لم يكن هباءً أن يضرب الله تعالى لنا في كتابه قصة نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، والذي دعاه للذبح طاعة لأمر الله تعالى: «يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى». الصافات (102)، فكانت نجاته من فوق سبع سماوات بطاعته لأبيه» قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين». الصافات (102)، فكانت النتيجة: «وفديناه بذبح عظيم». الصافات (107).

وعلى النقيض من ذلك مع نبي الله نوح عليه السلام، والذي عصاه ابنه، عندما دعاه للإيمان مرة فأبى، وأخرى للنجاة من الغرق «يبني اركب معناولا تكن مع الكافرين». هود (42) فرفض، وكانت النتيجة الحتمية لذلك هي الغرق والهلاك «قال سآوي إلى جبل يعصمني من المال قال لا عاصم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين». هود (43)، فما الذي دفع إسماعيل لطاعة والده في الذبح، وجعل ابن نبي الله نوح يعصيه بالرغم من دعوته إياه للنجاة من الغرق؟ بالرغم من أنّ كليهما أبناء أنبياء أليس هذا عجيبًا؟

هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من أبنائنا ناجحين ومفلحين في حياتهم وآخرتهم، يغفل عنها كثير من الآباء والأمهات؛ مما قد يسبب ضياع الأبناء على جهل منهم، وقد يقوم البعض منهم بتدمير أولاده بيديه على علم، فيخرجون للمجتمع أجيالًا فاشلة، وقيادات فاسدة، وأبناءً معاقين لا جسديًا، بل فكريًا، ودينيًا، وعلميًا، وتربويًا.. وتكون الطامة لا على المجتمع فحسب، بل على الآباء والأمهات أولًا، عندما يشعرون بأنّ حياتهم قد ذهبت هباء بلا نتيجة، وتعبهم ضاع بلا فائدة.. وشابت رؤوسهم بغير ثمار، ومن هنا آثرت أنْ أسجل هذه السطور لعلها تنفع أبًا، أو ترشد أمًا، أو تهدي مربيًا، أو تُعين معلمًا.

لقد فاضت آيات القرآن الكريم والسنة النبوية وسير من سبقونا وكتب التربية بمئات، بل بآلاف السبل والطرق في التربية السليمة ووسائلها، وقد اهتم الإسلام اهتمامًا عظيمًا بهذا الجانب، لما له من أهمية على مستقبل الأمم والمجتمعات بأسرها، وقد ارتأيت بعد قراءة متأنية، واطلاع فياض أنّ هناك الكثير من الأسباب التي تدمر حياة الأبناء ومستقلبهم، ولكني أردت أن أبرز أهم ما فيها وفقًا لرؤيتي الشخصية من خلال تدرج البناء السليم داخل البيت والأسرة المسلمة، فهي النواة الأولى في المجتمع وعليها يُبنى، ونجاح المجتمعات لا يكون إلأ بصفاء نواته وصلابتها وضياعه بضياعها، وحياتنا جميعًا خير مثال واقعي على ذلك، وبيوتنا هي الدليل العملي لما أقول، فإليكم العشر الأخطر التي قد تدمر مستقبل أبنائنا إنْ أهمل الآباء والأمهات فيها وتهاونوا في التعامل معها.

الاختيار الخاطئ للزوجة

يُعتبر الاختيار الخاطئ للزوجة هو أول الأسباب وأهمها في تدمير مستقبل أبنائك، فزوجتك هي أم أولادك ومربيتهم الحقيقية؛ ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باختيار الصالحات «فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقد رأينا تأثير الزوجات جليًا في حياة أبنائهن، وفي قصة إبراهيم ونوح عليهما السلام خير دليل وعبرة، فكلاهما نبيان، لكنّ الأول بَرَّ بوالده وأطاعه عند الذبح، والثاني عصاه عندما دعاه للإيمان والنجاة، والسبب هنا هو «الزوجة»، فأمُّنا هاجر عليها السلام كانت نعم الأم لولدها، بالرغم من أنّ زوجها غاب عنها لسنوات، وامرأة نوح أخرجت ولدًا عاقًا، بالرغم من أنها لم تفارق زوجها أبدًا، فشتان بين أم صالحة وأخرى طالحة؛ لهذا سأقولها لك بكل صراحة: أخبرني من هي زوجتك أخبرك من هم أبناؤك.

القدوة السيئة

كانت ولم تزل القدوة هي من أهم الأسباب التي تؤثر في حياة الأبناء خاصة، وفي حياة البشر عامة مسلمهم وكافرهم؛ ولذا وجه الله النداء لعباده المؤمنين في أول سورة الصف محذرًا إياهم من هذا الخلق الشنيع «يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون». الصف(2)، فإنّ من أعظم أسباب سقوط المجتمعات وتشوه القامات وإهدار الطاقات وإخراج أجيال مشوهة أخلاقيًا وفكريًا، هو مخالفة القول للعمل، من الآباء خاصة وأهل التربية والمصلحين عامة، فماذا تتوقع من ذلك الصغير الذي يرى عكس ما يسمع ويعايش غير ما تكتب؟ إنّ الأبناء هم التطبيق العملي لأخلاق آبائهم وأمهاتهم، فلا تتعجبوا من طفلٍ لا يعرف إلا البذيء من القول، ولا من فتاة لا تجيد سوى الرقص، ولا من مراهق جل حياته على الهاتف.

إننا نعيش في مجتمعات أصيبت بمرض الشح في القدوات والبخل في الأخلاق، وأصبحت الأسوة الحسنة هي عملة نادرة بين الرجال والنساء، وهذا هو بيت الداء، فالفتن أصبحت كقطع الليل المظلم، تعج من حولنا ولا ينجو منها إلا الحليم، وما أعظم قوله تعالى: «قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده». الممتحنة(4).

لذلك أقولها لكل من يتعذر لنفسه أن يكون قدوة لغيره بالمجتمع وأخلاقه، فالمجتمعات منذ بدء الخليقة عامتها فاسدة: «وما آمن معه إلا قليل». هود (40) فكن أنت هذا القليل.. وكن أنت الأسوة الحسنة، التي يحتاجها غيرك مربيًا، ومعلمًا، ومرشدًا، ومصلحًا، وصادقًا.. فإن لم تستطع فلا تكن معول هدم لغيرك من القدوات.. فتدمر مستقبل مجتمعات بأكملها كي ترضي فساد قلبك وتقنع نفسك بباطلك «أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون».

فصل العلم عن العمل

وكما أنّ مخالفة القول للفعل تنجب أجيالًا مشوهة فكريًا وأخلاقيًا، فإنّ فصل العلم عن العمل يخرّج أجيالًا معاقة، لا يجيدون سوى الكلام، ولا يبحثون إلا عن الراحة، لا يتحملون مسؤولية، ولا يحتملون شدة، لا هَمَّ لهم سوى الجلوس أو اللعب أو تضييع الوقت، ولم لا! ونحن من ربيانهم على التنظير لا على التقدير، وزرعنا في نفوسهم حصد الشهادات دون تحقيق إنجازات! أفيقوا يرحمكم فالنعمة لا تدوم، ربّوا أبناءكم على العلم المكلل بالعمل، ازرعوا في نفوسهم الحركة لا النوم، والتوكل لا التواكل، فأمتنا ومجتمعاتنا لا تحتاج لمتحدثين بقدر ما تحتاج لأفراد عاملين ومنتجين، ولا تنسوا أنّ نجاح أية أمة مرتبط بما تقدم لا بما تتحدث، والأمم المتقدمة تدرك أنه لا قيمة لعالم بغير اختراعات، ولا قيمة لمعلم بغير طلاب.. فلا خير في علم لا يُنتجُ عملًا يُرى أثره في النفس وثمرته في المجتمع.

فلكل من يقرأ كلماتي من الآباء والأمهات والمربين والمصلحين والمسؤولين وكل من كان راعيًا! وطنوا أبناءكم ومن تحتكم بمهارة عملية يفيد منها جنبًا إلى جنب مع تعليمه، فما من نبي إلا وكان له حرفة يتكسب منها، واغرسوا في نفوسهم أننا نتعلم العلم لأجل التعمير، وليس لأجل التوظيف، فالوظيفة لا تدوم، إنما يبقى ما علمته من علم وما أكسبته من مهارة، وأنّ طفلك الذي لا تنشئه على اكتساب المهارات والعمل وهو صغير سيكسر ظهرك حتمًا وهو كبير.

الدلال المبالغ فيه

يظن بعض الآباء أو الأمهات خطأً أنّ حبه لولده أو لابنته يعني ألا يحرمه من شيء، وأن يتساهل معه وقت الخطأ، وأنّ مهمته في الحياة هي فقط إطعام أبنائه وسقايتهم وإلباسهم حد الشبع، وهنا قد أكمل مهمته في الحياة ولا يلومه أحد، وهذا من أعظم الأخطاء أن تربي طفلك كالحيوان أعزكم الله، فما لهذا خلقنا ولا لهذا نعيش! وتكون الطامة والصراخ من الوالدين عندما يكبر من قاما بتدليله وتسمينه فقط، فيجدان كائنًا آخر، لا بِرًّا منه قد نالوا، ولا أخلاقًا قد كسبوا، ولا نجاحًا له يسعدون به، بل يظل يتعثر من مشكلة لأخرى ومن خطأ لآخر، حتى إذا استوى عوده واشتدت عظامه ما عاد ينفع التقويم ولا التعديل.. فأنت من خيبت رجاءه وأمَلْتَ غصنه حتى أصبح الاعوجاج في بنيته وفكره وعقله وقلبه سبيلًا.

إنّ الدلال الحقيقي هو أنْ تشاركه الفرحة عندما يصيب، وأن تحنوا عليه وتحتويه عند الخطأ، لا أن تشجعه عليه أو تتركه يزداد فيه توغلًا، واقرأوا كلماتي هذه بقلوبكم قبل عقولكم «إنّ الشدائد هي ما يصنع الرجال، وما أنجب الرخاء يومًا إلا إنسانًا رخو الأفكار.. واهن العزيمة، ضعيف الحجة، قليل العمل، مشتت الفكر، لا يدرك من حاضره ومستقبله إلا ما يدركه من طعامه وشرابه ومتعته».

الإهمال

وكما أنّ الدلال المبالغ فيه يدمر الأبناء فإنّ الإهمال يقلب حياتهم رأسًا على عقب، حيث يشعر الأبناء بالوحدة داخل البيت الذي هو بمثابة الوطن لهم، وكم سمعت من المراهقين والشباب وحتى الصغار أنهم لا يرون آباءهم وأمهاتهم إلا على موائد الطعام أو وقت النوم، وكأنهم ضيوف في بيوتهم وزوارًا فيها، ولا يدرك من يفعل ذلك حجم الاغتراب الذي يغرسه في نفس أبنائه ووحشة الغربة التي يربيه عليها داخل بيته، فيضطر الأبناء والبنات للجوء إلى خارج البيت؛ للبحث عمن يؤنس وحدتهم ويعوض ذلك الفراغ الذي تركه آباؤهم وأمهاتهم، ولا أعرف حجم الجهل الذي يقع فيه البعض ليظن أن خصوصيته تلغي وجود أبنائه، فها هو نبي الله بالرغم نزول الوحي عليه إلا أنه لم يظلم زوجًا ولا يهمل ولدا، بل كان يشاركهم كل شيء، وعندما سئلت السيدة عائشة – رضي الله عنها – عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في بيته فقالت: «يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمله الرجال في بيوتهم». أخرجه أحمد وابن سعد وصححه ابن حبان.

وفي الحديث المشهور في تعامله مع أبنائه وأحفاده الذي رواه النسائي عن عبد الله بن شَدَّاد عن أَبيه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي، وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهرني صلاتك سجدة أطلتها! حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته». رواه النسائي وصححه الألباني.

فمن يحتج بأن هذا الأثر السابق هو في أمور الدين لتحبيب الصبية والأطفال في العبادة، فإليك هذه الرواية العجيبة والجميلة والتي هي من صميم فطرة الإنسان، فعن يعلى العامري رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعوا إليه، فإذا حسين مع غلمان يلعب في السِّكَّة (الطريق)، قال: «فتقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم، وبسط يديه، فجعل الغلامُ يفِرُّ ها هُنا وَها هُنا، ويضاحِكُه النبي صلى الله عليه وسلم حتَّى أخذه (أمسكه)، فجعل إحدى يديه تحت ذقنِه والأخرى في فأس (وسط) رأسه فقبَّلَه وقال: حُسَيْن منِّي، وأَنا من حُسَيْن، أحبّ اللَّه من أحبَّ حُسَيْنًا». رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

ليس هذا فحسب، فهذا نبي الله داود عليه السلام وهو الملك الذي يحكم يجلس ولده سليمان وهو صغير في مجلسه ويسمح له بالحديث: «وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ». الأنبياء (79).

ويعقوب نبي الله عليه السلام، والذي حكى لنا القرآن قصته مع ولده الصغير يوسف، وكيف كان قريبًا منه بصحبته له أبًا ومربيًا، حيث يركض يوسف عليه السلام إلى أبيه ليخبره بشأن الرؤيا التي رآها ويقصها عليه، «إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ. قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ». سورة يوسف، وكيف كان توجيه أبيه له، وإرشاده بكتمان الأمر؛ خوفًا عليه الحسد والكيد.

فإلى كل أب أو أم، يهمل في تربية أبنائه ويتعالى على النزول لأعمارهم ويعاملهم بعقلية الغريب لا القريب والحاكم لا الوالد، أبناؤك هم بعضك، بل كلك، وإنْ لم يجدوا فيك الوطن، سيبحثون عنه في غيرك، فإلى كل من يتشاغل بصعوبات الحياة عنهم، سنموت وصعوبات الحياة لن تنتهي، «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، أي مشقة، فانتبه.. وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد