«كَثُـرَ طرب نفوس أهلها، وفرحهم، ورغبتهم في مداومة اللذّات، واستماع الأغاني، ومواصلة المسرّات، والرغبة في الراحة، واطّراح ما يُوجب التعب والمشقة، والحب للنقش، والصورة، والرقم، والتلوين بالأصباغ، وعلى قلة الضجر في السفر، وترك المخالفة لمن يُصاحبون، وكثرة المبالغة لمن يألفون، وحُسن المؤازرة لمن يستخدمون، ومحبتهم للغرباء والمسافرين، والمواظبة على مسرتهم وسرورهم ومنفعتهم، وتركهم للحسد لمن يحبونه، والعتب على زلته، ويمدحونه ويُفضّلونه، ويلومون أنفسهم على التقصير عن إخائه وما يستحقه، والقيام بذلك».

شمس الدين ابن بسّام التِّنِّيسيّ في وصفه لأهل جزيرة تنيس في بداية القرن السابع الهجري.

بانوراما مدينة «تِنّيس»

من حُسن حظنا أن ثمة وريقات من تاريخٍ لجزيرة تِنِّيس قد وصلَ إلينا، هذا التاريخ اسمه «أنيسُ الجليسِ في أخبارِ تنيس» لـ«شمس الدين محمد بن أحمد بن بسَّام المحتسِب التِّنِّيسيّ»، وكان الدكتور «جمال الدين الشيال» رحمه الله، قد نشره في مجلة «المجمع العلمي العراقي» في العدد الرابع عشر لعام 1967م.

دوّن «ابن بسام»، محتسب جزيرة «تنِّيس»، وصفًا تفصيليًا لمدينة جزيرة تنيس، وذلك في أواخر القرن السادس الهجري، وأوائل القرن السابع الهجري.

ميزة هذه الوريقات أنها أعطت لنا معلومات تاريخية قيّمة عن وصف هذه الجزيرة، وأهم مناطقها، وعدد سكانها، خاصةً وأن مؤلفها كان يعمل محتسبًا على الجزيرة، وهي وظيفة توازي التفتيش التمويني والشُّرطي اليوم، وصاحبها عادة ما يكون من رجالات الفقه والشرع؛ إذ هو المنوط بمهامّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد رجّح الدكتور الشيّال أن المؤلف «ابن بسّام» عاش في أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع الهجري، قُبيل قرار التهجير والإخلاء الذي اتُّخذ فيما بعد.

كانت تنيس كما وصفها ابن بسّام شبه مستطيلة يحيط بها سور طوله 3285 ذراعًا (1970متر)، وعرضها من الشرق إلى الغرب 3580 ذراعًا (2148متر)، أي كانت مساحتها تقريبًا 4.5 كم، ولهذا السور 19 بابًا، بابٌ واحد منها مصفحٌ بالنحاس، والباقي مصفّح بالحديد، وكان يتصل بالسور قنطرتان، يُسلك تحتهما إلى ميناءين، لكلٍّ منهما باب مُصفّح؛ يمنعُ من يُريد أن يدخله، أو يخرج منه بغير إذن. ثم قدّم «ابن بسّام» إحصاءً نادرًا لكل ما كان في المدينة من مساجد وكنائس وفنادق وقياسر (وكالات تجارية) وحوانيت ودكاكين ومَعاصر وطواحين وحمّامات ومناسج.

العمران في «تِنّيس» التجارية

كان بـ«تنيس» 160 مسجدًا سوى المسجد الجامع، ولكل مسجد منها منارة، وقد وصف ابن بسّام «مسجد تنيس الجامع» في أوائل القرن السابع الهجري (في عصر الأيوبيين) قائلًا «إن طوله من جهة القبلة إلى جهة البحر مائة واثنا عشر ذراعًا ( 67 متر تقريبًا) وعرضه من المشرق إلى المغرب واحد وسبعون ذراعًا (42 مترًا) (مساحته 2800 متر تقريبًا)، وكانت له زيادة ملاصقة له طولها سبعون ذراعًا (40 مترًا)، وعرضها 29 ذراعًا (17 مترًا) وكانت العناية بهذا المسجد الجامع كبيرة؛ فقد كان يُوقد فيه في شهر رمضان ثلاثة آلاف مصباح، ومائة مصباح، ومائتان وخمسون شمعة، ويوقد فيه في كل ليلة ألفان وثمانمائة مصباح». أما عن كنائس تنيس فيذكر ابن بسّام أنه كان بها اثنتان وسبعون كنيسة إلى أن أمر بهدمها «الحاكم بأمر الله» في سنة 403هـ1012م.

إلى جانب مرافقها الاقتصادية كالفنادق والقياسر والحوانيت والمَعاصر والطواحين والحمّامات، ضمّت «تنيس» عشرات المساجد والكنائس.

ويتجلى من خلال العدد الكبير للفنادق والقياسر (وهي الوكالات التي كانت تُعقد فيها التعاملات التجارية بين التجار القادمين من خارج تنيس، مثل الشام والصعيد والمغرب بل من أوروبا)، أنها كانت على درجة كبيرة من النشاط التجاري حيث ذكر «ابن بسَّام» أن عددها خمسين وزادت في سنة 405هـ1014م إلى 56 بيتًا كبيرًا من البيوت التجارية العالمية.

ومن اللافت أن عدد الحوانيت الصغيرة قد بلغ في تلك الجزيرة المدينة ألفين وخمسمائة حانوت، وهو رقم يدل على عظم النشاط الاقتصادي الذي تمتعت به تنيس. أما المعاصر فقد بلغت مائة معصرة، اختلفت كبرًا وصغرًا، فأصغرها كان يعمل بها رجلان، وأكبرها كان يعمل بها عشرون رجلًا. أما الطواحين فقد اشتملت على مائة وستين طاحونًا، منها ما اشتمل على مدار واحد، ومنها ما اشتمل على مدارين، ومنها ما اشتمل على خمسة أحجار، وبها مقشر ومعجنة. أما الحمامات العامة فقد اشتملت على ستة وثلاثين حمامًا، سوى الخاصة التي بناها بعض الأهلين ملحقة بدورهم.

خارج أسوار «تنيس»

لم يكن العمران قاصرًا على ما كان داخل أسوار تنيس، بل كان لها أرباض (وهي المناطق السكنية خارج الأسوار الأربعة وهي الضواحي)، وفي كل ربض من هذه الأرباض أُنشِئت الدور والمنشآت والمرافق العامة، بعضها حكومي، وبعضها مما يتّصل بالصناعات القائمة في المدينة، وقد حدد ابن بسّام هذه الدور والمنشآت بدقة بالغة.

ففي الربض الغربي كانت توجد دار الصناعة، وهي دار صناعة السفن، ودار الإمارة مقر الحكم الأيوبي في زمنه، وحمّامات عامة للرجال، وعرصتان عظيمتان، أي مساحتان واسعتان يرد إليهما ما يُحمل إلى تنيس من البلدان القريبة والبعيدة.

امتدّ عمران «تنيس» إلى خارج أسوارها، على هيئة تجمّعات سكنية ضمّت الدور والمنشآت والمرافق العامة الحكومية، والمرافق الصناعية.

أما الربض الشرقي فقد كان مقرًّا للديوان الكبير، ويشتمل على عدة دواوين، ويرى الدكتور الشيال أن ابن بسّام ربما قصد به الجمرك الذي يحصل الضرائب المفروضة على التجارة الواردة على المدينة، وربما كانت الدواوين الحكومية التي تُشرف على الشئون الإدرارية والمالية للمدينة. وفي هذا الربض كانت ثمة دواليب «سواقي»تنقل الماء وقت غيوبه، وانخفاضه، أو زيادته إلى مصانع المدينة وحمّاماتها، كما كان يوجد قريبًا منها مطاحن للجبس والجير، وشمل هذا الربض اسطبلًا للسلطان، كانت تفد إليه الخيول الأصيلة من البلدان القريبة والبعيدة.

أما الربض القبلي الجنوبي فقد اشتمل على دواليب أخرى لنقل الماء إلى المصانع والحمامات، وأخصاص كبيرة كثيرة العدد، ويبدو أنها كانت الأخصاص التي كان يعيش فيها الصيّادون، واشتمل هذ الربض على ملاحات لإنتاج الملح، ووصف ابن بسّام الملح الناتج عنها بالجودة فهو يفوق بضيائه وعذوبته وكثرته كل ملح.

أما الربض البحري الشمالي فقد اشتمل على مساجد وكنائس، ومفارش لتبييض الأمتعة، وحجارة لضرب الثياب وتنظيفها، ومكان متسع استُخدم كهدف لتدريب الرماة على الرمي والتدريبات العسكرية، ومصليين: أحدهما لجنائز الموتى، والآخر لصلاة العيدين.

الذين سكنوا «تِنِّيس»

هذا الوصف الطبوغرافي العمراني النادر لمدينة «تنيس» لرجل أشرف على منظومة الأخلاق والتفتيش فيها، لا نكاد نجده فيما دُوِّن من وصف للجزيرة في كتب الرحّالة والبلدانيين والجغرافيين العرب؛ على أن القيمة الحقيقية التي أضافها «ابن بسّام» المحتسب التِّنِّيسيّ كانت حديثه عن سكان تنيس ومزاجهم وطبائعهم، فقال إن المدينة كانت تمتاز بصحة هوائها، ورقة طباع أهلها وصنائعهم، حتى إن الميت لا تفسد جثّته سريعًا، ولا يتساقط شعره من جسمه، ثم ضرب مثلًا على صحة هواء المدينة، وقلة الوباء بها، فقال «إن أكثر من يعمل بالأمتعة يأكلون الأسماك والأطعمة الزفرة ولا يغسلون أيديهم، ويعودون إلى رَقِّهم ونسجهم، ولا يُشم من ورائح تلك الزّهّومات شيء، بل يطيب نسجه، ويُستلذُّ نشره».

عاش في مدينة «تنيس» الصغيرة 50 ألف نسمة، تميّزوا بطرب النفوس ورقّة الطباع، ورقيّ المأكَل والمشرَب، وإتقان الفنون، وحُسن المعشَر وكرم الضيافة.

إن سكان المدينة كما وصف ابن بسام ـ وهو أحد سكانها ـ أهل فن ورقة، يحبون الطرب وسماع الأغاني، ويُجيدون الرسم والتصوير والنقش والتلوين والصباغة، وهم كأرباب الفنون في كل زمان. وحين تقرأ وصف ابن بسام لهم تحسّ أنه يفتخر بهم، ويعتز بما لهم من صفات وسجايا، يقول «كثر طرب نفوس أهلها وفرحهم ورغبتهم في مداومة اللذّات واستماع الأغاني ومواصلة المسرّات، والرغبة في الراحة، واطّراح ما يُوجب التعب والمشقة، والحب للنقش والصورة والرقْم والتلوين بالأصباغ، وعلى قلة الضجر في السفر، وترك المخالفة لمن يُصاحبون، وكثرة المبالغة لمن يألفون، وحُسن المؤازرة لمن يستخدمهم، ومحبتهم للغرباء والمسافرين، والمواظبة على مسرتهم وسرورهم ومنفعتهم، وتركهم للحسد لمن يحبونه، والعتب على زلته، ويمدحونه ويُفضّلونه، ويلومون أنفسهم على التقصير عن إخائه وما يستحقه، والقيام بذلك».

أما طعام أهل «تنيس»، فقد ذكرنا في المقال السابق أن طعامهم كان الغالب عليه الأسماك والطيور؛ لكثرتها في الجزيرة، وأما القمح وباقي الحبوب فقد كانت تأتي من خارج الجزيرة في قوارب وسفن معدة لذلك. وأما الماء فقد رأينا وصف «ابن بسام» بأنه كان يُنقل عن طريق السواقي أو الدواليب في وقت زيادته إلى مصانع المدينة، وهي فيما يبدو خزانات كبيرة، فضلًا عن حمّاماتها، وقد وصف ابن بسّام هذه المصانع الكبيرة لتخزين المياه في الجزيرة بقوله «وبتنيس مصنعتان عظيمتان مكشوفتا السقوف، والغربي منها واحد وعشرون بيتًا، والشرقي ثمانية عشر بيتًا، ومصنع مسقّف وسط المدينة، يُنقل إليه الماء على دولاب (ساقية) يشتمل عليه ستون قادوسًا مدة شهرين كاملين بلياليهما، يسع كل قادوس في تفريغه في يوم وليلة ألف جرة، ملء كل جرة أقساط من ماء، فيكون هذا المصنع ثلاثة ألف ألف ألف جرة وستمائة جرة».

ويبدو أن هذه المصانع أو الخزانات الكبرى كانت تُدرّ أرباحًا طائلة على أصحابها، فقد كان لرجل فيها يُسمى ابن طولون «ثلاث مصانع، أحدها بالقرب من السوق، والآخر في زيادة الجامع». بل إن «ابن بسّام» نفسه كان يملك مصنعًا.

ويُقدر «ابن بسام» عدد سكان تنيس في زمنه بـ 50 ألف نسمة، وهو يعتمد في ذلك الإحصاء على أدلة علمية؛ فقد اعتمد في ذلك على ما كان يستهلكه سكان المدينة في اليوم والسنة من القمح والشعير وغيرها، وعلى أساس هذه الكميات استنتج عدد السكان بصورة تقريبية. وهذا العدد الكبير في مساحة جغرافية لا تتعدى الخمسة كيلو مترات، يدل على الكثافة السكانية العالية التي تمتعت بها الجزيرة آنذاك، فكل متر مربع كان يحوي عشرة أشخاص تقريبًا.

أسبابٌ كثيرة انطوَت عليها الجزيرة الإستراتيجية شديدة الأهمية في الاقتصاد المصري في العصر الإسلامي الوسيط، جعلتها هدَفًا للغزوات الصليبية والنورماندية التي تعرضت لها، وجوبهت بمحاولات مستميتة للدفاع المستمر عنها من قِبَل الولاة والفاطميين والأيوبيين؛ وهو ما سنعرِض له بالتفصيل في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد