بعد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، فلا شك أنك تعلمت مجموعة من الحقائق من صناعة علم النفس الشعبي، فهذه الصناعة تضم شكبة ممتدة من مصادر المعلومات اليومية عن السلوك الإنساني، بما في ذلك برامج التلفزيون وبرامج الراديو التي يتواصل فيها المستمعون مع الضيوف هاتفيًا، وأفلام هوليود وكتب مساعدة الذات والمجلات التي تباع في الأكشاك ومواقع الإنترنت.

على سبيل المثال تخبرنا صناعة علم النفس الشعبي:

  • أننا نستخدم 10% فقط من قدراتنا العقلية.
  • أن معظم الأطفال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي، يتحولون بدورهم إلى معتدين عنما يكبرون.
  • أن المراهقة هي حتمًا مرحلة اضطراب نفسي.

وغيرها الكثير والكثير من المعلومات المغلوطة والقصص المثيرة والخيالية التي تروى، ومتعلقة بعلم النفس.

في كتابهم الذي نال تزكية كثير من علماء النفس من مختلف الجامعات ( أشهر 50 خرافة في علم النفس)، قام المؤلفون (سكوت ليلينفيلد) و(ستيفين جاي لين) و(وجون روشيو) و(باري بايرستاين) بهدم الأفكار الخاطئة والشائعة حول سلوك الإنسان، وإقامة الأدلة العلمية القوية على تصحيح تلك المعلومات وفقًا للمعايير العلمية، وتوضيح سبب انتشار تلك المعلومات في أغلب المجتمعات، وإن كان بعض المعلومات ليست بالفعل محض خرافة، ولكنها تحتوي على قدر ضئيل جدًا من الحقيقة، من شأنها أن تحدث ضررًا بصورة غير مباشرة.

لماذا ينبغي علينا معرفة تلك الخرافات؟

  1.  الخرافات النفسية قد تكون بالغة الضرر، فمثلًا الأباء الذين يعتقدون أن الضرب وسيلة مناسبة لتغيير سلوك الطفل، قد يخرجون لنا أطفالًا عبارة عن مشاريع مرضى نفسيين قابلة للتنفيذ في أية لحظة.
  2. من الممكن أن تكون تلك الخرافات سببًا في إحداث ضرر غير مباشر، فعلي سبيل المثال، الأفراد الذين يعتقدون خطأ في فاعلية أشرطة مساعدة الذات التي تعمل على اللاواعي للإنقاص الوزن، ربما ينفقون جزءًا كبيرًا من وقتهم وجهدهم وأموالهم على علاج لا فائدة منه، وربما يفقدون فرصة الاعتماد على برامج إنقاص الوزن القائمة على أسس علمية والتي يمكن أن تحقق فائدة كبيرة. وهذا ما يطلق عليه علماء الاقتصاد (تكلفة الفرصة).
  3. قبول الخرافات النفسية يمكن أن يعيق تفكيرنا النقدي في جوانب أخرى. فكما ذكر عالم الفلك (كارك ساجان) فإن إخفاقنا في تمييز الخرافة من الحقيقة في أحد ميادين المعرفة العلمية، مثل علم النفس، يمكن بسهولة أن يتفاقم إلى إخفاق في تمييز الحقيقة عن الخيال في ميادين أخرى شديدة الأهمية.

 المراهقة هي حتمًا مرحلة اضطراب نفسي!

لا تعد وجهة النظر التي تري أن المراهقة هي دائمًا أو في الأغلب مرحلة مرحلة اضطراب شعوري وجهة نظر حديثة.
حيث قدمت آنا فرويد (1958) – ابنة سيجموند فرويد – شرحًا مبسطًا لوجهة النظر التي تري أن الاضطراب الذي يمر به المراهقون هو أمر سائد، لم يتوقف الأمر على كونه أمر سائد من وجهة نظر آنا فرويد، بل قالت أيضًا: أن يكون المرء طبيعيًا خلال فترة المراهقة أمر غير طبيعي في حد ذاته، بل تعتبر أيضًا أن المراهقين الذين لا يمرون بتلك الاضطرابات في فترة المراهقة معرضين بدرجة كبيرة لخطورة الإصابة بالمشكلات النفسية في سن الرشد.

هذه الصورة النمطية التي تصور سنوات المراهقة كمرحلة (بشعة) تكرر ظهورها في كثير من وسائل الإعلام، فهناك عشرات الأفلام (كما يذكر الكاتب) تركز على مأساة المراهقين الذين يحيون وسط المشكلات، بالإضافة إلى تصدر بعض الروايات الأكثر مبيعًا، والتي تتفق مع تلك الصورة السوداوية لسنوات المراهقة.

ولأن الكتب والأفلام تركز على حكايات المراهقين المضطربين أكثر بكثير من تركيزها على المراهقين الأسوياء، إذ إنه من غير المحتمل أن يصنع فيلم يتحدث عن مراهق سوي قصة مشوقة، ناهيك عن أن يحقق إيردات ضخمة، فلا تخلو نماذج المراهقين التي تعرض على الجمهور باستمرار من موقف انحيازي.

وحتي نقيم الادعائات بأن المراهقة هي فترة عواصف وتوترات حقًا، نحتاج إلى دراسة ثلاثة محاور من سلوك المراهقين:

  1. الصراعات مع الآباء.
  2. التقلبات المزاجية.
  3. السلوك الخطر.

أشار الكتاب إلى أن الأبحاث تظهر بأن الادعاء القائل بأن المراهقة هي فترة عواصف وتوترات تشتمل على جزء صغير من الحقيقة، هي في الأغلب أحد الأسباب التي تقف وراء شهرته. إن المراهقون معرضون بدرجة مرتفعة إلى حد ما لخطورة مواجهة صعاب تتعلق بمحاور السلوك الثلاثة السابقة، لذا فمن الصحيح أن فترة المراهقة قد تشهد صراعات نفسية محتدمة لدي (بعض) لمراهقين.

ولكن نلاحظ أن كلمة بعض هنا وضعت داخل قوسين، إذ تشير الدراسات إلى أن 20% فقط من المراهقين هم من يمرون باضطرابات نفسية ملحوظة، لكن الغالبية العظمي يتمتعون بحالة مزاجية جيدة وعلاقات متوائمة مع آبائهم وأقرانهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك الإضطرابات النفسية الملحوظة والصراعات مع الآباء تقتصر بدرجة كبيرة على المراهقين الذين يعانون من مشكلات نفسية واضحة مثل الاكتئاب واضطراب السلوك.

إذًا لا توجد أسس قوية تؤيد الإدعاء القائل بأن القلق الذي يصحب مرحلة المراهقة هو أمر طبيعي أو حتمي (إيبستاين، 2007)، بل على العكس حدوث ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة، علاوة على ذلك لم تجد دراسة تتبعت 73 مراهقًا من الذكور على مدار 34 عام أي دليل ولو ضعيف على أن المراهقين الذين يتكيفون بسهولة مع هذه الفترة يكونون معرضين لخطورة الإصابة بالمشكلات النفسية فيما بعد (أوفر وآخرون، 2002).

أضف إلى ذلك أن المعلومات الأتية من الثقافات الأخرى في المجتمعات غير الغربية، تتعارض مع هذا المفهوم السلبي عن تلك المرحلة، ففي اليابان يصف 80 إلى 90 % من المراهقين حياتهم الأسرية على أنها مرحة أو محببة، ويقولون إنهم يتمتعون بعلاقات طيبة مع آبائهم، ولم تسجل أي اضطرابات خطيرة ملحوظة بمرحلة المراهقة في الهند.

بقي سؤال مهم: هل تلك الخرافة تمثل أي خطر أو قد تحدث أي ضرر؟

بالفعل قد تسبب ضررا بالغا، فربما يؤدي ذلك الإعتقاد إلى تجاهل بعض المشكلات الحقيقية التي يمر بها المراهقون بوصفها (مرحلة عابرة)، أو باعتباره شئ حتمي كما زعمت آنا ومن على شاكلتها، هذا الأمر من شأنه أن يسبب حالة من الإنزعاج الشديد لدي البالغين الذين لا يتلقون مساعدة نفسية وهم في أشد الحاجة إليها. 

الخلاصة

  1.  المراهقة في ذاتها لا علاقة لها بحالة الإكتئاب أو الاضطرابات النفسية، ولكن الأمر يتعلق بما يمر به المراهقون من ضغوط مباشرة في الحياة اليومية، سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع بشكل عام.
  2. من الضروري أن نضع في اعتبارنا ان المراهق عندما يتعرض لاضطرابات وتوترات، فهذا لا يعني أن الأمر من لوازم سيكولوجية مرحلة المراهقة، ولكن هذا يحيلنا إلى تخمين أسباب فعلية أدت بهم إلى هذه الإضطرابات، حينها لا بد أن ندرك أنهم في حاجة إلى دعم معنوي ووضع مشالكهم في بؤرة اهتمامنا.
  3. خطورة تسليم عقولنا للإعلام وما يبث فيه بشكل يومي وما يحمل في ثنايا من مغالطات وادعاءات ليس عليها أي أدلة قوية تؤيدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد