة

ربما تدفع مخلفات هذا التقدم لتغيرات بيئية جوهرية مما يؤدي إلى تحور سلالات من صور الكائنات الأخرى التي قد لا يمكن السيطرة عليها، فقد أصبحت تأثيرات مخلفات هذا التقدم التكنولوجي عاملًا مدمرًا ومحددًا لكثير من معدلات التطور البيولوجي، واختفاء موشك لكثير من أنواع الحياة التي لها دور في اتزان هذا النظام الحيوي لهذا الكوكب المميز عن غيره من الكواكب. وما فيروسات الإنفلونزا وفيروسات كورونا منا ببعيد!

الجانب الآخر الذي يحتاج إلى مزيد من الدارسة هو انعاكسات هذا التقدم التكنولوجي على معدل ذكاء وسلوك الأفراد الجديدة أو الأجيال القادمة، بمعنى هل ستكون عقول الأجيال القادمة لديها دافع لاكتشاف وبناء المزيد أم أنها ستتوقف تدريجيًا حتى تصل إلى العقل البدائي معتمدة بذلك على نواتج التكنولوجيا، ربما ستنتج عقول لن تقول قادرة على استعياب أو مجابهة هذه الآلات، أو ربما تتفوق الآلة يومًا ما على ذكاء صانعها، أو ربما ستدفع به إلى النهاية، وتسيطر هي سيطرة مجنونة على كل هذا. ربما تخلق له حياة افتراضية يكتشف عندها أن الآلة أصبحت تخترق كل ما يميزه، كل ما يخصه.

إن أخطر ما يواجه التطور التكنولوجي الآن هو الارتداد العكسي لنتائجه، بمعنى مخلفاته الفكرية، وتأثيرات توابعه الفكرية والمادية على كل من الفرد والبيئة، ربما فضول الفرد إلى مزيد منه قد يدفعه إلى نهايته والعودة إلى ما قبل البداية.

دعنا نصطحب معنا في دراستنا هنا الحياة الذكية بمفهوم مسيطر ورئيسي في عملية التقدم التكنولوجي، هل نحتاج إلى كل هذا الكم؟ ماذا عن مخلفات هذه الحياة الذكية، مخلفات الإشعاع الذري، مخلفات رفاهية الإنسان، مردود كل هذا على النظام المناخي لهذا الكوكب؟ هل سيكون الإنسان القادم الذي يمتلك كثيرًا من التقدم التكنولوجي أقدر على مواجهة هذه التغيرات التي كان السبب الرئيسي فيها هو سعيه نحو ما يسميه التقدم التكنولوجي، دون الأخذ في الاعتبار تعارضات وانعاكسات هذا على تطور الحياة البيولوجية واتزانها؟

العلاقة بين معدل التطور بالداخل ومعدل التطور بالخارج أو بشكل أبسط معدل تطور الخلايا الحية ومقدرتها على مواجهة كل نواتج التقدم التكنولوجي، ومن ثم مقدرة الكائنات على البقاء والصمود.

إن الموضوع ليس صراعًا بين التكنولوجيا والبيولوجيا أو المادة والحياة، وإنما حاجة إلى إحداث توازن مدروس مسبق قبل الشروع في إنتاج ما هو جديد، قبل أن يتسبب أحدهما في نهاية الآخر بعضه أو كله، إذ إن التقدم التكنولوجي هو في المقدمة ناتج فكري وإبداعي لهذا العقل الذي قد يهدم المعبد فوق رأسه يومًا ما. كل هذه الأشياء قد تفهم أو تدرك يومًا ما ولكن الخوف من أن تدرك بعد مرور الزمن، إن مفهوم التقدم التكنولوجي على قدر ما فيه من الخير على قدر ما فيه من الخوف، كما أن هذا الكون بما يحويه من أنظمة بيولوجية وكونية متعددة قد خُلق طبقًا لهندسة مثالية متزنة اتزانًا محسوبًا بقدر محكم، لأن الصانع هو الله العليم الحكيم.

كلها تساؤلات مخيفة تترد داخل العقل المحارب وبجواره القلب الخائف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد