حين تُذكر سورة يوسف، فإن أول ما سيتبادر للذهن فكرة  العفة والغواية، من خلال قصة يوسف – عليه السلام – مع امرأة العزيز، كون قصتة من أعظم القصص على المستوى الروائي؛ ذلك يعني أن أوجه الحكمة فيها متعددة وغنية، وإن استحضرت فكرة أن من صنع هذه القصة وأخبرك بها هو الله تعالى في محكم كتابه، لك أن تتخيل الآن حجم ما فاتك من رسائل في تلك الرواية، فيما كنت مقيدًا بالقراءة الجمعية للعامة من المسلمين.

هل تدبرت مثلاً في قصته مع إخوته، أسبابها، دوافعها، نتائجها، ما الذي فعله والده، وما الذي فعله إخوته ليدفع يوسف ثمن كل ذلك، هل تساءلت لمَ لم ينتقم منهم يوسف بعد أن احضرتهم الأيام له راغمين، رغم بشاعة ما اقترفوه من جرم حين رموه في البئر وتركوه بلا حول ولا قوة وهو بذلك السن الصغير؟

هل تدبرت بما حدث بين إخوته وأبيه بعد أن جاؤوه بقميص ملطخ بدم كذب، فقال صبرًا جميلاً والله المستعان؟ هل تساءلت عما فكر فيه أبوه حين شعر بما يحدث بين أبنائه، وكيف سولت لهم أنفسهم فعل ذلك بأخيهم؟ هل تفكرت بيوسف حين كان في السجن، هل انتبهت لدعائه قبل ذلك لربه قائلاً إن السجن أحب إليه منهن، هل حيرك قبوله للمصير، هل فكرت على سبيل المثال أن تربط هذا القبول بعد ذلك الدعاء بالنهاية التي انتهت به وقد أخرجه الله من ضيق السجن والغياب، لسعة الملك ورائحة الأهل والأخوة والصحاب.

هل تدبرت بالشاهد المُخلّد بالذكر الحكيم، كأعظم شاهد في التاريخ، كون شهادته كانت شهادة من الأهل، من اللحم والدم، هل تفكرت بقدر الإنصاف الذي يملكه ليشهد شهادة بتلك الحساسية، هل تعتقد بأنه كان ليفعلها وحده لو لم ينطقه الله تعالى؟

هنا لا بد وأن يقفز لعقلك سؤال عن السبب الذي أنطقه الله لأجله، وغالبًا سيتجه عقلك فورًا ليوسف بكونه نبيًا، في هذه اللحظة تكون وقعت بالفخ الذي أعده لك إبليس ليقصيك عن كتاب الله وهو بين يديك، ليضلل قلبك عن تدبر القرآن كما أنزله الله تعالى، أي على أنه رسالة لك أنت، وأن كل قصة وعبرة فيه يوجد بها شيء يخصك، معنى سيلتقطه قلبك دون الحاجة للرجوع للتفاسير.

لو شعرت بذلك فعلاً، لا بد وأن تفهم حينها أن الله أنطقه لشيء يخص فعل يوسف عليه السلام، لا يوسف ذاته، وأزعم أن هذا أحد الأمور التي ترتعد لها فرائص إبليس، أن يقرأ الناس فعل الأنبياء كبشر، بمعزل عن كونهم الأنبياء خيرة البشر، فالله تعالى لم يرسلهم عبثـًا، لقد أرسل النبي تلو الآخر للناس؛ أي لنا نحن، نحن المعنيين في كل هذا، فلماذا إذن نستمر بقراءة القصص القرآنية وكأنها قصص خاصة بالأنبياء، إن هذه الطريقة بالقراءة هي ما جعلتنا نفشل  في الاقتراب من خصال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هذه القراءة عزلتنا عن الرسالة رغم أننا أصحاب الحق الشرعي في استلامها وقراءتها ومحاولة تدبرها، نحن؛  أنا وأنت الذين منذ بلغنا السابعة ونحن نصلي ونتلو القرآن ونستمع للتفاسير وكأنها سيناريوهات  لقصص لا تعنينا، لكننا اعتدنا أن نسمعها ببعض المهابة والتقدير.

لذلك نحن نعرف التفاصيل في كل القصص القرآني جيدًا، نعرف كل ما حدث، لكن لماذا حدث، ما الرابط المشترك بيننا وبينه، هل ثمة رسالة تخصنا نحن في هذا الحدث؛ كل ذلك من الأمور التي لن تخطر ببالنا طالما سنستمر بقراءة القرآن ونحن منشغلون بعدد الحسنات التي سنحصدها نسبة لعدد الأحرف والآيات.

أجر التلاوة سنحصل عليه بمجرد التلاوة، لكننا نفوت الفائدة الأعظم باهمالنا للتدبر، أو مخافتنا للتدبر، علينا أن نكسر حاجز الخوف من فهم القرآن، فالقرآن رسالة عامة من الله لسائر البشر، العربي وغير العربي، المسلم وغير المسلم، منذ أن أنزله الله وتكفل بحفظه أخبرنا بهذا لكننا نقرأ كالعميان، تطوف ألسنتنا على الحروف فلا يتخطى المعنى منا اللهاة، لا يلج إلى القلب، لأننا وضعنا دونه من الحواجز والمخاوف والأوهام ما كان معينًا لإبليس على إتمام مهمته على الوجه الأمثل.

لا أظن أن أحدًا من البشر – سوى الأنبياء- استطاع أن يلم بكل المقاصد في كلام الله تعالى، ولأن القرآن هو الكتاب الوحيد المحفوظ إلى أن يشاء الله، لا أظن أن أحدًا بعد محمد – صلى الله عليه وسلم – قد فهم كافة المقاصد والقصص والإشارات في القرآن.

صحيح أن هناك من فتح الله عليه فشرح القرآن شرحًا وافيًا لكافة المهتمين بفهمه، لكن فهم الرسائل فيه، ذلك أمر يتنافى مع كونه رسالة عامة، وفيه تحجير وتصغير لمعنى القرآن، تعالى الله وكلامه عن ذلك علوًا كبيرًا، لأن القرآن كرسالة عامة للناس قد جعل الله فيه رسائل لكل الناس، فالرسائل التي تخصك في القرآن، والتي ستقوم بتصحيح مسار حياتك، ليست التفسير الذي تقرأه أو تستمع له، تلك الرسالة العامة، رسائلك أنت ستجدها حين تقرأ القصص القرآني على أن كل الشخوص فيه هم بشر مثلك من خلق الله، والله تعالى يريدك أن تفهم قصتهم؛ لأن بفهمها سيستقيم بك الحال، لأنك ستدرك بنهاية كل قصة الخير من الشر، ما يحب الله وما يكره، ما يجلب الخير ومرضاة الله، وما ينتهي بالخسران وغضب الله والعياذ بالله.

إن كنت مهتمًا حقـًا لمعرفة الرسالة الموجهة لك، كف عن الخوف واطمئن، وتوضأ ثم افتح القرآن وابدأ القراءة كما تقرأ رسالة ممن تحب، اقرأ بلهفة المهتم، استحضر تركيز المخلصين، واقرأ بعنايتهم، ذلك أدنى شيء تقدمه لله قبل أن تبدأ بقراءة رسالته لك، بهذا الشكل ستحصل على رسائل الله لك في آياته، وستتعلم شيئًا فشيئًا كيف تخجل من ذنوبك، وستفرح كلما اعطاك الله أعطية جديدة، لأنها ستطمئنك أنه ما زال يعطف عليك ويتغاضى عن أخطائك، وستفزع إن أصابتك مصيبة، وستبدأ بتذكر كل الذنوب والأخطاء التي ارتكبتها، لكنها لن تثنيك عن العودة له والتضرع له، وسيطمئنك مرة أخرى وستعود للذنب وسيعود ليغفر لك، حينها ستكتشف بأنك أصبحت مشغولاً بالله، أصبحت تفكر به كثيرًا رغم آثامك، رغم كل ما تفعله، إلا أنك تجتهد لتجاهد هوى نفسك سعيًا لمرضاته، ستنتصر مرة وينتصر الهوى مرة، بهذا الشكل سيضعف الهوى بنفسك ويموت ببطء، يموت دون أن تشعر بأنك تجاهد لتجعله يموت؛ لأن الله سيعينك وينصرك عليه، لا تقلق لكل ذلك؛ فأنت بحالك هذا تتراوح بين يأس ورجاء وذاك حال المؤمن، وحال المؤمن كله خير، جعلنا الله وإياكم من المؤمنين.

أمر أخير يجدر ذكره قبل الختام، إنّ فهمك الخاص للقصص القرآني لا يغنيك عن التفسير الذي ورد بالتفاسير؛ لأن التعامل مع كلام الله تعالى يستوجب منك أن تكون ملمًا بما جاء بالتفاسير من أسباب النزول وشرح وتبيين لما جاء بالقصة، ثمرتك من القصة هي رؤاك الشخصية وليست تفسيرًا للآيات، فاقرأ يا رعاك الله واقصص رؤياك على من حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد