إلى فصيلة كنا عايشين، أنتم فقط كنتم عايشين

سنرى خلال هذا المقال، وبالأرقام الرسمية، هل كانت سوريا بتلك الصورة المشرقة التي يحاول البعض تسويقها عبر مقارنة مشاهد الدمار الحالية بأجمل الصور المتوفرة من تلك الفترة.

في عام 2010، كان عدد سكان سوريا 21 مليون نسمة بالمركز 54 عالميًّا، وهي السنة التي وصل فيها تعداد السكّان لأعلى مستوى له في تاريخ سوريا، ثمّ بدأ يتناقص حتى وصل في 2017 إلى قرابة 18 مليونًا، وهو العدد نفسه في عام 2005، وما زال التناقص مستمرًّا.

ولنلق نظرة على بعض المؤشرات، ولنبدأ بأكثر المؤشرات شهرةً والذي تتغنّى به فصيلة «كنّا عايشين»، وهو الأمان. في 2010 احتلت سوريا المركز 69 من بين 195 دولة وكيانًا في مؤشر القتل، أي أنّ 68 دولة حدثت فيها جرائم قتل أكثر ممّا حدث في سوريا، بينما حدث في سوريا جرائم قتل أكثر ممّا حدث في 126 دولة.

بينما احتلت سوريا المركز 70 في قائمة مشابهة هي عدد حالات سرقات السيارات، وذلك عام 2005، وهي آخر سنة تتوفّر فيها إحصائيات عن هذا الأمر في سوريا.

ووصلت سوريا إلى المركز 41 بعدد عمليات السطو الليلي، وكذلك بعدد عمليات الاختطاف، بينما نزلت للمركز 61 بعدد حالات الاغتصاب بمعدّل حالتي اغتصاب كلّ خمسة أيّام. أمّا بحالات السلب (السرقة النهاريّة) وصلت سوريا إلى المركز 67 بمعدّل حالتين كلّ يوم.

لننتقل إلى مؤشر التنمية البشرية الذي يقيس متوسّط الإنجاز في ثلاثة أبعاد هي: طول الحياة والصحّة، والمعرفة، ومستوى المعيشة. في عام 2010، احتلت سوريا المركز 120 من بين 188 دولة وكيانًا.

وفي مؤشر الحرية الاقتصادية -وهو من المؤشرات المهمّة جدًا- حلّت سوريا في المركز 145 في عام 2010، وتُعرّف الحرية الاقتصادية بأنّها حقّ الإنسان في التحّكم بعمله وممتلكاته، والإنتاج والاستهلاك والاستثمار بأيّة طريقة يرغب فيها، وتكفل الدولة حماية هذه الحرية.

وحلّت سوريا في المركز 111 في مؤشر اقتصاد المعرفة. ويُعرَّف اقتصاد المعرفة بأنّه نوع من أنواع الاقتصاد الذي يعتمد نموّه على نوعيّة المعلومات المتاحة وكميتها، والقدرة على الوصول إليها.

أمّا في حرية الصحافة، فقد شهدت سوريا في الفترة ما بين 2005 و2010 تراجعًا ملفتًا، رغم أنّها كانت تحتلّ المركز 22 من أكثر البلدان تقييدًا للصحافة في عام 2005، إلا أنها واصلت الانحدار حتى المركز السادس عام 2010.

وفي مؤشر الشفافية، كانت تحتلّ سوريا المركز 70 في عام 2005، بينما هبطت للمركز 127 في عام 2010.

وفي قائمة السعادة فإنّ أقدم تصنيف صدر في عام 2012، وكانت سوريا في المركز 144 عالميًّا، خلف مدغشقر وبوتسوانا وأفغانستان والعراق، وهاتين الأخيرتين تقبعان تحت الاحتلال الأمريكي حرفيًّا.

في 2010 كانت نسبة إنفاق سوريا على التعليم 2.6% من ناتجها المحلّي بالمركز 150 عالميًّا، بينما كان الإنفاق على التسليح 4.1% بالمركز 13 عالميًّا، مع 400 ألف عامل بالقطّاع العسكري (7% من القوّة العاملة في سوريا)، ونسبة بطالة حوالي 9%، ونسبة خريجين جامعيين 11% من الشباب في عمر التعليم الجامعي.

والحديث يطول جدًا لو فتحنا ملفّات القوّة الشرائية للفرد، والدخل السنوي، ومعدل التضخم، والأمن الغذائي، ومؤشّرات أخرى أقلّ شهرةً كمؤشّرات الصحّة، والرفاهيّة، والتلوّث، والمساواة، والاتّصالات، والخدمات… إلخ.

ولو قارنّا سوريا بدولٍ تقاربها من حيث عدد السكّان، أو الموارد المتاحة، أو الجغرافيا لرأينا العجب العُجاب، لكن سأقارن فقط برومانيا التي عانت من أسوأ ديكتاتوريات القرن العشرين، وأقصد تشاوشيسكو وكلّ ما رافق حكمه من فساد وتقييد للحريات، والآن عدد سكان رومانيا حوالي 20 مليون نسمة، ولديها نسبة نموّ 7% (ضعف سوريا)، وناتج محلّي يساوي أربعة أضعاف ناتج سوريا، مع قوّة شرائية للمواطن أيضًا تعادل أربعة أضعاف قوّة المواطن السوري، وتضخّم يساوي ثلث التضخّم في سوريا، ونصف البطالة في سوريا، ووصول إلى الإنترنت 60%، يساوي ضعف وصول السوريين 30%، وصادرات تساوي خمسة أضعاف صادرات سوريا، ومعدّل طلبات براءة اختراع حوالي ألف براءة كلّ سنة، مقابل 200 طلب في سوريا (شاملةً اختراع كأس المتّة بدون مصاصة الذي تغنّى به الإعلام السوري).

الخلاصة أنّنا بالفعل «كنّا عايشين»، لكن على طريقة عمرو دياب «عايش ومش عايش».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد