قبل الدّخول في لُبِّ الموضوع يجدر بالكاتب أن يلقي الضوء على مفهوم التكنولوجيا؛ حتى يكون محتوى المقال أسرع استيعابًا وفهمًا من خلال أنموذج يسهل الوصول إلى الهدف.

على هذا المنوال يمكن القول إنّه عندما نتحدّث عن التكنولوجيا تذكّرنا هذا المصطلح العلمي الحضارة، أو العولمة، بعكس العصر القديم الذي لم يتمتّع بالظواهر التكنولوجية التي يستمتع بها الجيل الراهن أو العالم الحديث، وعلى الرّغم من أنّ الله عزّ وجلّ كرّم بني آدم بالعقل وقدرة التفكير، إلاّ أنّه عاش حين من الدّهر لم يكن يعرف كثيرًا من الأشياء، حيث إنّه عاش في عصر قبل التّاريخ كما تعيش الحيونات تمامًا، بمعنى لم يكن يعرف كيف يصنع الملابس لستر عورته، ولم يكن يعرف كيف يطبخ الطعام لعدم وجود النّار، مع أنّه استخدم الشمس طبيعيًا بدلًا عن النّار في جلّ الحالات، كما عاش في الظلام الدّاكن ليلًا إلا بنور القمر، يستضيء به، كما سكن فوق الأشجار، لعدم الخبرة في بناء بيوت يسكنون فيها، كما كان يقضي سنوات للسفر من مكان إلى آخر، وسوف يسافر ولا يرجع أيضًا،ش وإنّما يمكث في تلك المنطقة، ويلد فيها الأولاد، فالذريّة، فيكتثرون حتى يصبحوا أسرة، ثم قبيلة، فقبائل، ومجتمع، فأمم، والذين كوّنوا مدنًا، فالدول التي نراها اليوم.

وفكرة التكنولوجيا، جاءت عندما بدأ الإنسان إعمال عقله للخروج من الحياة البدائية الروتينية المحورية الطبيعية من أكل الثمار واللحوم والنوم فوق الأشجار أو في الكهوف، بدأ باستغلال أنماط البيئة حوله لتسهيل حياته، والبيئة نقصد بها العالم حول الإنسان من سماء وأرض وفضاء ففي السماء توجد: الشمس وتوابعها الكواكب، والنجوم، والصحابة، والهواء، والأقمار، وغيرها، أما الكرّة الأرضيّة فتمتاز بالتربة، والأحجار، والصخور، والجبال، والأنهار، والبحار، الأشجار، والأعشاب، والصحاري، بل الطقس، وإن كان جوًّا فإنّه جزء من سمات البيئة الطبيعيّة، فالمجتمعات الذين يعيشون تحت الخط الإستوائي لهم شعور خاص بالطقس جوّه عن الذين يعشيون تحت الخط المداري، أو في المناطق القطب الجنوبية أوالشمالية، هي الأماكن التي يعتريها الاعتدال للجوّ، وكثرة الأمطار، والغابات المكثفة، كما المدارية تمتاز بالسخانة في جلّ الأوقات والرّياح والبرودة الشديدة، والجفاف، أما المنطق القطبية فهي باردة ثالجة تمامًا وغيرها من أنماط الطقس الجوّي، وهذا تلميح من الكاتب مستطردًا للقارئ عن الأحوال الجغرافية المتعلّقة بالظواهر الطبيعية للبيئة.

على أيّة حال، تذكّرنا هذه اللحظات وبالاختصار، العصر الحجري، الذي جاء بعد العصر ما قبل التّاريخ ولا أحد يخوض فيها كلامًا لأنّه كان مجهولًا تمامًا، أمّا في العصر الحجري فنتيجة احتكاك الإنسان بالحيوانات وبعضها مفترسة، فكّر باختراع شيء بنفسه حتى يقيَ به نفسه ضدّ هذه الحيوانات، فاستخدم الحجر ونحته على شكل سلاح يقتل به الأسد، والذئب، والثّعلب، والنمرة وغيرها، ومن هذا المنطق بدأت التكنولوجيا.

فعلى هذا النمط يمكن تعريف تكنولوجيا: بأنهّا عبارة عن عمليّة ذهنيّة تفكيريّة التي تتبنّى على تجارب متكرّرة التي تقود إلى إدراك الحقيقة، فاختراع شيء جديد من البئية الطبيعية الذي يستفيد به النّاس. فاستخدام الإنسان الحجر كسلاح لا يعني أنّه جاء بالحجر من العدم، لكنه كان يعيش في كنف هذه الأحجار لملايين سنوات.

ولم يكن يعرف أهميّتها لعدم التفكير فيما يفعل بها، ولمّا فّكر وقدّر ثمّ جرب وطبّق أدرك بعد التجارب أنّ الحجر مادة فيزيائيّة صلبة، لكنّه قابل التحويل إلى شيء يمكن استخدامه لمصلحة نفسه، فتحويل الحجر إلى سلاح أمر ذهنيّ وعقليّ تطوّر من مرحلة إلى مرحلة، إلى أمر عملي وتطبيقيّ وحرفيّ بإخراج الحجر من واقعه الطبيعي إلى شكل مصطنع يرضي به الصانع أو المخترع، فهذه العمليّة هي التي تسمّى التكنولوجيا.

كما استغلّ الإنسان الأشجار حوله ووبر الضعن وجلود الأنعام لصنع ملابسًا، كما استخدم الحديد والنحاس لصنع آلات الحرب بل ملابسها مثل ما قام بها قوم داود ـ عليه السلام ـ وغيرها والأعشاب سترًا لعورته، وغيرها.

فاستمرّ الإنسان على استخدام عقله بالتفكير على الدّوام فانحاز إلى استخدام الأحجار المنحوتة بيوتًا، مثل هرم فرعون يسكن فيها ليقي نفسه من البرد، والمطر، والحيوانات المفترسة والدّواب، ومن الحجر استطاع أن يوقد نارًا، ونتيجة كشف الإنسان النّار أدّى إلى انفجار غير مسبوق للنهضة والازدهار بشكل سريع جدًا، حيث إنّ الحديد يزوب سائلًا من فرث الأحجار نتيجة الحرارة المؤويّة الشديدة فيها، فصنع الإنسان من الحديد أسلحة متطوّرة كلّ من السيوف والرّماح، والنبال، وغيرها، كلّها تسمّى تكنولوجيا؛ لأنّها من التفكير والملاحظة، ثم التجربة، إلى المعرفة، فالعلم، فأصبح مهنة، وحرف يدوي، خارجًا من ظواهر البيئة الطبيعيّة.

فبالتّأكيد إنّ الإنسان هو ابن عاقل للبيئة الطبيعيّة ومستعمرها ومستخدمها، بحيث أنّه قادر على تحويلها أيكولوجيا إلى ما هو مرسوم في ذهنه، وأن يقود هذا التحويل إلى سلبيات أخرى، وهي تلوّث البيئة بالنفايات والوقود، على أيّ حال فهذه الخاصيّة للإنسان فقط دون المخلوقات الأخرى، فالبهائم، والدّواب تعيش في هذه الأرض أضعاف ملايين سنين، ولن تستطيع اختراع شيء تستفيد منها ناهيك عن التحويلات الأيكولوجية للكون، ذلك لعدم التوفير لديها قدرات التفكير نحو الاختراع أو الابتكار، لكنّها بالطبع تستمر الحياة على شكل روتيني بمعنى محور الدوران في الصفات والتصرفات من: الصيف إلى الشتاء، ثمّ الرّبيع فالخريف، مع أنّها تتكاثر بالتناسل، كما أن لها مجموعات مختلفة ذات صفات معيّنة تمتاز بها كلّ مجموعة، وتظلّ آكل الأعشاب مجموعة عشبيّة، وآكل اللحوم مجموعة مفترسة، وآكل الحشرات من الدواب، ومنها الثدويات مثل الأبقار والمواعز، ومنها مبيضات مثل الطيور والدواجن، وكما منها حيوانات برّية بحتة مثل الجمل، والحصان، والخروف، والدّيك ..إلخ، وتلك مائية بحتة، مثل: الأسماك وأنواعها، الحيتان… إلخ، والمزدوجة التي تستطيع العيش في كلتي البيئتين البرّية والبحرية معًا، كالثعبان، وفرس البحر، والتمساح، والضفدع، والسرطان، وتسمّى بالـحيوانات البرمائيّة لن تخترع شيئًا من البيئة الطبيعية، وإنّما تستهلك بعضها بعضًا، وتموت فتحلّل في التراب وتسمرّ الحياة محوريًا على الدّوام حتى إلى قيام الساعة.

لكنّه من نعمة الله عزّ وجلّ أن جعل البيئة الطبيعية ومكوّناتها المذكر سماتها آنفا لاستفادة الإنسان وخدمته، وهذا مصداقًا لقوله تعالى في المحكم التنزيل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، سورة الإسراء، الآية : 70.

وفي العصر البخاري بمعنى عصر الوقود أو الفحم قد استمدّ هذا العصر إلى يومنا هذا مع اختلاف وتعدد الآلات التكنولوجية التي نجمت نتيجة عناصر البخاريات، فالسيارة من البخاريات، والطائرة منها، والباخرات، وكلّها قبل ظهور الفحم أو الوقود استعملت ميكانيكيا، والسيارة كانت ميكانيكية لأنّها صنعت على شكل عربة يدسّها إنسان أو يجّرها حصان، أما الباخرة، فكانت ميكانيكية لعدم ادخال الفحم أو الوقود فيها وإنّما صنعت من الأشجار، والغطاءات الكبيرة حسب النوع والأهميّة والتي تتحكّم السير بالاحتكاك ما بين الطرد والجذب مع الهواء فيسافر الإنسان من مكان إلى مكان بعيد عبر البحر، ومنها السفن المصنوعة من الأشجار التي تستخدم ميكانكيا حتى يومنا هذا.

وفي عصر الثورة الصناعية أوالنهضة الحديث أخذت التكنولوجيا شكلًا بارزًا عند ظهور الوقود الفحم، يعنى العصر البخاري، من حيث إنّ السيارة والقطار، والباخرة استعمل فيها الفحم الخشبي قبل الوقود المستمد من البترول: كالبنزين، والغازولين، والكيروسين، والديسيل، وغيرها من رواسب البترول.

فوسائل النقل من مكان لآخر مثل السيارات بأنواعها: الصغيرة الخاصة أو الأجرة، أو الباصات، والشاحنات، والدّراجات الميكانيكية أو النّاريّة بمعنى البخاريّة، والباخرات، بأنواعها، والطائرات بأنواعها الحربية والسفرية والخاصة، كما أنّ البروج الطويلة والمباني الصغيرة والضخمة والشوارع الواسعة، كلّها تعتبر نمطًا من أنماط التكنولوجيا الحديثة، لكن لم تجد هذه الظواهر تقدّم ملحوظ والسريع والإزدهار كما وجد وسائل الأتصال الحديث، أهمّها الكمبيوتر أو الحاسوب الآلي الذي عرف تجارب عبر التّاريخ؛ مما أدخل فيها تغييرات وموصفات وقدرات ودرجات على حسب الشركة المصنوعة له.

وأخيرًا إذا علمنا أنّ الحيوان لا يملك قدرة أوملكة التفكير، ولا الإبداع، ولا الابتكار، ولا الاختراع كما سبق ذكره سابقًا، فسيساعدنا هذا المفهوم إلى معرفة مصطلح تقنيات المعلومات أو التكنولوجيا كعلم قائم بذاته.

ومن أفضل أنماط التكنولوجيا، الكمبيوتر أو الآلة الحاسبة التي تطورها الإنسان حتى أصبحت قابلة لإجراء عمليّات متعددة لا تعدّ ولا تحصى والمعروفة حاليًا.

كيف اخترع الإنسان هذه الآلة؟

لمّا كثرة آليّات المحاسبة عجز استخدام وسائل التعداد الطبيعية، بمعنى أنّ الإنسان في قديم الدّهر كان يستخدم أصابعه لتعداد بهائمه، الخراف، والجمال، حتى الديوك، والعروض التجاريّة وغيرها… كما استخدم الأحجار الصغيرة، أو عصيّ مقطّعة جمع عصا و المثل الأعلى لتلك الآلات التكنولوجية التي اخترعها العالم الصيني، المسمى أباكوس Abacus كان ذلك في عام 1500 ق.م وكانت تمتاز بكبر الحجم مع قلّة المهام يعني كانت تختصر هذه الآلة على الحسابات فقط دون غيرها من المهام.

وتلاه العالم الفرنسي المسمّى باسكال، بحاسوب طوّره من أباكوس للتعداد، فأدخل فيه عمليتي الجمع والطرح فقط، وكان ذلك في عام 1642.

ثمّ جاء العالم الألماني ليبينز Leibniz الذي اقتبس من جهود السابقين باسكال بإختراعه آلة تكنولوجية تستطيع أن تقوم بعمليّة حسابيّة على مزاياها الأربعة الجمع والطرح، والضّرب، والقسمة، لكنّ الحواسيب كانت تعمل ميكانيكيا في هذه العصور، وكان ذلك في عام 1671.

حتى ظهور عالم تقاني الرّائد وهو المفكر الإنجليزي تشارلز باباج في بداية عام 1822 الذي استطاع أن يجعل الكمبيوتر أو الحاسوب الآلي عاملًا ببصمات كهربائيّة هائلة، من أجل هذا التطوّر الفكري العميق سمّيَ بأبي الكمبيوتر مع أنّه أفنى عمره وممتلكاته لتحقيق أحلامه الاختراعيّة بشكل كبير، إلاّ أنّه توفّى عام 1871.

وفي عام 1884 تمكّن الأستاذ الجامعي الأمريكي هيرمان هوليرث بتطوير آلة تكنولوجية إلكترونيّة تستخدم لتثقيب البطاقات وآلة تبويب استخدمت في إجراء عمليّة إحصائيّة ولأوّل مرّة على السكان في ولايات المتحدة الأمريكيّة

ومنذ ذلك الحين ظهر علماء كثيرون وباحثون تكنولوجيون بأفكار متواصلة تنتج من خلالها تطور تكنولوجي في كلّ دقيقة، حتى أصبح الحاسوب الآلي في العصر الحديث الراهن تقدّم خدمات هائلة للإنسان، بل أصبح جزءًا مكمّلًا لحياته اليومية في مجال التخطيط والتنظيم والترتيب والطباعة والطب والإدارة والاتصالات الفردية والمجماعية، بل الجماهيرية كما يستخدم في إجراء عمليّة تعليميّة.

ويمكن التركيز على الحاسوب الآلي لكونه أروع نمط من أنماط التكنولوجيا الحديثة كالتالي:

أصبح الحاسوب الآلي قابل لإجراء مهام ضخمة بعد إرسال الاتحاد السوفيتي قمر اصطناعي أو Satellite في الفضاء ولأوّل مرّة في تاريخ البشريّة في عام 1957ممّا أدى إلى حدوث انفجار كبير في مجال علوم التقنيات.

وظلّ الباحثون عليه حتى استطاعوا أن يبتكروا الشبكة الإنترنت في الثمانينات التي جعلت العالم قرية واحدة، كما جعلت وسائل الاتصال السلكية بلاسلكية، بمعنى السلكية أنّ الهاتف الذي يتواصل الناس به كلاميًا كان يعمل من خلال الأسلاك من المقرّ إلى البيوت المسجلة له، هكذا في جميع النّوحي للعاصمة أو المدينة أو القرى المجاورة، يمكنك المعرفة فيزيقيا البيوت التي فيها التلفون من خلال الأسلاك التي يتواصل النّاس خلالها هاتفيًا، لكنّ الشبكة الإنترنت جاءت لجعل جلّ الوسائل الاتصالية لاسلكيّة بمعنى يمكن إجراء عملية الإتصال دون ربط سلك من فاتف المرسل إلى هاتف المستقبل كالراديو، والتليفزيون، وهواتف الجوالة، بل شبكة الإنترنت فقط تركب الأرقام أو عنوان البريد، أو ردمة الموقع وتتصل بصاحبه وهذا النوع من الاتصال يسمّى بالاتصال اللاسلكي.

ويمكن متابعة تعريف وأهمية التكنولوجية في الجزء الثاني لاحقًا إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على السيّد المصطفى الأمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد