يطلق لفظ «علماء السلطان» على رجال الدين الذين يُظهرون للناس وقوفهم إلى جانب الحاكم ويرافقونه خلال مسيرته، كما يغلب عليهم أن يكونوا موظفين في مناصب رسمية أو لديهم مؤسساتهم الخاصة المدعومة بصورة تبدو أحيانًا متفوقة على المؤسسات الحكومية نفسها.

في الأيام العادية وبينما يعاني الشعب من الفقر والظلم والقمع تعرض وسائل الإعلام – ولا سيما في المناسبات الوطنية والدينية – مقاطع لصاحب الجلالة أو سيادة الرئيس وإلى جانبه مجموعة من رجال الدين مبتسمين مسرورين وكأن الأمور بالبلد تجري بصورة أكثر من طبيعية.

كذلك الأمر عندما تزداد وتيرة استعانة الأنظمة بالأفواه والأقلام في أيام قمع الاحتجاجات الداخلية، فإن هذا النوع من رجال الدين يظهر بشكل أوضح حيث يبقى محافظًا على موقفه الداعم للنظام الحاكم، بل ويتمسك به بصلابة، ويصبح في المقدمة حيث ينقل للناس الرواية التي يريدها الحاكم، ويسكت عن باقي الروايات.

يقابل «علماء السلطان» مجموعة يمكن أن نطلق عليهم اسم «علماء مجرّدين» وهي الفئة التي لا تظهر مع الحاكم مطلقًا، وبالمقابل فهي لا تتكلم إلا مع شريحة ضيقة، ولا يسمع صوتها إلا قلة من الناس؛ لأنها لا تُستدعى أيام المناسبات ولا حتى في الأزمات، كذلك فهي لا تعمل إلا في وظائف صغيرة محدودة، وبالتالي ليس لها أية مؤسسة خاصة أو مشروع تقوم عليه، وتضم هذه الفئة أيضًا العلماء المعتقلين في سجون الأنظمة أو المبعدين خارج البلاد.

ومع أن كثيرًا من الناس يستفيدون من البرامج والمشاريع التي يرعاها «علماء السلطان» إلا أنهم في داخلهم ينظرون إليهم نظرة ريبة، ويرددون دومًا عبارة: «بئس العلماء على أبواب الأمراء»، أما نظرتهم إلى ما سميناهم بالعلماء المجردين فهي نظرة مفعمة بالاحترام والتقدير على اعتبار أنهم علماء ربانيون لم تتلوث أيديهم بمصافحة الحكام ولا بالتصفيق لهم.

أعتقد أن هذه هي الملامح الرئيسة التي تظهر لنا لو حاولنا التقاط صورة قريبة من الواقع في كثير من الدول العربية والإسلامية، لا سيما تلك البلدن التي شهدت أو تشهد حاليًا أزمات داخلية.

ما من شك أن مثل هذه الصورة تعتبر ظاهرة خطيرة، لأنها تنم عن تفكك واضح وشرخ كبير بين إحدى القوى المؤثرة في المجتمع وبين المجتمع نفسه، لذلك لا بد من فهم أفضل للواقع لربما تمكنا من تحسين الصورة يومًا ما.

تكمن الإشكالية في النظرة إلى الدور والآلية والعواقب المرتبطة بمفهوم العلماء، فالمفهوم السائد حول دور العلماء هو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء»، وهكذا فإن دور العلماء يكون بمتابعة مسيرة الأنبياء التي تتجلى في تبليغ الرسالة كما هي: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة المائدة: 67) تتضمن الآية الكريمة إشارة إلى أن هذه المهمة يترتب عليها جملة من المخاطر ولكن الله تعالى تكفل للرسل بأن يعصمهم منها، أما النكوص عن هذه المهمة فإن عقابها وخيم قال تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ (سورة البقرة: 159).

تبدو هذه العناوين جميلة جدًا ولكن يا ترى لو نزلنا على أرض الواقع وفي زمن لم يعد فيه رسل كيف يمكن ترجمتها؟

ربما يقول قائل: «إن طبقة علماء الدين أو رجال الدين ليس لها أصل في الإسلام»، فالقرآن الكريم ذكر عبارة «العلماء» بلفظ عام دون أن يحدد علماء بالدين أو بغير الدين[1]، والمفروض على كل مسلم أن يكون عالمًا بدينه ليس بينه وبين الله واسطة ولا حجاب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (سورة القمر: 17).

إن هذا الكلام صحيح لو اعتبرنا أن المقصود من «رجال الدين» الطبقة التي تتوسط بين الشخص وبين ربه، أو تلك الفئة التي تفرض تفسيرها على الناس وتجعل منه رسائل مقدسة كما حصل في باقي الأديان، ولكن لو قصدنا برجال الدين الفئة المسلمة التي تدرس تاريخ الدين الإسلامي بكل تفاصيله، وتبذل جهدها في شرح ونقل الرسالة للناس، إلى جانب العاملين والمشرفين على المؤسسات الدينية الإسلامية فإن هذه الفئة أصبحت موجودة بحكم الواقع، ولها تأثيرها الواسع جدًا، ولا يمكن تجاهلها على الإطلاق.

بالطبع لا يمكننا أن ننكر أنه ثمة فئة انتهازية تسخّر الدين لتحظى بمكسب مالي أو منصب رفيع، إلا أن الكشف عن هذه الفئة والتحقق منها صعب جدًا لأن الانتهازية قضية مرتبطة بنية الشخص وقصده، وهذا الشيء لا يعلمه إلا الله، ولكن يكفي هؤلاء ما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: 77).

بالإضافة لما سبق لا بد أن نؤكد أن رفع سقف المطلوب من العلماء يبتعد بنا عن الواقعية، فهناك فرق كبير بين القيم والمثل التي نؤمن بها وبين طريقة تطبيقها على أرض الواقع بحسب الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة.

إذًا لو تمكنا من الابتعاد عن عقلية التجاهل والاتهام والمثالية يمكننا مناقشة القضية بصورة موضوعية، لا سيما ونحن نتحدث عن قضية تبدو الخيارات فيها محدودة.

يعتقد «علماء السلطان» أن التأثير بالمجتمع ومخاطبة الناس لا بد أن يتم عن طريق مؤسسات مثل المساجد والجامعات ووسائل الإعلام، وباعتبار أن مفتاح هذه المؤسسات هو ملك حصري بيد السلطة فلا بد من الانصياع لقوانينها ولو كان ذلك على حساب تأجيل الحديث عن بعض القضايا أو حتى تأويل القضايا بالطريقة التي تروق للسلطة.

يرى «علماء السلطان» أن وسائل الإعلام – مثلًا – لا بد أن تُشغل ببرامج ومحاضرات، فإما أن نشغلها نحن، وإما أن تأتي السلطة بأشخاص نكرة – غير موثوقين – تفصّلهم كما تريد.

وحتى في وقت الأزمات والقمع الدموي الذي تمارسه السلطات ضد شعوبها يعتقد «علماء السلطان» أن وقوفهم إلى جانب الضحية لن يحقق أية نتائج بل على العكس تمامًا سيزداد عدد الضحايا، إذ إن لوم السلطة سيؤدي إلى تحريض الناس، وكوننا نتحدث عن أنظمة لا تتردد في استعمال أي نوع من أنواع الأسلحة فإن البلد حتمًا سيدخل في حمام دم خطير.

أما آخر ورقة يستخدمها «علماء السلطان» لشرح موقفهم فهي أن الإصلاح والتغيير له سنن وقوانين؛ ومن أهمها أنه يحتاج إلى نفسٍ طويل جدًا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، وأيضًا من أهم سنن التغيير أن يكون بأسلوب لين هادئ، فقد أرسل الله كليمه موسى وهارون إلى فرعون وأمره بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (سورة طه: 44).

بتصوري إن فهم دور «علماء السلطان» مرتبط بمدى تحقيقهم والتزامهم بمبدأ «حراسة القيم»، فبما أن العمل في ظل الأنظمة القمعية صعب ومعقد وتكتنفه مخاطر كثيرة؛ فأنت إما أن تعمل بشروط (وهذه الشروط مع مرور الوقت ستؤثر على نفس القيم التي تعمل لأجلها، فبدلًا من أن تربي جيلًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ستحصل على جيل يختصر المعروف ويسكت عن المنكر)، وإما أن تنسحب من الساحة وتترك المجال لغيرك.

إذًا إن ما يعيق مهمة «حراسة القيم» هو سياسة الأنظمة القمعية وليس «علماء السلطان»، أما عدم قيام «علماء السلطان» بهذه المهمة كما يجب فهو نتيجة طبيعية يفرضها عليهم تأجيل الاصطدام مع السلطات حتى نخرج بأقل الخسائر.

ختامًا لا يعني هذا الكلام مطلقًا خلق المبررات والأعذار، إنما الهدف من هذا النقاش: وضع منظومة «علماء السلطان» ضمن أبعادها الصحيحة، بحيث لا يتم إعطاؤها أكبر من حجمها الحقيقي الأمر الذي أصبح منتشرًا بكثرة ربما كرد فعل على من يتهم هذه المنظومة أو يهمشها.


[1] – وأما قوله تعالى ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (سورة التوبة: 122) فإن معظم المفسرين قالوا إن الآية تتحدث عن المجاهدين باعتبار أن فعل (نَفَرَ) يستعمل بمعنى الخروج للجهاد. قال سيد قطب في الظلال 4/108: (والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة – على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون – لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة). أما السعدي فقال في تفسيره 1/355: (ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ أي: القاعدون ﴿فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد