تحدثنا في المقال السابق “وهم سقوط الوحش الأعظم” عن أن القوى العظمى مثل روسيا والولايات المتحدة لم ولن تسقط إلا أن تأتي قوة أخرى لاستبدالها. وسواء حدث هذا أم لم يحدث، فإننا كمسلمين لن نستطيع التحرر من هيمنة أحدهما حتى نبني نحن قوتنا ونستكمل أسباب حريتنا واستقلالنا. إننا نعيش في عالم تحكمه قوانين هي أقرب إلى قوانين الغاب منها إلى أي شيء آخر، نعم هي كذلك وإن جملوها وألبسوها كل ألبسة التأنق والحضارة، وفي عالم كهذا، لن يستطيع الضعيف العيش فيه إلا ذليلًا ولن يتمتع بالحرية فيه إلا من كان قويًا.

ولكن ما هي القوة؟ قد أخدعك، بل قد أخدع نفسي، إن زعمتُ أن عندي أو عند غيري تعريف جامع مانع لـ “القوة”، ولكنني أستطيع أن أقول مرتاحًا أنها تلك القدرة التي إن امتلكتها، استطعت أن تحقق ما تريد دون حتى أن تستعملها. إنه ذلك المفهوم في الدراسات الاستراتيجية المعروف بـ “الردع”، لا أستطيع أن أجد مثالًا لـ “الردع” أوضح من قول سليمان – عليه السلام – لرسول بلقيس ملكة سبأ “ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ” النمل: 37. إن الله – سبحانه وتعالى – قد رزق سليمان – عليه السلام – من أسباب القوة، ما استطاع معها تحقيق مراده دون حتى أن يستخدمها.

 

 

بالطبع جميعنا يعلم قصة سليمان عليه السلام، ولكننا في غمرة استشعارنا منة الله على نبيه سليمان، قد ننسى ما مر به جيلان قبله من الاستضعاف والذلة. هكذا هو حال الناس، يذكرون النتائج وينسون المقدمات. قد ذكر الله لنا بداية أمر سليمان، ولكنها قصة كانت قبل حتى أن يولد سليمان. إنها قصة أبيه داود – عليه السلام – وجيله من شباب بني إسرائيل، الذين ما ترك لهم آباؤهم إلا الذلة والصغار والاستضعاف. هذا الجيل الذي استطاع، بصبره وجهاده، شق طريقه من غياهب الضعف والذل إلى آفاق العزة والحرية. ذكر الله لنا هذه القصة في ثنايا كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في سورة البقرة من الآية 246 إلى الآية 252. سبع آيات معجزات، يستطيع المسلمون أن يتلمسوا فيها طريق العزة والحرية، فهي طريق واضحة جلية لا لبس فيها ولا تعقيد لمن عقل وتدبر، فسبحان من أنزل هذا الكتاب العظيم الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنضب منابعه، فتعال معي أخي الحبيب وأختي الفاضلة نحاول استبانة هذه المعالم على طريق الحرية.

 

1- لا سير بغير قيادة «الخطوة الأولى»

انظر معي وتأمل ما بدأت به القصة من قول كبار بني إسرائيل لنبيهم “ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”، إن هذه هي الحكمة الواضحة والخطوة الأولى “الاجتماع إلى قيادة موحدة”. لا يتوقعن أحد نجاح أي سير دون الاجتماع إلى قائد يدير الدفة ويحرك الناس، فدون ذلك لن نتحرك خطوة واحدة إلى الأمام في طريق الحرية.

2- وضوح الغاية «في سبيل الله»

إننا لا نريد العزة والحرية لرضى أنفسنا، أو لأننا سئمنا الظلم والاستبداد فحسب، بل الغاية الأولى والأسمى والتي تستحق حقًا التضحية من أجلها بالنفس والمال والولد، هي “أن تكون كلمة الله هي العليا” كما في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – إننا لا ندافع عن شرعية انتخابات أو حقوق دستورية، بل ندافع عن دين وشريعة هي السبيل الوحيد نحو الحرية الحقيقية.

3- لا تيأسن من كثرة المتساقطين في طريق الحرية .. فالقلة يكفون

وهو في قوله تعالى “فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ”. وهكذا هو حال الأمم، لا يقود التغيير فيها إلا القلة، تلك القلة النشطة التي تصبر على مشاق الطريق.

 

4- لا نعطي القيادة لمن يطلبها: «ونحن أحق بالملك منه»

وهو في قوله تعالى “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ”، وهو أيضًا في قول النبي – صلى الله عليه وسلم – “إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله، أو أحدًا حرص عليه”. وهذا والله مما عمت به البلوى فينا نحن المسلمون، فتجدنا نتصارع ونتكالب على الإمارة تكالب الجوعى على جيفة نتنة وقد نُهينا عن طلبها، والأنكى من ذلك أننا ما عدنا نستحيي من طلبها أو من صرفها لمن يطلبها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

5- «العلم والكفاءة» هما مقياس التقديم

وهو في قول نبيهم لهم “قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ”. على طريقنا نحو الحرية، وفي اختيار قياداتنا في هذا الطريق، لا بد أن يكون معياري “العلم والكفاءة” هما أساس التقديم والتأخير. نعم، ليس السن ولا الجاه ولا المال ولا الشهرة ولا الولاء ولا … إلخ. وهو ما أمرنا الله به أيضًا في موضع آخر في قوله تعالى “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا” النساء 58. وتولية الأمر لغير أهله هو عين تضييع الأمانة كما في الحديث “إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة “. فلا يجب أن يُقدم فينا من ليس أهلًا لقيادة ما، فمثلًا، لا يجب أن نأتي بطبيب له قدم السبق في علم الطب، فنطلب منه قيادة الجيش، ولا أن نأتي بعالم في هندسة المواد فنوليه رئاسة الجمهورية، واللبيب بالإشارة يفهم.

6- الثقة في القيادة لا تُبنى إلا على الدليل

وهو في قوله تعالى “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”. فلا يجب أن نثق في القيادة ثقة عمياء دون دليل من شرع أو عقل فقد مضى زمن المعجزات، والثقة في القيادة بغير دليل تورثنا ضعفًا لا علاج له، إذ لا يثق في قيادته بغير دليل رجل لبيب حتى تورثه تلك الثقة العمياء حمقًا وتعصبًا وعمى، والنتيجة المتحققة من هذا، أتباع كالأنعام ينعقون بما لا يسمعون وقادة متراخون ضعفاء.

7- طاعة القيادة واجبة

كما فى قوله تعالى “فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ”

بعد الاستوثاق من القيادة بالدليل القاطع، فلا مناص من طاعة القيادة أثناء السير على الطريق في غير معصية، فكما قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – “لا إمارة بغير طاعة”. وهذا ضروري لتماسك الصف وقوته، ولا يغرنك تهكم المتهكمين وسخرية الساخرين.

8- وعي القيادة دليل على سلامة الاختيار

كما في الآية السابقة، فإن القيادة الواعية هي التي تنبه أتباعها إلى مزالق الطريق وتقيهم السقوط في عثراته، وهذا الوعي هو نتيجة طبيعية لاتباع المعلم الخامس ودليل عليه.

9- كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة

وهنا الحكمة الخالدة من رب العالمين على لسان المؤمنين “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ”، إذا اتبعنا معالم الطريق وصح المسير وأكملنا ما نستطيع من أسباب القوة، فلنثق في نصر الله مهما عظمت قوة الظالمين والمستبدين.

10- وقتل داود جالوت

هنا يأتي التأكيد الرباني مرة أخرى على ضرورة تقديم العلم والكفاءة في مجتمع السائرين على طريق الحرية في قوله تعالى “وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ “. وهنا يأتي دور جيل جديد في تسلم القيادة، يتسلمها وقد أثقل بتربية وعلم وحكمة وجهاد في سبيل الله، فتخرج قياداته الجديدة خروجًا طبيعيًا دون تكلف سمج أو طلب للإمارة مذموم. وهنا هي بداية الطريق نحو القوة الكاملة، بداية الطريق إلى عهد سليمان – عليه السلام –.

تلك عشرة كاملة، وفي المقال التالي نحاول إنزال هذه المعالم على ما حل بنا في طريقنا إلى الحرية وهو أول طريق النهوض بعد كثرة العثرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد