يقول والقول يعود لفاعل مجهول، كاتب متغطرس يتملكه الغرور، هذا وهو مغمور، فما بالك لو كان مشهورًا لا يشبهنا بصفة ولا تجمعنا به مصلحة، وجدت قصاصة له مقطوعة من كتاب آلامه مبتورة، فوددت أن أنقلها لكم عسى أن تنال رضاكم.

ليست فكرة سديدة أبدًا مجرد التفكير في حالة القلم بين أصابعي فهو يدعو للشفقة، حيث ينشف حبره بأسرع مما توقعه مصنعيه أنا آسف فعلًا عليه، وفي هذا المقام وتقديمي لهذا المقال ما هو إلا اعتذارًا ضمنيًا واعترافًا خطيًا على ما بدر مني، حيال كل قلم استغللته لخدمتي، ليكون حلقة الوصل بين فكرتي وكتابتي.

ومهما قدمت من اعتذارات له لن توفيه أو تكفيه، أن كان يعتبر تعاملي معه نوعًا من أنواع العبودية الحديثة، وتحت وطأة السخرة في العمل، حيث أخذت على عاتقي إنهاك الأقلام وتعاملها تعامل الإقطاعي للعمال، ليس من الجدير بي أن أدرج هذا الحديث واتهام نفسي واعترافي بإجحافي، ومدى الظلم الذي وقع عليها مني، ولكن ضميري بدأ يؤنبني.

آسف لكل قلم تقطعت به السبل، ولم يعد يستطع أن يجاريني، فأشعلت به النار مع سبق الإصرار بولاعتي والتي هي أداة جريمتي وكويته ليستمر بالكتابة، إني أدرك تمام الإدراك أن هذه الجريمة تعاقب عليها كل القوانين الوضعية، ولا تقرها الأعراف الإنسانية، ولا تحلها الشرائع السماوية، لو كان هذا العمل الشنيع الذي أقدمت عليه واقترفته بيدي أحدثته لغيره، لاعتبر من الأفعال السادية والتي تندرج تحت مسمى الأمراض النفسية، ولكني هنا أحظى بالحصانة السيادية عليه لأفعل ما أريده فيه.

ولمعرفتي المسبقة أنه بعد فعلتي تلك معه ورميه في سلة المهملات سوف أنجو بفعلتي، ولن يخرج أحد ليشكوني وفي المحاكم يقاضيني، وأمام الملأ يفضحني ويعريني ويقول انظروا إلى هذا المعتوه ماذا فعل في، ولأني أيضًا واثق تمام الثقة أنه لن يبحث عنه أقربائه أو أحد أصدقائه، ويقولون لدينا قلم مفقود اختطفه أحد زبانية الكلمة، وأصبح عنده أسيرًا منذ عدة أيام وأسابيع لا نعرف ماذا حل به، لقد بحثنا عليه في جميع المكتبات وأماكن تجمع الأقلام في المقلمات ولم نجد له أثرًا، لقد غيب وصودرت كل حقوقه، وأرغم على كتابة ما لا يود أن يقوله، ولم يكن في يوم يدور في خلده، ولم تكن هذه ميوله، ولذلك استمرأت تعذيبه وأخذت بتحريقه دون أن تطرف لي عين، وكأنني بفعلي هذا أقتص لرفقاء المهنة وزملاء الحرفة، والذين هم بلا شك أكثر مني جرأة، وأنتقم من أداة الجريمة قائلًا لنفسي: 

إن كانت الأقلام خطيرة كما يرون فلماذا لا يتم أخذها كأحراز وتقديمها للنيابة كأداة للجريمة؟ لماذا لا يجرمون اقتناءها كالسلاح أو تعاطيها كالمخدرات؟ أو على أقل تقدير يكتبون عليها تنبيهًا بطرق استعمالها السديدة، وتحذيرًا من التعامل معها بطرق غير سليمة، لماذا يرمى الكتاب في غياهب السجون ويحاكمون على ما يكتبون، وأداة الجريمة والتي تعتبر من محرضات الكتابة ولولاها لم يقدم الكاتب على هذا الفعل طليقة! لماذا يعاقب الفاعل وأداة الجريمة بريئة؟

ولذلك استمررت في غيي ومارست انحرافي الكتابي بها لا احترافي لها، إلى أن يأتى يوم لابن لأحد الأقلام فينتقم لأبيه، اندس بين مجموعة أقلامي فكتبت به فكانت كتابته رشيقة جميلة، وفي لحظة وأنا منهمك في ممارسة فعلي الشنيع فيه، فإذ به ودون سابق إنذار ينفجر، ولم ينتظر مصير أبيه، فتناثر ما فيه من حبر على الورق فضاعت الكتابة وحلت فظاعة، وبعد أن جف الحبر وعاينت مسرح الجريمة، وجدت بها كتابة لا تكاد تقرأ دون نظارة قراءة تتضمن رسالة تقول: عذبت الآباء وقتلتهم ويتمت صغارهم، ولم ترحم دموع أمهاتهم الثكالى، ولا زوجاتهم الحيارى، فذق فعل أبنائهم الغيارى.

هنا فقط أدركت أن استبدادي الكتابي كان السبب الرئيس أن يتخذ هذا القليم طريق الإرهاب الحبري لينفجر في يدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد