أحيانًا أتخيل حياتنا وذكرياتنا حقائب نحملها فوق ظهورنا كما يحمل أطفال المدارس حقائبهم المليئة بأقلام التلوين، وشطائر الجبن، ورائحة الطبشور، والكتب المخلوطة ببقايا الأطعمة وأغلفة الشوكولاتة الفارغة. كل صغير يمشي بحقيبة ذكريات صغيرة تشبه حقائب «ديزني» التي يحملها الصغار في رياض الأطفال. ليس في هذه الحقائب سوى معارك الطفولة حول شراء الشوكولاتة أو المشاجرات مع الأم حول الرغبة العارمة في التهام الوجبات السريعة والذهاب إلى مدينة الملاهي وحدائق الحيوان. يكبر العمر، وكلما امتدت الرحلة وتوالت الأيام، ازداد وزن الحقيبة وتباطأت الخطوات وانحنى الظهر. عندما أرى رجلاً عجوزًا يسير مثقل الخطى، أشاهد فوق أكتافه حقيبة ضخمة غير مرئية تمتلئ بتفاصيل ولادته، وذكريات الطفولة، ومناوشات المراهقة، وسنوات النضج، ومعارك الزواج وتربية الأبناء ومسؤوليات الحياة. عندما يمتد بنا الزمن تكبر الحقيبة كأنها شجرة كبيرة أو كأنها رؤوس جبال فوق ظهورنا، فنسقط مستسلمين للنهاية الحتمية وهي الموت.

أحيانًا أتخيل مشاعر الحب والسعادة وقد تحولت إلى طاقة مضيئة تنبعث من الجسد. آلاف الناس يسيرون في الشوارع والطرقات تنبعث منهم إضاءات بدرجات مختلفة. يحاول بعض الناس ما استطاعوا إخفاء هذا الضوء المنبعث الذي يكشف مكنون قلوبهم. ينظر الأب في ريبة إلى ابنه المراهق بعد أن ينبعث من وجهه ضوء لم يكن موجودًا في اليوم السابق، فيعلم أنه بدأ علاقة حب جديدة مع جارته التي يطيل النظر إليها من النافذة. وتلك فتاة تركب المترو فتلاحظ شابًا في عمرها، فينبعث فجأة نور من القلب وتبدأ الإضاءة في الازدياد؛ فيعرفان أنهما على وفاق، وأن شيئًا ما قد وصل بينهما. سيكون هناك بالتأكيد زاوية في كل مقهى وكل شارع لأولئك الذين لا ينزل الحبُّ ضيفًا على قلوبهم، يبدو كل واحد منهم كأشجار الشتاء عاريًا، لأنهم لم يجربوا تلك الإضاءة المنبعثة من القلب. هكذا يجلسون في ظلام مشاعرهم الباردة. سوف تقاس نسبة السعادة بارتفاع نسبة إضاءة الأجساد في الظلام الدامس. سوف تكون هناك مستشفيات وأطباء لعلاج حالات تأخُّر النور المنبعث من القلب. سوف تتسابق شركات التجميل على بيع مساحيق الوجه واليدين لأولئك الذين يفتقدون انبعاث أنوار الحب. كما ستعلن شركات بيع الملابس عن أقمشة وأزياء يمكنها امتصاص النور وعدم خروجه من الجسد. سوف تعلن إذاعات شرق أوسطية عربية أن بلادنا غارقة في النور والسعادة حتى أذنيها، وأن ذلك الظلام الدامس الذي يغطيها في المساء، والأنين المتواصل من شرفات منازلها، بالتأكيد مؤامرة لقلب أنظمة الحكم. أكاد ألمح سيدة في الثمانين يعلو وجهها نور أبيض وينبعث من جسدها وهج يضيء منزلها، فيعرف جيرانها أنها عائدة لتوها من زيارة المقابر حيث يرقد هناك ابنها الوحيد بعد أن سقط شهيدًا في إحدى التظاهرات مطالبًا بالحرية له ولأبناء وطنه.

أحيانًا أتخيل البشرية وقد تمكَّنتْ في المستقبل من إعادة التقاط أصوات الذي ماتوا وإعادة استحضار مشاعرهم وتعبيرات وجوههم في صور وفيديوهات بعد أن تحوَّلت أصواتهم الحقيقية إلى صور أخرى من الطاقة. سوف تتمكن شركات التقنية من بيع آلاف بل ملايين الأجهزة التي سوف تتبارى فيما بينها في تنقية أصوات الراحلين والتقاط تعبيرات وجوههم أثناء الكلام. سوف تجلس بعض الفتيات حزانى بعد أن يستمعن إلى صوت حبيب راحل لم يستطعن الحياة معه بسبب موته المفاجئ أو سفره إلى مكان بعيد. سوف تحارب حكومات شرق أوسطية تلك الشركات التي تبث كلمات وصور شهداء الحرية في بلادنا، سوف تُعْلِن في الإذاعات ومحطات التلفزة أن تلك الصور والفيديوهات مفبركة بالكامل، وسوف تُخْرِج لنا أجهزة الأمن فيديوهات جديدة للشهداء يعلنون فيها مبايعتهم للزعيم الخالد واستعدادهم لتفديته بأرواحهم.

أحيانًا أتخيل لون دماء الإنسان عند ولادته زرقاء، ثم تتحوَّلُ إلى اللون الأحمر بمجرد أن يقترف مزيدًا من الأخطاء والخطايا في حياته. يولد الإنسان بريئًا ينساب منه دمٌ أزرق اللون نقيٌّ عند أول جرح يصيبه وهو صغير، حتى إذا كبر الإنسان وكبرت معه أخطاؤه، تتحول الدماء تدريجيًّا إلى اللون الأحمر. كل شخص يريد أن يعرف مدى صلته بالخير والشر ما عليه سوى قياس نسبة الزرقة في دمه. كلما كثرت أكاذيب الإنسان تحوَّلت دماؤه إلى اللون الأحمر. سوف تنشأ شركات أدوية لإنتاج مادة زرقاء يضخُّها الناس في دمائهم حتى تحجب لونها الحقيقي. سوف يقف الناس في الشوارع يُقْسِمُون بدمائهم الزرقاء ويتحدثون عن نقاء سريرتهم، بالتأكيد سوف تنكشف خدعتهم بمجرد أن يتعرضوا لجرح بسيط وتسيل دماؤهم حمراء. سوف تتعرف أجهزة الأمن بسهولة على الخارجين على القانون بمجرد تحليل بسيط لدمائهم. كل شاب يذهب لخطبة فتاة سوف يأخذ معه تقريرا طبيًّا لقياس نسبة البراءة في دمه، ثم تكتشف العائلة بعد طلاق ابنتهم أنه أحضر تقريرًا مزوَّرًا من دم أحد أصدقائه الساذجين.

أحيانًا أتخيل أن للأعمال الصالحة روائح طيبة، كما أن للمعاصي والآثام روائحَ نفَّاذَة تنبعث من كل إنسان. يولد الإنسانُ بريئًا له رائحة عطرة كأنه كومة من الياسمين وزهور الجاردينيا والزنابق. تنبعث هذه الروائح كلما كان الإنسان بريئًا ونقيًّا. أو تختفي هذه الروائح مع الوقت كلما أمعن الإنسان في اقتراف الآثام والاستمتاع بها. سوف ينفق كثيرون منا أموالهم على شراء العطور التي تخفي رائحتهم النفَّاذة. سوف يختبئ كثير من الناس في بيوتهم حتى لا يتعرف الناس على حقيقتهم. سوف تُخْلِي أجهزة الأمن مناطق واسعة حول مقرات الزعيم الخالد حتى لا يكتشف الناس الروائح البشعة التي تنبعث من موكبه. يخرج المذيعون في برامج المساء يقسمون بأغلظ الأيمان بأن هذه الروائح النتنة التي انبعثت من موكب الزعيم أثناء الاجتماع الأخير للحزب ليست إلا مؤامرة كونية للتغطية على العطور المنبعثة من ملابس فخامته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد