هو الوقت الأشهر في تاريخ إعلانات الساعات حول العالم، جميع شركات الساعات العالمية تستخدم هذا الوقت في إعلاناتها، سواء كانت تليفزيونية أو صحفية أو إعلانات طرق، هو ذلك الوقت الذي اقترب من كونه احتفالا وانتصارًا!

لماذا “عشرة وعشرة”

يقول المتخصصون والنفسيون أن السبب وراء استخدام “عشرة وعشرة” في إعلانات الساعات أن شكل العقارب وهي على العاشرة وعشر دقائق مريح للعين والنفس، فهو يشبه شكل اليدين وهما مرفوعتان وتعبران عن النصر.

ولكن هناك رأيًا آخر يقول غير ذلك، ففي العاشرة وعشر دقائق من يوم الجمعة الثالث والعشرين من مارس عام 1924 أعلن مصطفى كمال أتاتورك سقوط الدولة العثمانية ونفي السلطان عبد المجيد الثاني إلى باريس، وبدأت تركيا في التحول إلى العلمانية، وألغي الأذان باللغة العربية، ومُنع الحجاب واُستبدلت بالحروف العربية اللاتينية.

الإنكشارية

تلك الإمبراطورية القوية التي استمر حكمها لما يقرب من سبعة قرون، نهضت بالإنكشارية وسقطت بهم، فلقد استطاع العثمانيون أن يبنوا أقوى أنظمة وقوانين وجيش في العالم، فلم يكن أحد يجرؤ على هزيمة الجيش الإنكشاري، الذي كان أول جيش ينطلق في المعارك بزي موحد وبموسيقى تبعث الرهبة في نفوس الأعداء، فعليك أن تتعرف على الموسيقى الإنكشارية التي تعتبر من الفلكلور التركي، وانعم بعدها بليلة غير هانئة من الرهبة، وصوت الطبول يطاردك.

 

القوة العسكرية والفنية

بالرغم من القوة العسكرية للدولة العثمانية إلا أن السلاطين اهتموا بالفن والأدب اهتمامًا خاصًا، فقد كان محمد الفاتح محبا للشعر والشعراء، وفي بلاطه ثلاثون شاعرًا تصرف لهم رواتب شهرية لا تقل عن ألف درهم، كما أنه كتب ونشر ديوانا معظمه عن الغزل تحت اسم مستعار.

محمد الفاتح الذي قهر أسوار القسطنطينية وأتم نبوءة الرسول الأمي صلى الله عليه وسلم، له صورة شهيرة وهو يستنشق رحيق وردة، فهو السلطان المحب للأدب والشعر والعلم والعلماء، قيل أنه امتلك في قصره خزانة خاصة بها 12 ألف مجلد وكتاب!

أثبت الفاتح الهوية الاسلامية وقام بإعلاء الأذان في كنيسة آيا صوفيا التي حولها فيما بعد إلى مسجد، إلا أنه لم يطمس فيها معالم الجمال، ولم يزل نقوشَ ولوحات المسيح والعذراء، تركها بجمالها وعبقريتها وإبداعها.

العبقرية المعمارية

استلهم كبير مهندسي الدولة العثمانية وأشهرهم “سنان باشا” أسلوبه من الطراز البيزنطي الذي بنيت به كنيسة آيا صوفيا، فبنى أكثر من 441 صرحًا خلال 50 عامًا عمل فيهم، تاركا في كل مدينة بصمته التي لا تُنسَى، أشهر أعماله المسجد المقبب ومسجد السليمانية ومسجد قبة الصخرة في القدس.

يقول هـ.كلوك العالم الألماني وأستاذ تاريخ العمارة في جامعة فيينا: “إن سنان يتفوق فنيًا على مايكل أنجلو صاحب أكبر اسم فني في الحضارة الأوروبية”.

السيف لا يقيم العدل

أشهر وأقوى وأعظم السلاطين العثمانيين سليمان القانوني الذي بلغت الإمبراطورية العثمانية أوج عظمتها في عهده، حيث اتسع فيها كما لم يتسع سلطان من قبله ولا بعده، كان قويًا جدًا لدرجة أنه عندما يجتمع بجيوشه الإنكشاريين، يكون في حضرته 37 ألف جندي لا يستطيعون الهمس في بلاطه!

ومع ذلك كان القانوني صاحب مبدأ “السيف لا يقيم العدل”، فسن القوانين وكتبها وشدد على تطبيقها.

سلطان في الصباح.. حرفيّ في الليل

ومن العجيب أن من عادات وتقاليد السلاطين العثمانيين أن عليهم أن يجيدوا حرفة يدوية معينة، فكان القانوني صائغًا للذهب. تخيل معي سلطانًا في الصباح، وصائغ ذهب في الليل!

وكان عبد الحميد الثاني – المعروف بأنه آخر السلاطين العثمانيين الحقيقيين- محبًا للنجارة، وكان يملك أدوات نجارة خاصة به ويعتني بها اعتناءً خاصًا، وكتب في مذكراته أنه أثناء إقامته في المنفى كان يشعر بضيق شديد لأن أدوات نجارته ليست معه.

المولوية والموسيقى

في عهد العثمانيين ظهرت الطريقة المولوية، وهي إحدى الطرق الصوفية التي وضعها جلال الدين الرومي، تدعو إلى المحبة والسلام والتآلف والتمسك بتعاليم الدين، من مبادئها التسامح حتى مع غير المسلمين، وكان يحضرها المسيحيون واليهود من رعايا الدولة العثمانية.

وتعتبر المولوية هي بذرة الموسيقى التركية، وأغلب مشاهير الموسيقى التركية القديمة كانوا من مريدي المولوية، بالرغم من أن أتاتورك ألغى القيام بطقوس المولوية إلا أنها انتشرت في جميع أنحاء العالم، وموسيقاها العذبة الخالصة للروح يتهافت حتى غير المسلمين للاستماع إليها.

 

هل تختفي “عشرة وعشرة”؟

تركت الدولة العثمانية إرثًا فنيًا خالدًا، مريدوه من الدارسين والمثقفين والسياح هو الأكبر لأي حضارة على الإطلاق. الدولة العثمانية التي بدأت بحلم شجرة متينة وقوية وفاتنة وكثيرة الفروع، حلمه عثمان بك الأول، استمرت في حلمها حتى سقطت.

فهل يأتي ذرية العثمانيين وأنصارهم مطالبين بعرش أجدادهم؟ هل سيأتي مريدو تلك الحضارة لإحيائها مرة أخرى؟

 

وهل تستطيع العاشرة وعشر دقائق أن تتغير وتختفي من خارطة الوقت؟

هل سيكف الغرب عن الاحتفال بسقوط أجدادنا؟ وهل سنبدأ بالاحتفال بنهوضنا؟ هل نستحق ذلك؟ أم نترك التاريخ ساكنا هادئا دون نبش قبره المهجور منذ زمن؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد