لكل إنسان منا رؤيته وتختلف الرؤية باختلاف المنظور ويختلف المنظور باختلاف العقيدة وتختلف العقيدة باختلاف الرؤية، فمنا من يرى قمة الجبل في قصة حب عاطفية مثلا ومنا من يراه في الدفء الأسري والمجتمعي ومنا من يراه في الالتزام الديني ومنا من يراه في النجاح المهني وتقدمه خطوة نحو الأخرى مسخرًا كل قواه ومضحيًا بكل ما يملك، وكل محتاج لما ينقصه.

كما عهدنا في المجتمع المصري أن لا يمر وقت إلا ويكون له صيحة أو موضة أقصد بين الفئات الشبابية، فبعد أن تفاجأنا بصيحة الروايات والعمق وفنجان القهوة تحت ضوء القمر أمام نافذة الغرفة نمر الآن بصيحة سوق العمل والشغف نحو تطوير القدرات للالتحاق بالشركات الرائدة متعددة الجنسيات والانغماس في السوق العالمي، فعليك أيها المتعشم خيرًا في هذا العالم أن تدرك عدة مفاهيم أساسية.

(فضيلة العمل لتحقيق الذات، الطموح، النجاح، تعمير الأرض، الارتفاع بمستوى المعيشة، إشباع الحاجات، الابتعاد عن هاوية الفقر والحرمان) تلك الكلمات التي وإن كانت قوية في ذاتها لكنها مطاطة جدًّا في استخدامها، العمل كمفهوم عام فضيلة وعبادة وكعنصر من عناصر الحياة فهو واجب، فالطبيعي أن العمل ليس هو قيمة الحياة والحياة بدون عمل ليس لها قيمة، والأصل أننا خلقنا لنعبد الله مع العمل فكما أمرنا الله (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) كذلك أمرنا وقال (وقل اعملوا) وتستطيع أن تجد أكثر من توكيد إلهي يزيد عن الخمسة والثمانين بعد الثلاثمائة في القرآن الكريم والكثير من الأوامر النبوية، من ضمنها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه”، والطبيعي أن يكون ميزان الحياة ميزانًا معتدلا يجمع ما بين الجوانب الأربعة الأساسية من حياة روحانية إيمانية وحياة اجتماعية وحياة شخصية وحياة مهنية مادية وينبغي أن يحافظ الإنسان على التوازن بين الكفات لكي لا نكون فريسة لتجار الأهواء والأشخاص، هذا نظام كوني متوازن وعليك ألا تضحي بواحد لآخر مهما كانت المغريات وإلا فعليك تحمل عقبات الخلل لاحقًا.

ترس1فأما الجانب الروحاني فسيضمن لك وعاءً روحيًّا وسلامًا نفسيًّا تستمد منه طاقتك، وأما الجانب الاجتماعي فسيضمن لك بقاء النسيج الاجتماعي الواحد والعلاقات فيما بين الأفراد، وأما الجانب الشخصي فسيضمن لك تنمية وتطوير الذات خطوة نحو أخرى، وأما الجانب المادي فسيضمن لك الابتكار المهني والاكتفاء المالي.

هل نعيش لنعمل أم نعمل لنعيش؟

في مجتمعات مثل اليابان وألمانيا وغيرها من الدول التي تقاس عندها قيمة الحياة بقياس مدى دوران عجلة الإنتاج ومدى الازدهار الاقتصادي والعملي والتي يطلق عليها مصطلح (working society) تتمحور القيمة العظمى للفرد في إنتاج أكبر عدد من الوحدات أو السلع بأقصى جودة ممكنة، ففي محادثة مع “تروكي ياماشيتا” العامل الياباني يقول “أنا لم أستطع رؤية أطفالي وهم يكبرون لأني كنت منشغلًا جدًّا، أتمنى لو يعود بي الزمن كي أعيش مع عائلتي بدل الانشغال الكامل بالعمل”. وهكذا نشأت أزمة الكاروشي اليابانية والتي تعني بكل بساطة ازدياد تعداد الموتى بالموت المفاجئ نتيجة للإفراط في العمل، كما لا يمكن أن أنسى “جاك لي” رائد الأعمال وصاحب مؤسسة علي بابا حينما سئل عن الأخطاء التي ارتكبها في حق نفسه، منها حين قال أنه يندم على قضاء القليل من الوقت مع العائلة وقال أنه لو يملك فرصة أخرى لحياة جديدة فلم يكن ليفعل ما فعله مسبقًا حيث أخبرته زوجته أنه لا ينتمي لها بل ينتمي لعلي بابا “شركتة الخاصة”. وماذا بعد ذلك النجاح؟ ها؟ هل النجاح المهني وحده يجلب السعادة؟ تستطيعون أن تجدوا الإجابة في عينيه.

إذا لا ينبغي أن ننسى حق أنفسنا كبشر من اجتماعيات وحق النفس وحق المجتمع كأشخاص مترابطين في نسيج واحد. وحق الله! لا ينبغي أن ننسى حق الله! وكن على يقين صديقي أن المتفوقين في عملهم ممن لا يلتزمون بالنظام الكوني والمخلين به هم أكثر عرضة للاكتئاب من غيرهم لأن شخصيتهم واحترامهم لذاتهم يرتكز دائما حول الإنجازات المادية وذلك منتهى الخطورة، فينقصهم شعور داخلي بالحياة، تلك الحياة التي لم يتحسسوها، تلك الحياة التي لا ترى بالعين ولا تلمس باليد! تلك الحياة التي ربما بنظرة لطفلك وأنت تراه يكبر أمامك قد تجعلك سعيدًا! تلك الحياة التي لربما بسجدة في سكون ليل تغيرك من شقي إلى سعيد! ولكن بلا تفريط ولا إفراط فالعمل حق واجب كما غيره ولكن وليست تلك الحياة التي تسعد بترقية وتتعس بفصل من العمل، لا تقليلا منها بل توازنا على نظام يتضمنها أيضًا.

ولكن ماذا بعد في الألفية الجديدة والنظام الرأسمالي وفي نظام تحكم رؤوس الأموال في السياسات العامة وفي نظام التدرج الهرمي لتوزيع الدخل ؟ لا! الأمرهنا يختلف كليًّا.

أولًا: ماذا تعني الرأسمالية؟

بكل بساطة هو نظام اقتصادي يقوم على نظام الملكية الخاصة للأفراد والحرية المالية لأقصى الحدود وتكمن في خلق تراكم رأسمالي كبير عبر تدرجات مالية من معاملات ومشاريع وغيرها، وهدفها الأول والأخير هو الربح بشتى الطرق المتاحة وبعدم تدخل حكومي إلا في دور رقابي محدد جدًّا! وبهذا النظام يستطيع أن يتحكم المالك أو صاحب الثروة في العامل كليًّا مما أدى بدوره إلى وجود فوضى في الاعتقاد وفي السلوك مما تولدت عنه صراعات عالمية أدت بدورها إلى خواء وكساد روحي محض وذلك يرجع إلى أن الحرية الواسعة المفهوم تؤدي إلى التشجيع على الجشع لدى الفرد لزيادة ثروته ولتوسيع الفجوة بينه وبين أقرب منافسيه حتى يستطيع أن يكون المتحكم الكلي في الأمور، وبتعاقب العقود استطاع أصحاب رؤوس الأموال التحكم في السياسات العامة للدول وليس فقط في سياسات المنظمات التجارية مما يؤدي إلى تحكم أصحاب رؤوس الأموال في العالم وما فيه وبتسخير الموارد لهم ليس إلا وقد تكون الموارد موارد بشرية أو موارد المواد الخام وغيرها.

يقول الفيلسوف السياسي الأمريكي نعوم تشوميسكي: “يحكم الرجال الأغنياء في المجتمعات الغنية ويتنافسون فيما بينهم للفوز بحصة أكبر من الثروة والسلطة، ويزيحون بلا رحمة أولئك الذين يقفون في طريقهم، ويساعدهم في ذلك الرجال الأغنياء في الدول الجائعة، أما الباقون فيخدمون، ويعانون“.

إذًا كيف يعمل العالم؟

دعني أطرح عليك سؤالا وحاول أن تجاوب أولًا، هل الاقتصاد يتبع السياسة أم السياسة تتبع الاقتصاد؟

حسنا إن كان جوابك أن الاقتصاد يتبع السياسة فإجابتك خاطئة، فالاقتصاد في العالم الرأسمالي يتحكم كليا في كل كل شيء بما فيه السياسة، بالاقتصاد القوي تستطيع الدول أن تكون غنية وبالاقتصاد الضعيف تُجبر الدولة أن تكون تابعة للدول الأقوى، بل إن الدول القوية لا تستطيع أن تكون قوية إلا بالاستثمارات القوية، والاستثمارات القوية لن تكون إلا برضاء المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، ولن تستطيع أن ترضي رجال الأعمال أو أصحاب رؤوس الأعمال إلا بإرضاء سياساتهم الجشعة، أمريكا بقوتها وعظم إمبراطوريتها لن تستطيع أن تقف أمام حيتان المستثمرين ورجال الأعمال لأنهم يملكونها فعليا! بل إن ساسة أمريكا هم في الواقع أسرى لوول ستريت ومستثمريها كما يقول “سايمون جونسون” كبير خبراء صندوق النقد الدولي، بل عليك أن تعلم عزيزي القارئ أن إجمالي الدين العام الأمريكي قد تخطى الناتج الإجمالي! حتى الشعب الأمريكي لم يسلم من تلك العبودية الاقتصادية لصالح مجموعة صغيرة جدا تتحكم في العالم بأكمله بالطرق الملتوية كالتسويق الحديث وإغوائهم بالنزعة الاستهلاكية، عليك أن تعرف أيها القارئ أن الثروة التي يحققها الأغنياء في حقيقة الأمر لا يحققها لهم سوى الفقراء من جهدهم وعرقهم وإنتاجهم وأن الخلل ليس في الاقتصاد كعلم ولكن في الأنظمة الاقتصادية كطرق لتوزيع الدخل.

هؤلاء النخبة لا يسيطرون على المنظمات التجارية فحسب! بل يسيطرون على التجارة والصناعة والسياسة والسلطة والإعلام كما تقول كارين هودس التي عملت عشرين عاما في التعاملات القانونية في البنك الدولي.

أنت تعمل في منظومة تعمل على انحراف ذلك النظام والمعيار الكوني الذي خلق ليعيش عليه الإنسان، منظومة ترغمك على قتل نفسك برضا تام واستسلام متناهٍ، تقبض روحك وتضعف قوتك وتشيب شبابك، منظومة ترغمك على التنافس المسعور غير الأخلاقي، تدرس وتعمل وتكدح بل وتكرس حياتك لحياة مهنية مستقرة مهما فعلت لتأمينها تبقى على حافة متهاوية تعمل ثماني بل عشر بل أحيانا اثني عشرة ساعة بل أحيانا تجد من يعمل لنوبتين لتقبض عشر ما تنتجه لتغطي احتياجاتك وتزيد من ثروة صاحب العمل، منظومة تجعلك مجرد ترس في ماكينة غير قابل الخروج منها وإلا واجهت حالة التهميش المجتمعي والفقر الاقتصادي. أنت تطور من إمكانياتك وتقوي من مهاراتك ليستخدمك غيرك بكل وقاحة لاتساع تراكمه الرأسمالي، هي منظومة غاشمة يزيد فيها الغني غنى والفقير فقرًا.

وحسب الدراسة السويسرية المذكورة من قبل فريق من باحثي المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ أكدت أن 147 من تجمعات الشركات الاستثمارية الضخمة تسيطر على 40 بالمئة من الاقتصاد العالمي، ومعظم هذه التجمعات هي مؤسسات مالية. وتشتمل أكبر 20 شركة منها على مصارف باركليز وجي بي مورغان شاس وشركاه ومجموعة مورغان ساتش، بهذا تتوسع الفجوة بين الطبقة البرجوازية “الطبقة المتحكمة في رأس المال”، والطبقة البروليتارية “الطبقة التي لا تملك إلا قوة الجسد لتتقوت به” والتي يمكن أن نطلق عليها مصطلح الحرافيش إن جاز القول كما كان يطلق عليها في الستينيات من القرن الماضي، بالتالي تعمل الرأسمالية بكل بساطة على استغلال الطبقة البرجوازية للطبقة البروليتارية بل وتعمل على اتساع الفجوة ليصبح الاستغلال استغلالا أيدولوجيًّا فكريًّا وليس مجرد علاقة عمل بسيطة ليتمكنوا من السيطرة الفكرية والعملية عليها باستراتيجيات مختلفة لتجنب إشعال ثورات الغضب لاحقا، كمحاولة توسع نفوذ جنرالات الجيش بالسياسة والاقتصاد وسيطرتهم سيطرة كلية فإما أن ترضى بعبوديتهم وبالمستوى المالي المتدني تحت مسمى حماة الوطن أو أن تكون عميلًا موساديًّا من الأجندات الخفية التي تسعى لتخريب هذا الوطن.

فالشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي يملكها هؤلاء المستثمرين العمالقة هي بالأصل استعباد للمورد البشري وتبيع الأمل من الهواء، أما ما يسمى بالأمان الوظيفي فيها فهو هُراء ليس إلا! تلك المؤسسات التي تعلمك كيف تكون مخلصًا ومواليًا لمنظمتك ويتعلمون هم كيف يتخلصون منك في الوقت المناسب، ستعمل وستكافح وستطرد يومًا ما بتعيين ترس اّخر مبتدئ براتب منخفض وبنشاط أكبر وبعدم معرفة بقوانين اللعبة، وخوفآ من الوقوع في هاوية الفقر وأملا في الالتحاق بركب الناجين تصدقهم مجبرا على ذلك، أنت تسخر حياتك وجهدك ووقتك وحبك وكرهك وفكرك وانتماءك وولاءك لمنظمة أو لشركة مديروها هم ألد أعدائك دون أن تدري.

ترس2
لمن نعمل؟!

تفاهات لا نحتاجها، حربنا العظمى هي حرب روحانية، كسادنا الكبير هو حياتنا، تربينا أمام التلفاز لنؤمن أننا ذات يوم سنصبح مليونيرات ونجوم سينما ولاعبين ومطربين كبارًا لكننا لن نصبح وندرك تلك الحقيقة ببطء، في هذه الماكينة إما أن تكون على عجلة القيادة وإما أن تكون ترسًا يعمل لخدمة الماكينة التي تعمل لخدمة القيادة، نحن نحتاج لأن ندرك أن أعداءنا الحقيقيين ليسوا في بلاد بعيدة، هم ليسوا أناس لا نعرف أسماءهم ولا نفهم ثقافتهم، الأعداء هم أناس نعرفهم جيدًا ونستطيع تحديدهم، العدو هو النظام الذي يخوض الحروب عندما تكون الحرب مربحة لهم، العدو هم الوزراء والسياسيون الذين يحرموننا من حقنا في التعليم والصحة عندما يكون ذلك مربحًا لهم، العدو الحقيقي هم السياسيون والإعلاميون الذين يكذبون علينا ويجبروننا على العيش تحت الجهل والأمية وأوهام المؤامرة والتخوين عندما يكون ذلك مربحًا لهم وهم من يجبروننا على العيش تحت مظلة الوطنية تارة أخرى عندما يكون ذلك مربحًا لهم، العدو هم مدراء الشركات الذين فصلونا من أعمالنا عندما يكون ذلك مربحًا لهم وهم من يوظفوننا عندما يكون ذلك مربحًا لهم، هم البنوك التي تسلب منا بيوتنا عندما يكون ذلك مربحًا لهم، هم من يفرضون علينا الضرائب لتسرقها الحكومات عندما يكون ذلك مربحًا لهم، هم من يجعلون الغني أغنى والفقير أفقر، سخرونا لخدمتهم، سخرونا لعبادتهم، واستهوتنا حياتهم وتجارتهم وتحكمهم إلى أن ارتضينا بخدمتهم، نحن نحلم بأن نكون ذوي ثروة مثلهم لكن لا ندري بأي حال سنصبح في ظل مجتمع كلما ازداد فيه عدد الأغنياء كلما تضاعف أمامه تعداد الفقراء.

وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقول أني لم أرد إحباطك أبدا فهذه الحقائق ولكن للعلم كوسيلة لنشر الوعي وفي النهاية “أنت شريحة مستهدفة في دائرة مغلقة إن لم تع ذلك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد