الدرجة التي وصل إليها استفزاز الشعب هذه الأيام لا توصف، بل إنها وصلت إلى أقصى حدودها، والأسوأ من ذلك أنّ المستفزين لا يريدون التراجع عن هذه الأفعال قيد أنملة، وكأنّهم يقصدون بذلك دفع أغلبية من في الشارع إلى ردة فعل سيئة بقدر الفعل أو أكثر. لكن رغم كل ذلك مازالت العقلانية هي الغالبة على هذا الشعب المتحضر الذي يريد التضحية بكل ما يملك مقابل أن تتجاوز الجزائر هذه المرحلة الحرجة ومقابل أن تحافظ على أمنها واستقرارها، وهذا ما يدفع هذه الأغلبية إلى الصمت متغاضية عن هذه الممراسات الوقحة.

أولًا رفع راية غير الراية الوطنية راية الشهداء في كل المناسبات وكأنكم تدعمون الدولة في شق صف الحراك، أو تريدون رد فعل سيئ حتى تخرجون هذا الحراك من سلميته ومن الصورة الحضارية الراقية التي رسمها لحد الآن.

ثانيًا: المطالبة بفيدرالية الجزائر، وكأنّ كل واحد يتكلم عن تركة أبيه لا عن الجزائر التي تسع الجميع، فيتصرف فيها كيف ما يشاء هذا من جهة، أما الجهة الأخرى فهي تصوير الحراك وكأنه خرج لأجل تهديد الوحدة واللُحمة الوطنية فيقسم الجزائر إلى فدراليات مستقلة الواحدة عن الأخرى.

ثالثًا: ماذا يعني طرد الشيخ عبد الله جاب الله من الحراك (للتنويه: أنا لا أنتمي إلى أي شيء يمثله الشيخ جاب الله ولا أتفق معه حتى في أرائه، بل أختلف معه في بعضها إلى أقصى الحدود)، رغم أن من قاموا بطرده أو أرادو أن يُصدِروه في صورة طرد (أقول هذا لأنه لم يكن في نفس زخم طرد غديري أو طرد لويزة حنون بل كانت مجرد بعض الأصوات الناشزة القريبة من الكاميرا التي تريده أن يظهر بتلك الصورة) أقول رغم أن من قاموا بطرده هم أنفسهم من يسوقون إلى أن الحراك يسع الجميع حتى من قفزو من سفينة النظام في آخر لحظة، بل يرحبون بمقران آيت العربي الذي كان إلى وقت قريب مدير حملة المطرود من الحراك علي غديري، والذي لم يستقيل إلا بعد وصول الأخبار المؤكدة بأنه لا وجود للعهدة الخامسة ولا للانتخابات. كما أنهم أنفسهم من يقدمون مصطفى بوشاشي ناطقًا عن الحراك، ويتشدقون بأن الرجل كانت له الشجاعة في أن يستقيل من البرلمان سنة 2012، مع أن الشيخ جاب الله لم يكن يومًا في وزارة ولم يكن يومًا في البرلمان وطول حياته كان معارض لهذا النظام، رغم أنه كان يمكن له ذلك في الفترة التي فتحت فيها أبواب الاستوزار أو على الأقل المشاركة في البرلمان لكل أطياف المعارضة. هل تعتبرون من قبل بالنظام وكان جزءًا من برلمانه بطلًا لأنه تجرأ على الاستقالة والتوبة وتطردون من رفض هذا النظام وعارضه جملة وتفصيلًا طيلة أمد، ألا ساء ما تحكمون.

فبرغم من أن الشعب بكل فصائله وتركيباته إلى يومنا هذا لا يريد أن يتكلم عن أهدافه الخاصة، فكما نحن متأكدون بأن لكل فصيل ولكل حزب وجماعة أهدافًا جزئية تختلف عن الآخر، لكنه يأجلها لأجل تحقيق الهدف المشترك فينصهر الكل في بوتقة طرد العصابة كاملة. إلا أنّ هنالك فصيلًا مارقًا يريد أن يظهر في الصورة وينفرد بها، وكأنه لا يأبه للهدف المشترك أو ما مدى تحقيقه بقدر ما يأبه للظهور في الصورة وركوب الموجة واحتواء الحراك لأجل التموضع فيما بعد الحراك، فالشعب ليس بغافل عما يخطط له أو بالأصح عما يفعلون، لكنه يحاول تجاوز كل هذا لأجل المصلحة العامة، فتصريحات كريم طابو التي حاول فيها حتى سرقة خنشلة من أنها كانت هي الخطوة الأولى في هذا الحراك المبارك، وبأنها كانت شرارة الحرية التي تلقفها الشعب وتعويضها بمنطقة ثانية لم تكن عفوية تمامًا، بل كانت قطعة ضمن الصورة الأكبر التي يحاولون رسمها.

على هذا الفصيل أن يعقل ويتوقف عن زعزعة الوحدة ويتخلى عن ما اختلفنا عليه في هذا الحراك معوضًا إياه بالالتفاف حول ما اتفقنا عليه، عليه أن يرجع إلى رشده فالراية الوطنية تسع الجميع، وإلا فلا يلومنّ إلا نفسه حين توجه كل الأسهم نحوه. إما أن يعقلو وإما أن نكون نحن صلاح الذي يذكرهم بكل زلاتهم وسقطاتهم.

من أراد أن يتهمني بالعنصرية فليتفضل ومن أراد أن يتهمني بتفريق الصف فليتفضل كذلك؛ لأنه ليس منطقيًا أن تدعوني للعقلانية وأنت تكبل يدي بينما الطرف الآخر ينهال علي ضربًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد