ينهل العقل البشري من رافدين مهمين يحددان درجة خصوبته، هما القدوة المستنبطة سواء من الأيقونات المعاصرة كالنجوم والرواد أو تلك التي لم يطفئ الموت شعلتها فظلت متقدة لقيمة ما خلفته اختراعاتها التقنية أو إبداعاتها المعرفية أو سيرها العطرة، خلفيةً عامة لاشتغال كل من الحقلين التربوي والفني كرافد ثان أساسي. هذا الأخير الذي لم يعد القائم الوحيد على تقديم المادة التثقيفية والتحكم في تحريرها حيث احتلت المنابر الموازية كالفضائيات والشبكات الحديثة حيزًا كبيرًا من الفضاء وبالتالي من السلطة، فما فتئت تثبت بأسها وقوتها رغم التركيبة المعقدة لهذه السلطة بدون مسؤولية مباشرة على الأقل، حيث لا مجال لمنافستها سوى بالمواكبة من حيث الشكل، والحرص على الجودة العالية في كل ما تقدمه باقي السلط التقليدية من حيث المضمون. وإلا لفقدت المنظومة التناغم والثبات في السير، الذي لن يحتاج ضرر فقدانه إلى شرح أو تبيان.

تيارات جارفة تقذف فيها العولمة بالغث إلى هامش الهامش وتقبض فيها شبكات التواصل بأجيال كاملة رهينة داخل كهوفها اللامتناهية، حيث لا نجاة إلا للمتمكنين من الذات الذين لم يولولوا كما ولول منبرنا الديني فجر الطفرة التقنية الحديثة، لينحني لها مكرها بعد ذلك. وهو نفس ما اقترفه هذا المنبر فجر الثورة الصناعية حيث لعن الآلة وكفر صانعها وزندق السابق لاستعمالها، لنفقد مبادرة السير في ركب التصنيع، رغم أن حجم الهوة كان قابلًا للاستدراك حينها إلا أن الفرصة قد هدرت مثلما هدرت فرص أخرى، يوم كانت الألباب رهينة هذا المنبر لوحده يفعل بها ما يشاء. فأنى لجيل بالتمكن من الذات والتناغم مع ديدن الحضارة حين يفوق عدد الفضائيات العربية الألف قناة وقناة من دون وجود قناة واحدة متخصصة في التاريخ؟

فكل حي على سفينة الزمن هو في حالة سير، غير أن السير بسرعة مقبولة يحتاج إلى رسم خط واضح والدفع بقوة متواترة نحو أفق أعلى وأفضل، وهو ما يتطلب امتلاك نظرة معتدلة إلى الماضي بغربلة التاريخ وتحديد السلبي والإيجابي فيه، بدل تقديسه وتمجيده جملة دون تفصيل أولًا، ثم التوافر على إنتاج فني يعيد للقيم المثلى مكانتها باعتبارها محورًا للحياة بعدما طمست في سير جحا وحديدان والدراما المصرية التي رسخت في ذهن الأجيال بأن الصدق والنبل ممنوعان من التفوق، الذي يبقى عندها حكرًا للماكر والخبيث. فالغرب قد حصد ثمرة غزو الفضاء بعد زراعة هذه الفكرة في الرسوم الورقية التي ألهبت حماسة وقريحة طفولة الجيل الذي حقق هذا الحلم، مثله مثل الجيل الذي كبر في طفولته مع سلسلات الرسوم المتحركة (كسلسلة جرايندايزر) حيث الشاشات اللمسية والتواصل المباشر بالصورة والصوت الذي تحول من خيال إلى واقع معاش اليوم، في الوقت الذي وقفت قريحة مبدعينا يومها عند بساط الريح غير المادي وغير القابل للتصنيع. إن الزمن لا يطوى فما هُدر من زمن سيحتاج زمنًا لردم حفرته، بدل السعي مباشرة إلى ما بلغه المتفوق أو العيش في نواح وعويل المقارنات، فالمتاح والممكن اليوم هو تصحيح الخلل الذي حال بيننا وبين التعرف على ذاتنا، وذلك بالتوافر على نظرة واضحة للماضي كما للمستقبل، لعلنا ننجح في إخراج الذرية من صرف المفعول به إلى صرف الفاعل.

فما على الذين يتساءلون عن السر الكامن خلف نبذ المراهقين بالعالم العربي للعديد من القيم القيمة وفقدانهم لعامل الكاريزما سوى تحليل نوعية أبطال الشاشة العربية ونمط الأدوار الذي تشتهر به، بالمقارنة بين كاريزما السقا وهنيدي ورمزي وسعد… وبين كاريزما ستالون وآرنولد ودوغلاس وفريمان… ليقف على الفرق بين النموذج المسيطر على الشاشة هنا وذاك المهيمن هناك، فالتنبأ بمستقبل عقلية الأجيال لا يحتاج إلا إلى إلقاء نظرة على الحقلين الإعلامي والفني لأنهما الريشة التي تنحت تضاريس ولون عقول الناشئة، فحتى الترجمة التي هي أداة فعالة للاستدراك مصابة بالحول للأسف بتركيزها على الدراما البئيسة المستوردة من دول العالم الثالث، فلم تجد سوى فيلم عمر المختار الذي ألهمت قصته جيلًا كاملًا بأن الموت لأجل الموت والهزيمة بمضاعفة الخسائر هو عين البطولة والشهامة، حيث جال شريطه المترجم بجودة فائقة رفقة خطب الشيخ كشك الرنانة الأسواق والبيوت شرقًا وغربًا، فكيف وجد التطرف والإرهاب يا ترى موطأ قدم بسهولة بين المتعلم قبل الجاهل من الشباب، الذي بدل أن يبذل طاقته في تثمين جودة الحياة والرفع من قيمتها يفرغها في الرفع من قيمة الموت ومكانته بأي ثمن وبدون أي فائدة، بل مقابل تكلفة وضرر فادحين على كل مسلم خاصة المغتربين منهم؟

ليست المشكلة في قمم الظواهر بل هي في القاعدة التي تستند عليها، في المستوى التأهيلي الكامن في طبقة اللاوعي الذي يحدد نسب وأنواع القابيلة لما فوقه، فالتوافق والإجماع على تعريف النصر بالمحاولة الفاشلة والخسائر الشنيعة سم قد نجحت في تصنيعه المنابر بجميع أصنافها حتى المتعارضة فيما بينها، منذ عهد الحماية إلى اليوم، فالفشل في أصله هو فشل ثقافي يتطلب علاجًا ناجعًا يصاحب باقي أنواع الإصلاح والتكوين، حيث لا مجال للدخول في مرحلة العلاج قبل خلع جلباب النرجسية والاعتراف بهذا الفشل.

لقد ولدت مناسبة هذا الكلام للتعليق على احتضان مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة البريطانية قبل بضع سنوات لمشروع الدكتور سليم الحسني الباحث العراقي المقيم بلندن للتعريف بالعصر الذهبي للمسلمين، حيث تم إنجاز شريط سينمائي تحت عنوان ألف اختراع واختراع في مكتبة الأسرار، بأسلوب راق وغير ممل كذاك الرتيب الذي ميز ويميز الأسلوب العربي في التعاطي مع مادة التاريخ ومع التربية عمومًا، حيث الإلقاء البسيط والهادف في هذا الشريط القصير الذي يقدم نبذة عن حياة النابغة الجزري أبي الميكانيكا، الذي ما كنت لأعلم به لولا مروري صدفة على وثائقي عن عبقريته عرضته قناة التاريخ الألمانية. شريط الألف اختراع واختراع هذا أنجز للتقديم موازاة مع معرض مخصص للتعريف بالألف سنة من النبوغ العربي والإسلامي، وهو المعرض الذي جال عدة عواصم للتعريف بجميع أيقونات تلك الألفية، تذكيرًا للناشئة هناك بمنبع من منابع التفوق العلمي المعاصر وتحفيزًا لها على عدم الاعتماد على المتوافر فقط والتنقيب خارج الطرق المفتوحة اليوم، فخاصية علماء هذا العصر الذين يتلقون التعليم والرعاية من المهد إلى اللحد هي نقيض خاصية علماء الماضي الذين انطلق جلهم من الصفر فعانى فقرًا مدقعًا في المعلومة، وهي إشارة ذكية تساعد العقل الغربي على التقاط نفس جديد بتحيين المنطلقات بدل تقديسها إلى أن تخرف الغلة بعد تلاشي ألوان الخلفية الفكرية أو خلفية الوعي العام تحديدًا، وما أدراك ما هذه الخلفية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات