لم تكن الأحداث المتسارعة التي شهدتها أرض فلسطين ابتداءً من العشر الأواخر من رمضان وانطلاقًا من المسجد الأقصى المبارك، وصولًا إلى انتصار غزة مجرَّد جولة من جولات الصراع مع العدو الصهيوني، وإنما منعطف إستراتيجي في واقع الشرق الأوسط ومستقبله، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النقاط العشرة التالية:

1- بعد جولات شعوب الربيع العربي مع طغمة الطغيان وزبانية الثورات المضادة والحلف المموِّل والمدبِّر لها، وبعد اضطهاد المسلمين في تركستان الشرقية وميانمار وغيرها، وبعد تنامي الخطاب الرسمي المعادي للإسلام في أوروبا، عادتْ القضية الفلسطينية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، قضيةً مركزية في الشعور والاهتمام الإسلامي؛ مركزية من حيث إنها قضية مقدسة يُجمِع عليها المسلمون في أنحاء الأرض، ومركزية كونها تعيد ضبط بوصلة الأمة مرّة أخرى في التركيز على كبرى قضاياها، وعلى السرطان الأكبر والأُسّ الداعم للحكومات المجرمة في المنطقة العربية؛ الكيان الصهيوني. وقد أعاد هذا الاصطفاف الجديد التلاحم بين الشعوب المسلمة وجدَّد روح الأخوة الإيمانية بينها. يمكن قراءة ذلك في العدد الكبير للمظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي شهدتها مختلف البلدان، وفي السخاء الشعبي لدعم المرابطين والمقاومين، ومن رفع أعلام الثورة السورية في باحات المسجد الأقصى، وغيرها.

2- بعد تراجع زخم الربيع العربي في مواجهة إجرام طغاة العرب خلال السنوات السابقة ساد شعورٌ غالبٌ بالإحباط بين الشعوب المضطهدة، ليعيدَ ثباتُ وصمودُ أهل غزة وأبطالها ميدانيًّا، ثم انتصارهم في معركة سيف القدس تفاوضيًّا وسياسيًّا، الثقةَ بالذات إلى أبناء الأمة الإسلامية وإلى الشعوب الثائرة على حكامها الطغاة، وليجدّدَ الإيمان بإمكانية أن تتحققَ إرادةُ الشعوب بإصرارها وثباتها وبجهدها المستقل.

3- لقد تغيَّرت نظرةُ العالم إلى دولة الكيان الصهيوني من كونها أكثرَ الدول استقرارًا وديموقراطيةً في العالم إلى دولةٍ مهزوزةِ السُمعة فاقدةٍ للأمن والاستقرار. وقد أصبح اليهود المستوطنون يتحركون في الأرض المحتلة بخوف وترقُّب. إنَّ صافرةَ إنذارٍ واحدةٍ في تل أبيب كانت كافيةً لتجعلَ اليهود في الملاجئ تحت الأرض، ولتحوّلَ دولة الاحتلال إلى دولة أشباح مشلولة. وقد بدأ اليهودُ التفكيرَ فعليًّا بالهجرة المعاكسة بحثًا عن الأمن. هذا إلى جانب الخسائر الاقتصادية المرتفعة، وانهيار مصداقية المنظومة الإعلامية في أعين اليهود أنفسهم، حتى أصبحت تصريحات أبو عبيدة عندهم أكثر مصداقية من الإعلام الإسرائيلي، فضلًا عن التخبّط السياسي وتصاعد الخلافات الحزبية بينهم.

4- في المقابل فقد تحولت غزة واقعيًّا من منطقة معزولة محاصرة إلى قيادة تتحكَّم بإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وصاحبة اليد العليا سياسيًّا على مستوى التراب الفلسطيني، وإلى مرجعية لا يمكن تجاوزها في صناعة مستقبل فلسطين.

5- البرود الإيراني في مناصرة أهل غزة والدفاع عن المسجد الأقصى، إلى جانب بعض التصريحات السياسية؛ الاضطرارية أو الشاذة من قادة المقاومة التي تشير للدور الإيراني، أعاد طرح طبيعة العلاقة الإيرانية مع حركات المقاومة الفلسطينية وحجم الدور الذي تمارسه في القضية الفلسطينية. لقد قطعَ قائدُ حركة حماس في الخارج، الأستاذ خالد مشعل، الجدَلَ حين قرَّر حقيقةَ أنَّ الجهود الذاتية البحتة لأبطال غزة هي ما قلب الموازين ميدانيًّا وفاجأ الجميع. وباعتقادي فإنَّ هذا اللَّغَط وتلك التصريحات هو ما تريده إيران من متاجرتها بالقضية الفلسطينية ومزاودتها في دعم المقاومة في حين تلغُ في دماء الشعوب السنّية في سوريا واليمن والعراق وغيرها. ومن اللافت تصاعد الدور التركي وتصدُّره الذي يزداد ترسُّخًا في الدفاع عن القضايا الإسلامية في ظل ارتهان السياسة السعودية لصالح محور التطبيع.

6- من الواضح أنَّ ثقةَ جبهة الدول الداعمة للقضية الفلسطينية بقدرات المقاومة ازدادت بعد أن أثبتت الأخيرة رسوخَ قدمها على المستوى العسكري والسياسي، وأنها جهةٌ يمكن الاعتماد عليها في صياغة التحولات الإستراتيجية القادمة في المنطقة.

7- لقد شكلتْ الأحداث الأخيرة؛ اقتحام المسجد الأقصى واعتداءات اليهود على حي الشيخ جراح، ثم دخول غزة على خط المواجهة ومناصرة الشعوب العربية والإسلامية لأهل فلسطين ثم انتصار غزة، إرباكاً لقطار المطبّعين الخونة من الأنظمة العربية، وصفعةً قاسية على رؤوس طابور مشايخ السلاطين الذين تصدّروا لتبرير وشرعنة التطبيع مع اليهود.. ما يعني توقُّف هذا الانهيار الرسمي العربي أو ربما – في أقل تقدير – تأجيله حتى تنجلي الصورة سياسيًّا.

8- ليست صفعةً للمطبّعين من الأنظمة العربية فقط، بل ضربة وحصارًا لجماعة أوسلو أو ما يعرف بالسلطة الفلسطينية التي تريد إلزام الشعب الفلسطيني بخيارها الذليل وإخضاعه بسطوة التنسيق الأمني والأمن الوقائي لعدوّه ومغتصب أرضه، هذه السلطة التي كانت ترى أن صواريخ المقاومة عبثية ثم صعقت إذ رأتها سيفًا للقدس والأقصى! لقد قال الفلسطينيون في مختلف مناطقهم كلمتَهم بقناعة وبعد تجريب وأعادوا التفافهم مع خيار المقاومة. وقد كان لطرد مفتي السلطة الفلسطينية من المسجد الأقصى مع الهتاف المهين أوضح الدلالات على ذلك.

9- إعادة تلاحم المناطق الفلسطينية بشكلٍ غير مسبوق، ونجاح التنسيق بينها. ويعد دخول المناطق المحتلة عام 1948 على خط التصدي للعدوان الصهيوني ومناصرة بقية المناطق الفلسطينية نقلةً هائلةً في إستراتيجيات الصراع، وصدمةً رهيبة للوعي اليهودي الذي راهن على نسيان الأجيال الجديدة في هذه المناطق للقضية وتبلُّد مشاعرها وانقطاع صلتها بعمقها الإسلامي والعربي والفلسطيني. فأَنْ يتحرّك الشعب الفلسطيني من رفح حتى الناقورة كجسدٍ واحد إنما هو علامة على دخول الصراع مع اليهود مرحلة جديدة كليًّا.

10- لم يكن الجيل الجديد من الصواريخ والطائرات الانتحارية التي استعملتها كتائب القسام مجرّد سلاح جديد في المواجهة، بل كان قفزةً إستراتيجيةً نوعيةً قلبت الموازين ونقلت الرعب إلى عمق الكيان الذي صار جحيمًا بعد أن ظنَّ الصهاينة أنَّ يد المقاومة لن تطال أكثر من مناطق غلاف غزة.. بعد اليوم سيحسب اليهود ألف حساب قبل أي عدوان جديد على الأرض الفلسطينية.

انتصار غزة نقطةُ انعطاف إستراتيجية على مستوى القضية الفلسطينية وعلى مستوى مستقبل المنطقة العربية كاملة. وما بعد سيف القدس ليس كما قبلها، فقد فرضت المعركة ونتائجها واقعًا جديدًا لا يُمكن لأحد تجاوزه.

لقد وهبنا الله تبارك وتعالى بفضله وتوفيقه في حدثٍ واحدٍ جملةً من الانتصارات والإنجازات.. لقد كَسرت غزةُ هيبةَ الاحتلال، وهزَّت اقتصاده، وأفقدته الأمنَ، وقيَّدت يده عن المسجد الأقصى، ونَزَعت منه المبادرة، وجعَلَت اليهود يحسبون ألف حساب قبل أي اعتداء على الأقصى والقدس، وقطعت طريق المطبّعين، وأعادت التفاف المسلمين حول القضية الفلسطينية، وجددت العزم واليقين في نفوس الشعوب الثائرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد