اعتاد المصنفون قديمًا على ابتداء كتبهم في أي علم بذكر هذه المبادئ. وهي مبادئ عامة ولكنها مهمة جدًّا لتعريف الطالب إلى ماهية هذا العلم. وقد نظمها العديد من الأشخاص ولكني سأذكر نظم الإمام الصبان:

إن مبادئ كل فن عشرة ********* الحد والموضوع ثم الثمرة

وفضله ونسبة والواضع******** والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى****** ومن درى الجميع نال الشرفا

الحد هنا المقصود به التعريف الجامع المانع. أي التعريف الذي يضم جميع أطراف هذا العلم، كما أنه يميزه عن غيره من العلوم، بحيث لا يلتبس على المتعلم التفريق بين هذا العلم والعلوم الآخرى. فمثلًا علم النحو هو العلم الذي يدرس أحوال أواخر الكلم بحسب موضعها في الجملة. ولكن إن قلنا أواخر الكلم فقط، قد يلبس ويتداخل هذا التعريف مع تعريف علم الصرف الذي يدرس أيضًا أواخر الكلم. لذلك كان لا بد أنه نوضح أحوال أو حركات أواخر الكلم، حتى نفرق بين كلا العلمين.

الموضوع سمعت أحدهم يشير إلى إمكانية الاستغناء عنه، لأنه يمكن أن يضمن في التعريف. ولكن بشكل عام الموضوع المقصود هو ماهية المدروس أو الأبواب التي يطرقها هذا العلم. فمثلًا علم النفس يدرس سلوك الأشخاص وانعكاس هذا السلوك على أفكارهم. في حين أن علم الاجتماع (والله أعلم) يدرس سلوك الجماعات. ولو لاحظتم لوجدتم أن الموضوع شبيه بالتعريف إلى حد ما، وهذا رأيي الشخصي.

وأما الثمرة فهو الفائدة التي يعود بها هذا العلم على المجتمع وعلى الدارس نفسه. فمثلًا علم النفس يساعد على معالجة الظواهر أو العلل النفسية التي طرأت على المجتمعات الحديثة، سواء تمثل ذلك في القلق أو الاكتئاب. كما أنه يعمق فهمنا عن آليات عمل العقل، والتي قد تساعدنا في معرفة السبل المثلى في الرقي بقدراته وتحسينها.

وفضله هو إشارة لمرتبة هذا العلم بين العلوم. فمثلًا ما مرتبة علم النفس بين العلوم الإنسانية؟ هل هي أهمها أم هل هناك أولويات أخرى يجب على المرء الإلمام بها أولًا قبل الخوض في علم النفس؟ مثل الفلسفة أو غيرها. أو مثلًا في البرمجة. ما اللغات التي يفضل على المتعلم البدء بها بحسب أهميتها في المجال الذي عزم الإقدام عليه.

نسبته إشارة إلى علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى. فمثلًا علم النفس ينتمي للعلوم الإنسانية. وعلم الطب ينتمي للعلوم الطبيعية وهكذا. كما أننا نحدد علاقة هذا العلم بباقي العلوم من حيث التداخل مثل الهندسة الميكاترونكس، حيث إنها تتداخل مع الهندسة الكهربائية والهندسة الميكانيكية وهندسة الحاسوب أيضًا.

والواضع هو إشارة لمن اخترع هذا العلم. أو أول من صنف أو كتب فيه. أو هو من قام بنقل هذا العلم من الصدور أو السطور. مثل علم النحو حيث لم يكن العرب حين ذاك في حاجة له أصلًا لأنهم بلغاء وفصحاء بالفطرة. ولكن ظهرت حاجة لتعلمه من أجل حفظ اللسان العربي الأول. وأيضًا من أجل تسهيل تعلمه على العجم.

الاستمداد وهذه من المسائل الخطيرة جدًّا، لأنها مصدر كل الخرافات التي تنبع في أي علم تقريبًا. فالاستمداد هو المصادر الذي تستقى منه هذه العلوم. فمثلًا علم النفس الحديث مستمد من الأبحاث والدراسات والتي أجريت من اجل اختبار صحة نظرياته. أي إن أي كلمة حتى يتم تضمينها لعلم النفس لا بد لها من الخضوع إلى مراحل خطوات منهجية يعرفها أهل التخصص (وأنا لست منهم للأسف) حتى تعد جزءًا من العلم وليست مجرد خزعبلات، مثل التي تردنا من التنمية البشرية والعلاج بالطاقة وغيرها من البدع التي اجتاحت مجتمعاتنا للأسف الشديد. والأمر نفسه ينطبق على علم الفلك والأحياء وغيرها. فهي علوم تستمد من مصادرها التي تتمثل في المراقبات الفلكية أو الملاحظات العلمية وغيرها من الأمور التي أجهلها بدوري. ولذلك فأنا أعترض بشدة على كل من يتخذ القرآن مصدرًا لهذه العلوم بحجة إثبات تعظيم قدره. لأن ما يرد في القرآن هو الصواب المطلق. وأما ما يرد في العلوم فليس صوابًا مطلقًا، لأنه من درس تاريخ العلوم أو فلسفة العلوم سيجد العديد من النظريات التي كانت يقينية في فترة من الفترات ثم أصبحت جزءًا من الخرافات بعد أن ثبت بطلانها.

حكم الشارع المقصود به هو الحكم الشرعي في هذا العلم من ناحية ما إذا كان واجبًا أو جائزًا أو محرمًا. فليست كل العلوم مقبولًا تعلمها من الناحية الشرعية. فالسحر من ناحية التعريف قد يكون علمًا ولكن يحرم تعلمه، والشيء نفسه قد ينطبق على علوم الموسيقى وغيرها، والله أعلم فلست شيخًا حتى أحكم في هذه المسألة.

وأخيرًا مسائل العلم يقصد بها أبوابه وأقسامه وفروعه التي يهتم هذا العلم بدراستها. فمثلًا علم النفس يتفرع إلى جزء نظري وجزء تطبيقي، فالجزء التطبيقي هو محاولة استخدام هذه النظريات في الحياة العملية. كما أن علم النفس ينقسم إلى مجموعة من المدارس الفكرية مثل علم النفس المعرفي، وعلم النفس السلوكي، وعلم النفس الإنساني ونحوها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علوم, مبادئ

المصادر

تحميل المزيد