في كُل هذا الزخَم السياسي، وسط مئات الأحداث والحوادث اليومية التي تتصدَّر الصحف وبرامج التوك شو، يجلس الجمال وحيدًا مُنعزلاً في رُكن غرفتِه ورُبَّما يخرج من عزلتِه مقررًا الهجرة؛ لأن ثمة بشرا آخرين في أمَسّ الحاجة إليه، سيهيئون الأجواء لاستقباله، سيحتفلون به ويقدِّرونه حق قدره، أما هنا ففي أفضل الأحوال سيبقى في خانة القِلَّة المُندَسَّة سنين طوال، وبالطبع الجمال ليس لديه الوقت الكافي للتواصل مع منظمات حقوق الأقليَّات في العالم.

يستحيل أن أتفهَّم الفكرة الحقيقية وراء اضطهادنا المستمر للجمال ولكل ما هو جميل، كيف وصلنا لهذه الحال؟ ما الذي تغيَّر لهذه الدرجة؟ كنت أعتقد أن الجمال لا يختلف فيه الناس، أو على الأقل أن البشر بفطرتهم يسعون نحوه ، لا التاريخ يستطيع تغيير تلك الفطرة، ولا للقُبح سلطة عليها، ولا حتى الانشغال بالأحداث العامة يعمينا عن الجمال كهدف منشود لبنى الإنسان بطبيعة الحال، بالطبع كان اعتقادي خاطئًا، فها نحن نحارب الجمال في كل رُكن، نطارده كأنه لِصّ (وليتنا نطارد اللصوص فعلًا)، نعاقبه فقط لكونِه جميلا، نخجل منه وكأنه وَسخًا على ملابِسنا، نروِّج للقُبح بشتى الطرق، فلا يبقى للساعين نحو الجمال، إلا المحاولات المضنية للهروب من الواقع بالخيال، وأن يصبح الجمال خياليًا في بلادِنا فهذه مأساة لا يمكن السكوت عنها.

عندما تتأنَّق الفتاة قليلًا في ملابِسها، عندما تقرر أن تصفف شعرها وتتعطَّر أو أن تضيف بعض اللمسات لجمالِها بقليل من المكياج فهي ترتكِب فعلًا في غاية الخطورة ولا بد أن تندم على فعلتها هذه، يجب أن نعاقبها على كونِها جميلة وعلى محاولاتِها الوقِحة في التجمُّل،
علينا أن نتحرَّش بها ونطاردها ونهدد أمنها ونلاحقها بعبارات رومانتيكية من نوعيَّة (ماتيجي ونجيب مليجي) والأهم طبعًا أن نلقي اللوم عليها إن تجرأت وطلبت الحصول على حقِّها، كيف تتجرَّأ وهي التي أخطأت في الأصل لكونِها جميلة؟

نحن حتَّى نبخَل على أنفسنا بالأشخاص الجيدين، نبتعد عنهم دائمًا لأنهم بالطبع حولَهم الكثير من الناس، ولأنهم مخيفون بالنسبة لنا، مخيفون فقط لأنهم خارج إطار القُبح الذي لا نستطيع نحن أن نخرج منه أبدًا فمؤكد أن فيهم (إنَّ)، لذلك الأشخاص الجيدون هنا هم أكثر من يعانون الاكتئاب والوحدة، في حين يحتفي المجتمع بأصحاب المكالمات الإباحيَّة المُسجَّلة وينالون شهرة وأموالًا، لم يكونوا ليحققوها لو عملوا طوال حياتهم، (قليل من الحقد الطبقي لا يضر طبعًا).

نخاف العيش في أماكن نظيفة لأننا نخشى أن تتَسِّخ مع الأيام، نحن من اخترعنا قاعدة (أرتِّب ليه الأوضة مدام شوية وهبوَّظها تاني؟) وهي حقيقةً قاعدة رائعة خصوصًا في أيام الشتاء وبرودة الأطراف، نحتفِظ بالجميل في الفنون لأنفسنا، لا نروِّج له مُطلقًا لأنه كم سنبدو سُذَج إذا تحدثنا اليوم عن فيلم قديم لشاهين في الوقت الذي تمتلئ قاعات السينما بالعديد من خلطات السُبكي سريعة التحضير، لن نبدو فقط مختلفين، بل مُخالفين أيضًا لقواعد المجتمع وفطرته التي تربَّت على القبح، القُبح الذي نروِّج له بكل ما أوتينا من قوة لدرجة أن يُعلِّق أحد أصدقائي قائلًا بثقة: إن صوت مهرجان (مفيش صاحب بيتصاحب) يصدُر أساسًا من الغلاف الجوي فهو معك حيثما ذهبت.
في حديثِنا عن الله أيضًا نُحدِّث أطفالِنا عن عقابِه وانتقامِه وننسى رحمته ومغفرته، لا نبتَسِم في الشارِع طبعًا، هذا مفروغ منه، نلبس (الوِشّ الخشَب) فقط لنحظى بالاحترام الطبيعي، الابتسامات تهاون غير مقبول، وربَّما تجرُّنا الابتسامات إلى بعض الأحاديث اللطيفة وتجرنا الأحاديث اللطيفة إلى صداقات جديدة وهذه كوارث طبعًا، كل ألفاظ الحُب ثقيلة على ألسنتنا، أمارات الحب ثقيلة على عضلات وجوهِنا، الأسهل منها السباب والصراخ في وجه البعض، لم نتعلَّم أبدًا أن نقول(للحلو يا حلو ف عيونه) كما كان يفعل عمنا صلاح جاهين، حتى الخجل الرقيق نعتبره ضعف وقصور شخصي ونحاول مداراته بالجرأة الفجَّة والوقاحة غير المبررة ، من السهل جدًا أن نطعن الآخرين بكلامنا الجارح وأن ندهس رؤوسهم بدعاباتنا الحمقاء خفيفة الظل، لكن من الصعب جدًا أن نعتذر لهم، فكلمة (أنا آسف) بالنسبة للكثيرين هي رصاصة حية في قلب الكرامة.

نحن نقتِل الجمال ونُمثِّل بجثته، ننتقِم منه، نعلن عليه الحرب صباح مساء، نحتقره لأنه عذب ورقيق ولم يتعلَّم أن يُصبِح فجًا بليدًا كالقُبح، نخبئه تحت أسِرَّتنا، نستره لأنه أحق بأن يُستر من القُبح، قُبحنا يُلزِم الآخرين بعدم التعدي علينا، نحن نمشي عكس الفِطرة، عكس المنطِق، عكس الدين، عكس حقوقِنا وإرادتنا، أجراس الإنذار تدق وعلينا أن نتوقَّف، أن نترك لأنفسنا المساحة لأن نحب الجمال ونحتفي به ونصالحه على بلادِنا، أو على الأقل أن لا نحاربه ولا نُعاقب المتمسِّكين به لآخر الأنفاس، رُبَّما يقرر أن يخرج من عزلتِه ويعود إلينا منتصرًا و … عفوًا، صوت مهرجاني المفضل (مفيش صاحب بيتصاحب) يعلو، ولعَلِّي انتصَرت للجمال في الدقائق المُتاحة التي قرر أن يصمت فيها أولاد سليم اللبَّانين، شكرًا لهم على هذه الفرصة التي لا تتكرَّر كثيرًا .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد