في شتاء 1954، تعرضت جماعة الإخوان المسلمين لمحنة عصيبة من العسكر في ظلال «بارانويا الزعامة»؛ وكأنها جاءت لاختبار «إيمانها بالمبدأ» ورسوخه. وتعرضت في صيف 2013 لمحنة عصيبة أمام العسكر لكن من خلفية «الاقتصاديات والمصالح»؛ لاختبار إيمانها «بالمنهج» وتصحيحه.

 

 
أعني أن محنة 54 جاءت لاختبار صلابة «الفكرة» الإسلامية الشمولية والثبات عليها من قبل الجماعة الجديدة وأفرادها، وإن صاحب ذلك محاولة شرسة لتحطيم «هيكل» الجماعة وبنيتها.

وأعني بقولي أن محنة 2013 كأنما جاءت لاختبار صحة «المنهج»؛ تلك الاختيارات الفكرية والفقهية، والوسائل والتكتيكات الحركية، التي لم يختبر أغلبها عمليًّا في دنيا الناس، ومن ثم تصحيح المنهج وتطويره. فالمحنتان مختلفتان، وإن تأثر بناء الجماعة بهما بقدر أو آخر، فأنت لو أردت تصنيف المحن التي واجهت الإخوان ومحصتها، ستجد أن منها ما كان مختبِرًا «للتنظيم» في صلابته ورسوخه، ومنها ما اختبر «المنهج» في صحته وقابليته للحياة.

وأحسب أن المحنة الحالية التي تمر بها صفوف الإخوان المسلمين هي أشد وقعًا من أكبر هزتين وقعتا للإخوان في سياق اختبار «المنهج« وتمحيص «الفكرة»؛ ذلك أن الاختبار الأول ليس ذلك الذي تعرضت له مع العسكر في وسط الخمسينات، لأنه استهدف في حقيقته بناء الجماعة ووجودها أي «التنظيم»، بل أعني: «ظاهرة التكفير»، التي تبلورت في معتقلات العسكر، وقابلها علماء الإخوان برؤية «دعاة لا قضاة» الرؤية الحاسمة والبحث الذي حمل اسم المستشار الهضيبي، وعندها تحطمت الفكرة في مبدأها.

وبعد أربعين عامًا أي في وسط التسعينيات كان الاختبار الثاني في رأيي، ويتعلق بأزمة «حزب الوسط» -وتشبه في دوافعها أزمة د/ أبو الفتوح-، وطرح رؤية جديدة وتبنيها في التعامل مع الدولة، وفهم الإسلام في ظلال الحضارة الإسلامية لا المرجعية الإسلامية الكاملة، وتجاوزتها الجماعة فيما أحسب، بسبب أن البناء الهرمي الذي أعيد تشييده بدءًا من نهايات السبعينيات كان صلبًا، منغلقًا أمام أفكار التغيير وأطروحات التطوير، والمحافظة عليه – لا سيما مع توفر ظهير شعبي- وعدم المبادرة بالصدام – في ظل استحضار نموذج الجماعة الإسلامية- كان أولوية القيادة آنذاك.

كما أن فكرة الأحزاب لم يكن لها وعاء حقيقي داخل الجماعة، فلم يكن مرحبًا بها بالقدر الكافي عند القاعدة، مع شيوع بعض الآراء الرافضة لها شرعًا يومذاك، ونجاح التجربة السياسية الإخوانية في برلمان 84/87 لم يعط الزخم الكافي لطلب المزيد من التجديد الفكري، والمناورة التنظيمية.

 

وليس لأن شباب الجماعة يحبها ويعشقها ويضحي في سبيل بقائها لاعتقاده أنها سبيل تحقيق الإسلام الشامل وتطبيق التشريع الحنيف الظاهر، ولا يزال يدافع عن بنيانها بشراسة، يدفعنا ذلك لتجاهل الحراك الحادث، وأن نكتفي بمطالبته بالاستسلام للرؤية «الفوقية» والرعاية «الأبوية» للمسار الثوري؛ فالشباب بحركته وطموحه وتفكيره الوثاب يرى أن الثورة لا تحتمل تقييد حركتها بفكر أثبتت التجربة لدى الجميع – إلا أصحابه- تجاوز الواقع له، وتخطيه لأطروحاته جميعًا، وعلى الجميع أن يدرك أن هذا الصمت يحوي بداخله «نظرًا وتأملاً» في صحة المنهج والوسائل جميعًا، وأنه صمت «مقلق»، وأن أصواتًا تصرخ بأن الجماعة باتت في «مأزق حقيقي».

دعك ممن يُهوِّن من الأمر لأننا محفوفون بتوفيق الله على طول الطريق، وأجيبك عن التساؤل الذي أكاد أسمعك تسأله: ما الذي حدث؟ وما مقدار الشرخ الذي نتحدث عنه؟

أقول: إن الأخطاء التاريخية التي وقعنا فيها أفرزت مأزقًا شديد الخطورة تمثل في أزمة «الثقة» وهو مكون يمثل أهم أركان البناء التربوي والفكري لدى الجماعة، بل هو «عمود الخيمة»، وهدير الأخطاء هدد ثباته بل شرخه، وأكاد أتحسس هذا الشرخ بيدي، ولا عجب أن ينعكس على فرع الثقة وهو أيقونة البناء الداخلي الشهيرة «السمع والطاعة».

 

وأفرزت كذلك «تشكيكًا» يدفع إلى المرونة بل الجرأة في النظر والتأمل، على منهج الجماعة وكتابها الأم «الرسائل» وموقف الجماعة من «الآخر» الداخلي، والإسلامي، والخارجي، ولست أوافقك إذا قلت إنه يصب في اتجاه التوافق والانفتاح معهم، لا؛ بل موقف أشد، وأضيق، وأكثر تمايزًا من سابقه؛ وأعلم أن ليس الفكر الإسلامي الوسطي هو الذي خسر مع «تجربة» الانقلاب، لا، بل أنا على يقين أن الفكر الليبرالي أو قل العلماني، ولا بأس أن تقول «الفكر الوطني العام»، هو الخاسر الأكبر بعد أن أبدى تشفيه وشماتته وفرحه بإسالة الدم الوطني فقط لأنه يخالفه سياسيًّا، وسنفرد ذلك بالحديث في مقال لاحق.

فضلًا عن مجموعة من التساؤلات أفرزتها الأزمة حول قضايا مفاهيمية مبادئية؛ كعلاقة الإخوان بالقوة، والثورة، والحكم، والأقباط، والدولة القطرية، والمؤسسات الوطنية.

وقضايا بنيوية وفكرية؛ كمفهوم البيعة، وهل البيعة «التنظيمية» هي البيعة الشرعية «التراثية» المنصوص عليها في الفقه الشرعي السياسي؟، وكحدود السمع الطاعة، وهل العلاقة الداخلية هي بين المربي والمتربي، أم القائد والجندي، أم المسئول والفرد؟، وهي الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على تناولها بفاعلية في «الداخل الإخواني».

 

لماذا لم يتعلم الإخوان من تجربة 54، ولماذا لم يقرأوا التغيرات العالمية، ولماذا لم يستمعوا للتحذيرات، ولماذا لم يقرأوا تاريخ الثورات؟.. هذه الأسئلة وأخواتها جعلت الشباب يقولون إن أيقونة «إخوانك اللي فوق شايفين أفضل مننا» تحطمت أو كادت، ومحلها الآن أيقونة «الثوار أصحاب القرار»، و«البركة بالشباب».

ولن أصغي لهذا الذي يطرح فكرة «التوالد» و«الانشقاق» أو يسوِّق لها، ويَعدُّها نتيجة حتمية لاختلاف وجهات النظر بالداخل الإخواني، وأن الحل بات هو «الحل»؛ ذلك أن البناء الذي تأسس على الحب والإخاء والتعايش أقوى من كل ذلك، لكنني أكاد أجزم أن المسافة بين وجهتي نظر «الشباب والشيوخ» الآن باتت بعيدةً، والاختلافَ عميق، ومن ينكر ذلك أو يتجاهله يسهم – شاء أو أبى- في زيادة الفجوة بين الرأيين، وتعقيد الواقع، وتفكيك الجماعة، والبديل الذي أراه هو التجديد الفكري، و تدشين «التأسيس الثالث» لجماعة الإخوان، المرنة، القوية، الثورية، المبادرة، ولنا مع هذا جولة.
وإلى هنا خلص الكلام.. والسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد