ما السبب في اندلاع الربيع العربي؟ وهل أخفق في تحقيق أهدافه؟ وما أسباب إخفاقه؟

أما أسباب الربيع العربي فهي عديدة:

كانت هناك طبقة حاكمة فاسدة سياسيًا واقتصاديًا سيطرت على مقدرات الحكم في البلاد العربية وعلى ثروات البلاد، وأصبحت هناك علاقة منافع متبادلة بين السياسيين والفاسدين من رجال الأعمال، وأصبح بقاء أحدهما مرتبطًا ببقاء الآخر.

فالسياسي يحتاج دعم رجال الأعمال الفاسدين لتمويل الحملات الإعلامية والدعائية للسياسي، كما أن رجال الأعمال الفاسدين متداخلين في قلب المجتمع بشركاتهم ومصانعهم وعمالهم وأيضًا الجمعيات (الخيرية) التي يديرونها ويستطيعون التأثير جيدًا في توجهات الرأي العام دون أن يظهروا في الصورة.

ومقابل المنافع التي يحصل عليها السياسي من رجال الأعمال الفاسدين يعمل على التغاضي عن فسادهم وإغلاق الملفات التي تفتح للتحقيق في الفساد (والاحتفاظ بها أيضًا وسيلة ضغط إذا لزم الأمر) وإخراس الألسنة التي تتحدث عن الفساد.

ومع الفساد السياسي والاقتصادي كانت الفواصل بين طبقات الشعب تتسع فالطبقة الغنية تضاعفت ثرواتها كثيرًا والطبقة الفقيرة أصبحت أشد فقرًا، أما الطبقة المتوسطة التي هي عماد أي أمة فقد اقتربت من حد الفقر وبعد أن كانت شبه ميسورة ماديًّا أصبحت مستورة وتعيش بالكاد.

ولكن ومع زيادة الفقر والفساد انتشرت الرشوة والمحسوبية والواسطة، وأصبح الحصول على الحق محتاجًا لواسطة أو رشوة والتعيينات في كل الوظائف المرموقة أصبحت مقصورة على أبناء الطبقة العليا فقط من السياسيين ورجال الأعمال الموالين.

ولعلنا لا ننسى ذلك الشاب الواعد المتفوق علميا المتخرج في كلية السياسة والاقتصاد حين تقدم لوظيفة في وزارة الخارجية واجتاز كل الاختبارات بتفوق كبير على كل أقرانه، ولكنهم رفضوا تعيينه ولم يكتفوا بذلك بل صدموه وأهانوا كرامته وإنسانيته حين أخبروه بسبب عدم تعيينه وهو أنه غير لائق اجتماعيا فانتحر في النيل.

ومع الظلم الاقتصادي والاجتماعي كان هناك ظلم سياسي: فقد تم مصادرة الحريات وتم تزوير الانتخابات وأصبحت إدارة البلاد إدارة أمنية وتم زرع الخوف في قلوب الشعوب وتم التضييق على الأحزاب والحركات ومنظمات المجتمع المدني.

وفي ظل ثورة وسائل التواصل أصبح حلم الشعوب وخاصة الشباب منهم أن تكون لهم دولة ديمقراطية مثل الدول الغربية، يرشحون أنفسهم أو ينتخبون حكامهم ويسائلونهم عبر برلمانات حقيقية ويدلون بآرائهم دون خوف من محاسبة أو تضييق أو حبس.

كانت الضغوط هائلة على الشعوب وفشلت أنظمة الحكم في تنفيس هذه الضغوط وكان لا بد من انفجار، وكان حدوثه فقط ينتظر شرارة صغيرة لم تكن لتسبب الانفجار لولا الضغوط الهائلة مثل حادثة صفع الشاب البوعزيزي في تونس، والتي كانت شرارة ثورة تونس، ثم كانت ثورة تونس هي شرارة الثورات العربية.

وبعد 10 سنوات هل نستطيع القول بإخفاق الربيع العربي؟

10 سنوات في عمر الدول والشعوب هي فترة قليلة جدا ولا يمكن الجزم بنجاح الربيع العربي ولا فشله فيها، وإنما نجزم بأنه ما زال متوهجا ولكن ربما كنار تحت الرماد ولعل أوضح الأمثلة على ذلك تلك الهبات والثورات الشعبية التي اندلعت كموجة ثانية من الربيع العربي.

ففي الجزائر تم إقصاء الرئيس بوتفليقة وانتخاب رئيس جديد وضع دستورا جديدا، وفي السودان تم تغيير نظام البشير وفي لبنان والعراق قامت هبات أو ثورات شعبية وأسفرت عن تغيير الحكومات كليا أو جزئيا في كل تلك البلدان وما زال الحراك قائما في العراق ولبنان والسودان.

وإذا كانت ثورات الربيع العربي قامت على الأغلب علي أكتاف الشباب الصغير وليس على يد السياسيين المعارضين في الأصل وإن نجح السياسيون كعادتهم دوما على ركوب موجات الثورة والربيع العربي فإن حلم الشباب في الحرية سيظل حاضرا ولعل مظاهرات سبتمبر 2019 و2010 تؤكد ذلك.

والذي لا شك فيه أن هناك حالة كبيرة من الإحباط مما آل إليه الربيع العربي، ولكن هذا الإحباط لا يمنع أن حلم الحرية الذي تذوقه الشباب العربي بعد ثوراتهم لم يخب ولن يخبو وسينتقل من جيل إلى جيل حتى يحصلوا على حرياتهم بالثورة أو بالضغوط التي تجبر أنظمة الحكم – العاقلة – على الاستجابة لها والإصلاح.

في الستينيات قامت ثورات شعبية في أوروبا الشرقية ضد الحكم الشيوعي في المجر وتشيكوسلوفاكيا قام الاتحاد السوفيتي بالتدخل عسكريًّا للقضاء عليها، ورغم ذلك وبعد حوالي ربع قرن تجددت الثورات في كل أوروبا الشيوعية لتتخلص الشعوب فيها أخيرًا من الاستبداد الشيوعي حتى الاتحاد السوفيتي نفسه تفكك وانهارت إمبراطوريته الشيوعية.

أما أسباب عدم نجاح الموجات الأول من الربيع العربي نجاحا كاملا فهناك أسباب داخلية وأسباب إقليمية وأسباب دولية:

أما الأسباب الداخلية فقد نشأ داخل كل دولة نظام حكم بعد انتهاء الاستعمار الغربي وقد حرص الاستعمار على تسليم الحكم في كل دولة من التي يجلو عنها لنخبة مرتبطة به سواء كانت هذه النخبة عسكرية أو مدنية، وقد أحكمت هذه النظم سيطرتها على بلادها عبر حكم عسكري أو أمني غير متسامح مع أي معارضة.

وكانت هناك مرشحات أو فلاتر أمنية في التعيين في كل وظائف الدولة المدنية والعسكرية والقضائية مما أسفر عن استبعاد قوى عديدة من الوصول للحكم وبقاء دائرة الحكم مقصورة على النخب العسكرية والمدنية منذ جلاء المستعمر وانتقالها لأبنائهم من بعدهم.

وخلقت أنظمة الحكم هذه طبقة من كبار ومتوسطي الموظفين مخلصين تماما لنظم الحكم ومنتفعة منها وبقاؤها مرهون ببقائها كما رسخت هذه النظم التحالف بينها وبين رأس المال الفاسد وربط مصالح رجال الأعمال الفاسدين بمصالح نظام الحكم عبر توزيع الامتيازات والأراضي.

وكان وجود تنظيم سياسي واحد أو حزب سياسي حاكم ومسيطر ولا يمكن لمن يريد المشاركة السياسية عبر الترشح للمحليات والبرلمان إلا من خلاله وباستثناءات نادرة فتكونت في كل قرية وحي طبقة من سياسيي هذا الحزب مرتبطة بنظام الحكم وتدافع عنه وترفض أي تغيير يقصيها.

وبالتالي بعد قيام ثورات الربيع العربي على نظم الحكم كان هناك ما يسمى بالدولة العميقة وهي مركب معقد من كبار ومتوسطي موظفي الدولة والمحليات ومن رأس المال الفاسد ومن نخبة علمانية في الغالب مرتبطة بالغرب أو بالشرق أكثر من ارتباطها بوطنها وثقافتها وتخشى من ظهور نخب ثورية جديدة.

كل هذه القوى اتحدت – رغم وجود اختلافات كبيرة بينها – دفاعا عن وجودها أو مصالحها وبإمكانها أن تسقط أي نظام حكم ثوري جديد تشعر بخطر وجودي على نفسها منه وفي نفس الوقت دبت الخلافات – أو تم بثها – بين قوى الثورة وربما استعجالا من بعض الثوار لجني المناصب.

أما العوامل الإقليمية، فمعظم الثورات قامت في بلدان جمهوملكية أي جمهورية دستوريا ولكنها تحولت أو أوشكت على التحول لنظام جمهوري وراثي يرث فيه أبناء الرئيس الحكم، وأثار ذلك قلقا كبيرا لأنظمة ملكية بجوارها تخشى امتداد الربيع العربي إليها وهي نظم ربما أقرب للقبلية وهشة وليست مستقرة ولكن لديها فوائض مالية بترولية هائلة.

ولما كانت هذه النظم بما لديها من فوائض بترولية هائلة، فإنها كانت على استعداد للانفاق على تمويل الثورات المضادة لهزيمة تلك الثورات أو تغيير مسارها وتفريغ مضمونها، وخاصة أن بوادر الثورة قد وصلت لعقر دار النظم الخليجية في البحرين واليمن لولا الدعم السعودي العسكري وفي داخل السعودية نفسها ولهذا سارعت حكومتها باتخاذ إجراءات اقتصادية سريعة لصالح الطبقات الأكثر حاجة.

وإذا كانت نظم الخليج قد أنفقت حوالي 500 مليار دولار لتمويل حرب صدام حسين على إيران بعد الثورة الإيرانية لمحاولة وأد تلك الثورة أو على الأقل شغل الخميني بالحرب مع العراق عن تصدير ثورته الشيعية، وخاصة أن هناك أقليات شيعية كبيرة في شرق الجزيرة العربية.

وإذا كانت هذه الدول أنفقت نصف ترليون دولار لإسقاط الثورة الإيرانية أو تحجيمها، فإنها كانت على استعداد لانفاق أضعاف هذا المبلغ لوأد أو تحجيم أو تغيير مسار الربيع العربي سرًّا أو جهرًّا.

وقد ظهر ذلك جليا في شراء هذه النظم لإعلاميين ووسائل إعلام ومنظمات شبابية لإسقاط الثورات وظهر ذلك جليا بالتحديد في مصر وتونس عبر وسائل إعلام ممولة خليجيا وإعلاميين يحصلون على أجور بالملايين وحركات مثل تمرد في مصر وحققوا في ذلك نجاحات متفاوتة، أما في اليمن فقد تدخلت تلك الدول صراحة في الثورة اليمنية.

فكانت المباردة الخليجية التي أسفرت عن إجبار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح على التخلي عن الحكم ليظل النظام قائمًا عبر نائبه عبد ربه منصور هادي الذي عينوه رئيسًا ولمنع القوى الثورية من الوصول للحكم أو تحقيق أهداف الثورة في جنوب الجزيرة العربية وبالقرب من نظم الحكم الخليجية.

كما كانت هناك إيران التي بدأت التدخل في مسار الربيع العربي أيضًا دفاعا عن مصالحها الطائفية، فأرسلت قوات حرسها الثوري وقوات وكيلها حسن نصر الله وحزب الله لسوريا لدعم نظام بشار على أسس طائفية كما دعمت الحوثيين في اليمن وأيدت الثورة الشعبية في البحرين.

وكان لتركيا أيضا مصالح ولكن خلاف هذه الدول فتركيا شجعت الثورات العربية ودعمتها ووجدت في نظم الحكم المنتخبة ديمقراطيا نتيجة للثورات، ربما بديلا تتحالف معه وتقوده بعد الرفض الدائم لقبولها بالاتحاد الأوروبي لاختلاف الثقافة بينها وبين أوروبا.

وأما العوامل الدولية، فلأن المنطقة العربية بها ثروات بترولية هائلة عليها عماد الاقتصاد الغربي كما تسيطر هذه المنطقة على خطوط النقل البحرية والجوية بين آسيا وأوروبا وأمريكا وأيضا وجود إسرائيل التي زرعها الغرب في قلب العالم العربي لتقسمه نصفين وتمثل مصالح الغرب وقيمه في المنطقة وتدافع عنها.

ولما كان الربيع العربي قد يسفر عن أنظمة حكم منتخبة ديمقراطيا، وبالتالي سيكون ولاؤها للشعوب التي انتخبتها أكثر من ولائها للغرب، وبالتالي ستتغير أولويات تلك النظم الجديدة عن الأولويات الغربية في المنطقة وتتعارض مصالحها أيضا.

ولما كان للغرب مصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية في المنطقة ولن يسمح بقيام نظم حكم تكون غير متصالحة معه وهو في سبيل ذلك يستغل النظم الإقليمية الحليفة والنخب التابعة إما لوأد الربيع العربي وإما للتحكم في مساره ومآلاته بما لا يهدد أمن إسرائيل ولا مصالح الغرب.

وقد ظهر ذلك جليا في تدخل حلف الناتو بقيادة أمريكا وفرنسا بقصف قوات القذافي للتعجيل بإسقاطه ثم قتله، وبعد ذلك كان هناك تنافس بين روسيا والصين وأمريكا وفرنسا وإيطاليا للتحكم في مسار الثورة الليبية إما عبر دعم الثورة المضادة أو عبر دعم مجموعات تحمي مصالح هذه الدول ونجم عن ذلك الوصول إلى ما يشبه تقسيم ليبيا.

وفي سوريا أيضا وبعد أن أوشك نظام الأسد على السقوط نتيجة ضربات الثورة السورية أوقفت نظم الخليج دعمها المالي للثورة وسارعت روسيا وإيران بإرسال قوات عسكرية ضخمة لمنع سقوط الأسد مع غض الطرف أمريكيا عن ذلك، لأن نظام الأسد لم يكن يشكل تهديدًا أبدًا على إسرائيل ولا على المصالح الغربية.

وبالطبع لروسيا مصالح كبيرة جيوسياسية واقتصادية وعسكرية تمثلت في وجود قواعد عسكرية بحرية في اللاذقية على البحر المتوسط وبالقرب من أوروبا وإلى الجنوب مباشرة من تركيا العضو في حزب الناتو كما أنشات قاعدة حميميم الجوية الكبيرة في الجنوب الشرقي من اللاذقية.

إذن كانت القوى العالمية وتحديدا روسيا والولايات المتحدة وأوروبا وإلى حد ما الصين ضد التغيير الكبير الناجم عن الربيع العربي، وتفضل أن يكون التغيير تدريجيا وليس ثوريا بما يحفظ مصالحهم وبما يضمن أيضا عدم وصول حركات متطرفة من وجهة نظرهم لحكم هذه البلاد.

وكانت هناك نظم إقليمية دعمت الثورات المضادة لتحمي نطم حكمها وخوفا من انتقال الربيع العربي إليها، والنخب المدنية والعسكرية الحاكمة أو المتحكمة في هذه الدول كانت تخشى على مصالحها في الحكم والتصدر.

ولكن كل هذا لا يعني انتهاء الربيع العربي فقد تكون له موجات تعلو ثم تنحسر لتليها موجات أخرى، ذلك أن الحكم الديمقراطي لا بد وأن ينتقل للبلاد العربية، وبالتالي لن يكون السؤال أبدا هو هو هل سينجح العرب في الانتقال للديمقراطية؟ وإنما السؤال متى سيتحقق ذلك؟

وكما تخلصت أوروبا من بقايا الحكم العسكري في سبعينيات القرن العشرين في إسبانيا والبرتغال واليونان ثم تخلصت أمريكا اللاتينية من الحكم العسكري في الثمانينيات والتسعينيات، وكما تخلصت أيضًا دول آسيوية وأفريقية من الحكم العسكري أو الاستبدادي فإن تخلص الدول العربية من الحكم الاستبدادي هو فقط مسألة وقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد