الإعلام المصرى قد قال قديمًا: «قبل تدهور الأوضاع أكثر مما هي عليه»: «إن لك عند الوطن حقوقًا، وعليك تجاهه واجبات».

ومن بعدها يشرع موضحًا واجباتك تمام الإيضاح، بل يملأ قدح واجباتك بأكثر مما يتحمل، ولا يذكر أي شيء تقريبًا عن حقوق المواطن مثل العيشة الكريمة، وفرصة العمل.. إلخ.

وعندما تدهورت الأحوال الاقتصادية أكثر وأكثر، وأضحت تسير من أسفل إلى أسفل، ومن أسوأ إلى أسوأ، فإن الإعلام المستأجر ينحدر معها، يكثر عندها كل إعلامي استعمال مصطلح الوطن، إن الإعلام يقصد بجملة الوطن تلك «المؤسسات والحكومات والمنظمات، وغيرها»، فيعطي اللفظ معنى غير معناه، وهذا التغيير في المعنى يطمر بين عظام المواطن حينًا بعد حين، حتى يصير الوطن فعلًا كأنه حقيقة.

كما يلح الإعلام في طلبه من المواطن أن يصبر ويرضى ويقنع، ويكون كالعصفور ينتظر الرزق من الله، ويرضى بما يعطيه له الوطن، وهو الذل، والإهانة، أو بالأحرى اللاشيء، ويطلب من المواطن أن يعمل ويجد لأجل الوطن، ولا ينتظر منه شيئًا، فخدمة الوطن تكون بدون مقابل .

وبطبيعة الحال فإن المواطن بشر ،خلقه الله لا يعمل إلا بمقابل، فلا يصلي إلا بمقابل، ولا يفعل الخير إلا بمقابل، والجنة ليست بالمجان، والشهادة لا تمنح إلا بمقابل، فكيف للإعلام يريد من المواطن البسيط أن يكدح مجانًا لأجل الوطن، الوطن الذي لا يعطيه سوى الألم، والذل، والقمعْ، الوطن الذي يشعره أنه حقير، ومخلوق من الدرجة الثانية.

في مثل هذه المرحلة من التدهور، التي قد وصلنا إليها، ونالت مصر بجدارة مؤخرًا أعلى الأرقام القياسية للفشل في العصر الحديث، يأخذ المواطن في البحث عن مصلحته الخاصة، راميًا بمصطلح الوطن عرض الحائط، وهمه بل حلمه في وطنه هو أن يغادر هذا الوطن، إلى وطن حر آخر، يجد فيه ما يشعره أنه آدمي، وأنه بشر يحب ويكره، وله متطلبات مثل الغنى في بلاده، إلى وطنٍ ليست معيشته الكريمة حكرًاعلى طبقة بعينها، سيكره المواطن هذا الوطن الذي لا يعطي له أجرًا، وما زال هذا الإعلام الضاخ للأكاذيب يكثر ويكثر استخدام لفظة الوطن، وكيف أعمل لأجل وطن أشعر منه بدمائي تسير منه وفيه، وهو الوطن نفسه الذي يذلني، ويقهرني، ويشعرني أننى خادم لهذا أو ذاك، إنها لمهزلة تضحك حتى البكاء، أن يعمل الفقير ويصب عمله في مصلحة الباشا وأولاده، فكأنك تطلب من فقيرٍ ضعيفٍ أن يبني بيتًا ليس له فيه حجر واحد وبلا مقابل، هذا هو حال الإعلام والشعب.

وهؤلاء الإعلاميون أصحاب شركات ونفوذ وأطيان، فهم يقولون للمواطن «اصبر واصبر ثم اصبر، لأجل الوطن والمجتمع»، ولا يشعر إعلامي واحد بأي مما يعانيهْ المواطن البسيط الذي يبحث عن لقمة العيش، وتأتي سياسة الدولة الفاشلة على الفقير الذي لا يجد عملًا، وتطلب منه أن يتحمل فقره، ويتحمل معه زيادة مرتبات الجيش والشرطة والوزراءْ زيادةً فقط تكفي مرتبات مليون مواطن، ومن الفلاح أن يتحمل منع زراعة الأرزْ، ويتحمل معه رؤية امتلاء حمامات سباحة الباشاوات، وآلاف الأمتار تحول للعاصمة الإدارية الجديدة، ومن أهالي المسجونين أن يتحملوا قرار تحصين اللواءات، وأنهم بحكم القانون باتوا فوق القانون، المهم أن يتحمل، وأن يأكل التراب، ويشرب الخراب، ويرى السراب، وصار الواقع الواضح البين أن العمل لأجل الوطن هو العمل لأجل الأغنياء في الوطن، ليزداد الغني غنى، ويزداد الفقير فقرًا على فقره، ويكثر الشرذمة بهذا الوطن.

ويتأتى دور الإعلام واضحًا بتلك المرحلة، عندما يستحضر مواضيع تشغل الرأى العام، كرقصة الكيكى، والدروس الخصوصية، ذاك الموضوع الذي يناقش منذ الأزل ولا يحل، وموضوع الحجاب الذي لا ينتهي، وهو فرض بين لا يحتاج لنقاش، ومع ذلك تنتهي مناظرة فيه لتبدأ غيرها، وموضوع الجن والسحر، وغيرها من المواضيع المخدرة.

والحق يقال، إن الشعب أيضًا له دور في تلك المذلة، فكل فرد في المجتمع المصري يخضع ويقول «أنا»، ويشغل باله بأن يكون من الأغنياء، وليكن البقية فقراء، ويبحث لذاته عن نفوذ وسلطات، فالفقر أمر لا يعنيه البتة، ويظل الشعب يخدر ويخدر، ويلجم، ويصبر، وينسى، ويتناسى ذله، وقهره، وضعفه، ومهانته، لكن، ومهما كان، ومهما سيكون، فلا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن تنسيه، أنـه جائع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك