إن ما يشهده عالمنا من فوران تكنولوجي متدفق – أحاله إلى ما يشبه الغرفة الواحدة التي يستطيع من بها رؤية وسماع من يشاركه إياها من الآخرين – قد أسهم – بلا شك – في يسر الحصول على عدد من المنافع لم يكن ليُحصل عليها قبلا إلا بشق الأنفس. إلا أنني وبالنظر الطويل وجدت أن ضُرٌ هذا اليُسر أضحى أكثر من نفعه، وأنا هنا لا أقصد ما ظهر ضُرٌُه من مساوىء، وإنما الضرر المُنماع فيما ظاهره النفع وذلك على النحو التالي:

أولا: الضرر المجتمعي

ويتمثل في أمور:

1- الفقر الدائم: وأقصد به أن انفتاح العوالم على بعضها اقتصاديا دون مراعاة للتباين والاختلاف بين قواها، والذي نتج عنه تبادلا لصنوف من السلع والمشتريات لا حصر لها في الباب الواحد فضلا عن تنوعها في كل الأبواب، قد أضر بالناس ضررا بالغا، غنيهم بله فقيرهم، إذ أصبح الكل مفتقرا بشكل ما للحصول على سلعة من هذه السلع التي لا ينضب معينها ولا يُعضد مصدرها. وقد كان يُظن أن هذا مما سيوفر الراحة ويمنح الرفاهية فإذا به يورث القلق ويشعل سعير التشبع وليته يشبع! وفي الماضي كان الحصول على صنف واحد من جملة الأنواع التي تُعد على الأصابع، من دواعي السرور والانبساط والرضا.

2- الجفاء: وهو أصل فساد العلائق البشرية سيما الاجتماعية في نطاقها الأُسري، وهذا ظاهر لكل أحد، إذ أصبحت علاقة الإنسان بتطبيقات هاتفه أقوى من علاقته، لا أقول بأهله، وإنما بربه وفروض دينه. كان الواحد في القديم يقطع الأسفار لرؤية قريب له وربما لم يجده فعاد وهو يخطط لسفرة أخرى يطمح فيها أن يلقى الأحبة ويسعد بالصحبة. والآن اختفى التواصل والكلام حتى بين الأزواج فيما عُرف أخيرا بـ(الخرس الزوجي) أو ( الخرس الأُسري) واستعاض الكثير بالمراسلة عن المقابلة فوقع الجفاء وكنا نظنه لن يقع!

3- توسيع دوائر الخلاف: وأقصد به ما كان يُسمى الاختلاف بين العلماء فتحول برذيلة التكنولوجيا لخلاف بغيض قطع الأواصر، وأصل للتكفير الفكري بين المختلفين. وبيان ذلك أنه في القديم كان اختلاف العلماء وأتباعهم يخضع للتوزيع الجغرافي لتواجدهم، فكانت مدرسة أهل الحديث بالحجاز وما جاورها ومدرسة أهل الرأي في الكوفة وما جاورها، ثم الفقهاء الأربعة وارتباط كل فقه بقطر من الأقطار حتى أن أحدهم كان يغير فتواه بتغيير محل إقامته عملا بقاعدة ( الحكم ثابت والفتوى تتغير)، مما يتطلب مراعاة الظروف الزمانية والمكانية في إصدار الفتوى. أما الآن فإن سهولة الاطلاع على الأراء الفقهية مسموعة ومقروءة ومرئية بينا يحتسي أحدنا القهوة- ودون أدنى دراية بالظروف المكانية والزمانية المصاحبة لصدورالفتوى أغرت بعض المتعالمين بتطبيقها في أقطارهم التي ليست مكان صدور الفتوى تطبيقا حرفيا لا يُراعي ما راعاه الأوائل من ضرورة اعتبار الزمان والمكان. وعليه فإنك تجد في مصر من يريد تطبيق فتاوى بلاد الحرمين لأنه يُعجبه علماؤها، وفي بلاد الحرمين من يريد تطبيق ما تراه جماعة قابل التطبيق في مصر والوضع بين البلدين مختلف. فأصبح البيت الواحد يجمع سلفيا وإخوانيا وتبليغيا وجهاديا وصوفيا، وهذا حسن لو أحسنوا الفهم.

4- القضاء على روح التغيير العملي لواقع الأمة الأليم، حيث يكتفي المشارك بمجرد الضغط على أحد أزرار الكمبيوتر لتسجيل إعجابه أو التعبير البارد عن غضبه أو تغيير البروفايل الخاص به في إظهار تضامنه مع قضية من القضايا، ثم يمضي في حياته ظانا أنه بذلك قد أدى دوره وأخلى مسئوليته.

وللحديث بقية في مقال لاحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تأمل, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد