في صحيح الإمام البخاري (5134) والإمام مسلم (1422) نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دخل على السيدة عائشة وهي بنت تسعة أعوام، كما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول إن بنت تسع سنين امرأة.

فترة المراهقة سواء في عمر الشاب أو الفتاة، غالبًا ما بين سن الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة، وقليل من يعدو على ذلك وقليل من يتأخر عن ذلك، سنتكلم عن كليهما سواء الشاب أو الفتاة.

في تلك الفترة نجد الشاب مستغرقا في التفكير، شارد الذهن كأنه في عالم افتراضي صنعه لذاته، أصبح متمردًا طائشًا يريد الانفصال عن بيته، يريد الوحدة، إنه شب عن الطوق وعبر من نهر الطفولة وجفت منه ثيابه بعد تعرضه لأشعة شمس البلوغ، ذهبت البراءة، وانقطع الإذعان، وانفكت مقابض الخضوع، وأضحى عقله ينشغل بالمستقبل، وانفرط عقد السذاجة، هكذا هي عاصفه تبرق من السماء فجأة وبدون أي تحذيرات أو تنبيهات، صار بالًغا، البلوغ من أحد أهم وأعقد وأكثر الأحداث تأثيًرا في حياة الإنسان.. مرحلة تعني منها الدخول في منعطف آخر تمامًا غير سابقه، الدخول إلى مرحلة جديدة تضج بالتفاعلات والانقلابات والمنحنيات، ويبدأ النضج الجنسي للفتى الذي يستقبل عهد الرجولة وكذلك الفتاة.      

تكاد لا تشعر الفتاة بدخول أمها عليها وهي مستلقية شاردة الذهن، حتى تلمسها بيدها فتنتفض كمن مسها كهرباء، ها هي الفتاة التي كانت منذ زمن قصير طفلة، لكنها الآن تستقبل عهد الأمومة، والقدرة على الحمل والإنجاب، ثورة عارمة تهتك حرث ونسل البراءة بجسد الفتاة، حتى أن بعض الفتيات يغضبن لذلك ويقلن (ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيا)، هي لم تكن لتتخيل يومًا أن جسدها سيصبح ملكًا لرجل، ها هو جسدها يشهد نشاطًا مفاجئًا، في خلال هذه المرحلة تنمو الفتاة بشكل ملحوظ، ويزداد طولها، وتكتمل معالم أنوثتها ظاهرة أمامها:

صوتها يرق، ويتغير كذلك، خصرها وصدرها وحوضها وشعرها، وينجلي الحيض الذي اتفق عليه الأطباء والفقهاء أنه فصل البلوغ.. مرحلة متشابهة الأركان مع الاثنين إلا في معالمها المبهمة الخاصة بكل منهما.. وكأنهما خلق آخر خلق من جديد (ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين).

إنها مرحلة جديدة مليئة بالإشراقات، كلاهما أشبه (خاصة الفتاة) بدودة القز كما يقول الدكتور سلمان العودة: «مرحلتان قد خلقهما الله سبحانه وتعالى، فمن خلقه دودة القز، تتحول إلى فراشة جميلة تسحر العيون بألوانها الزاهية، وتأخذ الألباب وهي تطير في الحقل من زهرة إلى زهرة ومن بستان إلى بستان».

هناك الكثير من الأمهات لا يجرأن على الحديث أو حتى التلميح لهذه المرحلة المهمة في حياة الأنثى، وكذلك المعلمة تلقي في حصة الدين وتتكلم عن درس الحيض باستحياء، وقد يصل الأمر إلى أن تتسلل بعض الطالبات من الحصة ويغبن منها، بل وقد تود المعلمة لو أن الطالبات كلهن غبن في ذلك اليوم، ليس الأمر يدعو للخجل ولكن ليس أيضًا مباحًا للعلن، وكما في صحيح البخاري (294) فقد قالت السيدة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم أنها حاضت فقال لها: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم».

إن الله تعالى خلق كل شيء فأحسن خلقه (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك) وهذا جزء من خلق الله سبحانه وتعالى، ولكن هناك الحييات إلى حد الضرر، فيخفين الأمر عن أهلهن وهذا يصنع لهن حرجًا عظيمًا فيما بعد، ويعتقد بعض أولئك أن الزواج عقدة ناشبة في ضلوع الحياة، كما أنه محرم أثناء الدورة، وهذا بالطبع لا يمت للأساس بأي صلة لا من قريب ولا من بعيد، هذا قد يصل لأن تحيض الفتاة ولا تعلم ما سبب نزف هذا الدم، وقد تصاب بعقدة نفسية من دورتها الشهرية، حينما تخبر أمها بهذه الدورة وأنها قد حاضت.

تصحب هذه المرحلة من حياة الفتاة رغبة في إثبات ذاتها، سواء عن الخضوع التام للعالم، أو الضد تمامًا وهو التمرد على بعض الأنظمة والعادات، أو حتى قد تصل في الميل إلى الجنس الآخر، والرغبة في تشييد العلاقات معهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، الفتاة بهذه الأعمال تريد أن تبعث رسالة فحواها «إنني أصبحت امرأة ذات كيان مستقل ولم أعد طفلة»، وهنا مكمن الخطورة حيثما يتم التعبير عن هذه الرسالة بطريقة خاطئة، فهي لا زالت غير فطنة وساذجة وتعيش الغرارة والحداثة، وإذا لم يكن هناك رعاية جيدة لها فإن العواطف المتأججة حساسة، قال صلى الله عليه وسلم «النساء شقائق الرجال»، هنا الميل الفطري للجنس الآخر قد يقودها للانحراف عن المسار المستقيم، وأن ما نشاهده على الفتيات في هذه المرحلة المبكرة ليس بالضرورة انعكاسًا  للانفلات الأخلاقي، وليس مقصودًا لذاته بقدر ما هو بعض تجليات تلك المرحلة ومتغيراتها.

تحتاج الفتاة في هذه السن إلى بضعة أمور، منها القدوة الحسنة من المعلمات والمرشدات والأكبر سنًا والقدوات. منها مصادقة الأم فلا تفرض الأم على البنت ما تريد، ولكن توجهها وترشدها وتحاول إقناعها، كما لا بد لها أن تنازع في إقناعها وتغيير طريقة التعامل السابقة معها.. سواء أكان ذلك يمس دراستها، ملابسها، برنامجها، صديقاتها، علاقاتها، أو حتى الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الفتاة في هذه المرحلة، ولا بد أن يتم التعامل مع الفتاة بوعي وحساسية وليس فرضًا بالإقناع، ومن أسوأ الطرق في ذلك قول الأم للفتاة البالغة «أنت ما تزالين صغيرة.. أنت ما تزالين طفلة» هي لم تعد صغيرة أو طفلة ومحاولة فرض الأمر عليها فهو يصحب معه ولو بعض فرض للاعجواج.

– الاعتراف للبنت من خلال الثناء على شخصيتها وإنجازاتها وعلى الجوانب الطيبة عندها، والاحترام غير المطلق لكنه غير المقيد كذلك لشخصيتها واستقلاليتها.

– المراقبة الذكية والحذرة، فلا بد للأم ملاحظة كثرة شرودها وخلوها بغرفتها، فلا بد أن تشاطرها الأم همومها وأفكارها.

– معالجة الأخطاء التي تقع فيها البنت بحكمة ولباقة وعدم احتقار أو تقريع أو قسوة مفرطة.

تم التمحيص وظهر إحصاء بعد بحث وتنقيب من تجارب عملية فظهر التالي:

أولاً: الأسر الهادئة واللطيفة في معاملة الأولاد والبنات.. أبناؤهم أكثر استقامة والتزاما.

ثانيًا: الأسر القاسية الشديدة الفارضة للرأي.. بناتهن يفتحن متنفسًا لحريتهن بأي وسيلة، ويمارسن أفعالا ويقلن كلامًا بعيدًا عن عيون الآباء والأمهات.  

لا أريد من هذا أن تترك العنان للفتاة، ولكن ألا تقيد رقبتها فهي فراشة تريد أن تطير فلا تكسر جناحها خالب الألباب بألوانه، ولا تتركها كيفما شاءت فقد يفتك بها صعلوك.

هي تشعر بأهميتها.. ولا بد أن تشعر فشعور الإنسان بأهميته شعور راسخ منذ الأزل، وهذا يكون وراءه الكثير من الإبداعات والإنجازات والأعمال العظيمة، لقد ظهر في عصرنا منادون لحرية المرأة وتحريرها من السواد، والعدالة والمساواة، وكأن ديننا هو مقيد للمرأة، هناك شعارات جاهلة حمقاء مثل «إن ماتت أختك انستر عرضك» و«دفن البنات من المكرمات» و«المرأة خائنة بطبعها»، الكثيرون يتوارثون تحقير المرأة والنظر إليها كما لو أنها مخلوق من الدرجة الثانية، ويدعون بذلك أنهم متدينون.. لا والله، فالإسلام بريء من هؤلاء، ديننا حماية وحصن منيع للفتاة وهي من قد تأبى ذلك، فتاة الاسلام تسترشد بالهدي النبوي، والوحي الرباني كما يجب، هذا يعلي قيمتها وهي عفيفة، ديننا أصل الرقي والتحضر وما نراه من جهل.. هو جهل بالدين وليس الدين بجاهل أبدا، فلا تحرر المرأة تمامًا بدون تعاليم فأنت تحرر نعجة عن القطيع فيفتك به الذئب، ولا تقيدها تمامًا فتقتل فكرها وأنوثتها التي أعطاها الله إياها لتصير لك زوجة زهرة ذات عبق وفراشة ذات ألوان.

أعلم أني أسهبت في الحديث عن المراهقة دونا عن المراهق، ولكن بصلاح النساء صلاح الرجال، وخلف كل رجل عظيم امرأة عظيمة، ليس بالشرط زوجته.

لا تجعل الفتاة تصل لقولها «إن أمي تكرهني».

لا تلم مراهقا أو مراهقة.. فارحموهما فهما يحتاجان الشفقة لا الشدة.

المراهق والمراهقة كلاهما إنسان يصارعه حيوان ظهر فجأة فلا تعادي الحيوان عليه بل قف بجانبه لتحميه منه.  

الفتاة في هذا العمر.. أمر فطري بها أن تود الحب من الرجل، فالمرأة التي لم تدغدغ أنامل الحب عواطفها، هي أرض ذات تربة لم يحرثها المحراث، ولم ينبت فيها الزرع أو الثمر أو الزهر وما شع على نباتها بالليل ضوء القمر، ولتربت وعششت بها الحشرات والهوام.

كل الدراسات أثبتت أن المرأة المالكة لزوج محب وأولاد بررة فقد ملكت السعادة بحذافيرها، لا تعتب على الفتاة إذا أحبت ولا على الفتى، ولكن اضبط حبه وحده إن لم يستطع حده.

مثل هذه المرأة التي تنتظر بعلا تبثه حبها فهي كيرقة براقة لا تهدي بداعتها إلا له.

وخير ما يكسبه الرجل بعد تقوى الله.. امرأة جميلة مصونة وله عاشقة.  

فتلك المرأة يقول لها زوجها:

سهاد عيني يبرق في محبتكم … لطالما نزفت دمعا لمراك

خفق قلبي ما برح يدنين ي… وما كان خفقه ذاك لولاك

في كل حرف من تلعثمه سر … عميق يبرق من محياك

رمشة طرفيك قصة طويت …. وكتبت في محجر عيناك             

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد