كيف تخدم منظومة التعليم العربية الإرهاب؟

من أكبر المصائب في المجتمعات العربية عمومًا غياب العلم ورداءة التعليم؛ وغياب العلم يؤثر في مسارين مترابطين، الأول غياب البحث، والتطوير العلمي الذي ينعكس بشكل مباشر على المسارات الصناعية، والزراعية، والتجارية، والتنموية مجتمعة؛ الأمر الذي يقلل من فرص العمل بشكل رهيب ومتزايد؛ ليتحول جيش كبير من خريجي الجامعات الشباب إلى عاطلين عن العمل، ومحبطين؛ ويصبحون فريسة سهلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت متنفسهم الأخير إلى كل أشكال الاستقطاب للمنظمات المتطرفة، العاملة في أكثر من بقعة في البلاد العربية، وعلى المسار الآخر؛ فإن غياب العلم، ورداءة التعليم وتدنيه؛ يخلق جيلًا، أو أجيالًا متأثرة مسلكيًا بهذه الرداءة، وهذا التدني؛ يتحول الفرد إلى كائن وحشي، وعصبي، ومتوتر بلا سبب ولأي سبب.

 ولا يفهم أحد من حديثي أن تلاصق غياب العلم مع المجتمعات هو مسئولية هذه المجتمعات، بشكلها الإنساني الاجتماعي أو الفردي، بقدر ما هو خلل في منظومات الحكم السائدة، التي تعادي العلم وتستعديه؛ لأنه لا يلبي شهوة التسلط المريضة، وأنانية النفوذ؛ التي تستفحل في نفوسهم، والرغبة الجامحة بالإذلال؛ لأنهم لا وسيلة لديهم لتجعلهم يشعرون بالتميّز، سوى إذلال شعوبهم؛ فالعلم يعني تقدمًا، وتطورًا، وازدهارًا، ورقيًا فكريًا، واقتصاديًا؛ ينتج عنه منظومة حكم قائمة على الشفافية والنزاهة، الأمر الذي سيطيح بهذه المنظومات البالية حاليًا؛ لأنها نفسها تعتقد أنها غير قابلة للإصلاح، لأن الإصلاح في أحسن أحواله بالنسبة لهم، أن يلتزموا بيوتهم بمرتبات تحفظ كرامتهم وعيشهم من غير ترفٍ أو تسلطٍ أو نفوذٍ.

 هذا في حال مرحلة انتقالية متسامحة، كما حصل في جنوب إفريقيا أو رواندا مثلًا، مع فارق التشبيه أن جنوب إفريقيا مارست الإرهاب والفساد على أساس عرقي عنصري، وكانت سياسة ممنهجة، أما في رواندا فتم تطهير عرقي وإبادات جماعية، علمًا أن نهج الفساد والإفساد الذي تنتهجه الأنظمة العربية المستبدة باعتباره نظام حكم، ليس أقل سوءًا من الأنظمة التي مارست الإبادة الممنهجة، والقتل السريع لمواطنيها، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار التاريخ الحافل للأنظمة العربية، بتصفية خصومها ومعارضيها جسديًا؛ إما قتلًا بالرصاص، أو موتًا تحت التعذيب، أو القتل البطيء الذي تمارسه على شعوبها عبر إفقارها وإذلالها.

 ولو صرفت هذه الأنظمة جزءًا يسيرًا من موازنتها التسليحية العسكرية، والاحتياجات الأمنية المخصصة لقمع الشعوب، والتنكيل بها للبحث العلمي؛ فإن ذلك كفيل بصعود العلم والتعليم في هذه المجتمعات، حيث إن العلم في هذه الأنظمة الاستبدادية تحول إلى سلع جاهزة تُباع وتُشترى، ولا ينظر إلى الطالب الجامعي في هذه البلدان سوى أنه سلعة ربحية، منذ دخوله الجامعة حتى تخرجه فيها، ويمكن لمس ذلك من خلال التصنيفات العالمية للجامعات؛ التي لا ذكر للجامعات العربية فيها أصلًا، لا في المقدمة، ولا حتى في الذيل. في المقابل تتربع الجامعات الإسرائيلية بمراتب رفيعة في هذه التصنيفات، ولا بد من الإشارة إلى تصريح وزير كوري جنوبي، في معرض حديثه عن أحداث الشرق الأوسط، لم أستطع من التأكد من مدى صحته ومصداقيته، لكن بمعزل عن ذلك ما يهمنا هو القول وليس قائله، أو أنه قاله أم لا، وهو كالآتي: «أهملَ الشرق الأوسط التعليم لعقود طويلة، وها هو يدفع الثمن».

كيف تؤثر جودة التعليم على الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلدان العربية؟ «الأردن نموذجًا»

أذكر من فترة أن قريبًا لي قادم من الأردن، رأيته صدفة في مناسبة اجتماعية، وتبادلنا الحديث معًا، كانت فترة نتائج امتحانات الثانوية العامة «التوجيهي» في الأراضي الفلسطينية، تحدثنا عن الامتحانات، ومواضيع أخرى لها علاقة بالعلم والتعليم، والبطالة، وحاجة السوق، وحيثيات على علاقة بالتعليم، من جملة ما تحدثنا فيه أيضًا كانت نسبة النجاح في الأردن، والأراضي الفلسطينية؛ حيث إن نسبة النجاح سنويًا أعلى في الأراضي الفلسطينية من نظيرتها الأردن، حدثني هذا الضيف عن مدى صعوبة المواد التعليمية، والمساقات، والمناهج التعليمية في المدارس الأردنية، بحيث لا تصل نسبة النجاح نسبة الـ50%، وغالبًا من 47% إلى 49%، في حين أنها تصل من 60% إلى 70% في الأراضي الفلسطينية، وتتجاوز هذه النسبة أحيانًا الـ70%، خصوصًا في الحقل العلمي.

 حاول الضيف إقناعي أن ذلك مؤشر على جودة التعليم الأعلى؛ حيث يفهم الضيف أن صعوبة النجاح تعني أن نوعية التعليم عالية المستوى، بحيث يصعب على الطلاب النجاح، وكأن التوجيهي يوم القيامة، أو أن غاية العلم هو العلم فقط، أو تحويله إلى طلاسم ثيولوجية، أو تعويذات سحرية، لا يفهمها إلا قليلون، ولا ينبغي أن يفهمها أحد غير المترهبنين، والمعتكفين، والسحرة؛ تعتمد الكثير من المناهج التعليمية في العالم العربي أساسًا على الحفظ والتلقين، مع قليل من الفهم الذي لا ضرورة له، في حال كان الطالب يمتلك قدرة الحفظ، أو «البصم» باللغة العامية الفلسطينية، في حين أن التعليم اليوم بات أكثر تفاعلية؛ بحيث كل طالب هو أستاذ في نفس الوقت، وكل أستاذ هو طالب في نفس الوقت، ليس هدف العلم التعقيد، بل وجد خدمة للإنسانية، وإلا فما جدواه؟

وهذا يوصلنا إلى الجدوى العلمية في العالم العربي، وفق المفهوم العملي للطالب العربي، الذي لا يرى في التعليم سوى وسيلة مستقبلية تطعمه خبزًا، ولا خلاف أن العيش الكريم حق لكل إنسان، كفلته كافة التشريعات السماوية والأرضية، لكن السؤال هل هذه غاية العلم؟ لا أظن ذلك، في حين ينظر قسم آخر إلى التعليم أو الشهادة العلمية بوصفها متطلبًا اجتماعيًا «بريستيج»؛ للقول إن هذا متعلم، أو هذه متعلمة، وقد تحصل على وظيفة تساعدها بفرصة زواج أفضل،أو تسرع من ذلك على الأقل؛ لأنه يتم تداول نكتة في الشارعين الأردني والفلسطيني؛ فحواها أن «شباب العالم يبحثون عن عرائس بمواصفات شقراء، أو سمراء، أو طويلة، أو قصيرة، لكن عندنا المهم أن تكون موظفة، ولها راتب آخر الشهر، حتى لو كانت من ذوي الاحتياجات الخاصة».

 قادني حديث القريب الضيف إلى تساؤل مهم في ذهني أثناء نقاشي معه، أين يذهب هؤلاء الـ50% الباقين، الذين لم يحالفهم الحظ؟ في مجتمع لا يرحم وينظر بشماتة أحيانًا، وبشفقة أحيانًا أخرى، إلى الشاب الذي لا يتجاوز هذه المرحلة بنجاح، فخطر في بالي عدد الأردنيين الذين حاربوا، ويحاربون مع داعش؛ في سوريا، والعراق الذين تقول تقارير أردنية، وغير أردنية إنهم بالآلاف، هل قامت الحكومة الأردنية، أو أي جهة أردنية ببحث هذا الموضوع، ومدى تأثيره على الأمن السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي على المملكة؟ وقارنت ذلك مع نسبة الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية الذين يحاربون مع داعش وغيرها؟، طبعا قد يقول قائل كم عدد الشهداء الفلسطينيين، الذين استشهدوا أثناء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؟؛ فأقول إن هذا الأمر يختلف كليًا وجذريًا، ولا علاقة له بظاهرة داعش في الدول العربية؛ فالدراسات والتقارير من داخل الأراضي الفلسطينية، ومن أعرفهم أنا شخصيًا؛ أن كمًا كبيرًا من الأسرى، والشهداء، والجرحى الذين قاوموا الاحتلال متعلمون، وخريجو تخصصات مرموقة، وطلبة جامعيون، وبعضهم من أسر غنية جدًا، أو ميسورة الحال؛ فالمقاومة حسب معرفتي في مدينة الخليل، ونابلس خصوصًا من نشطاء حركة حماس على سبيل المثال لا الحصر، خاضها شبان من عائلات ميسورة جدًا.

السؤال الأبرز: مَنْ المسئول عن التردي التعليمي في العالم العربي؟

لوحظ في الجامعات العربية إشكاليات كثيرة تواجه الطالب الذي ينهي مرحلة الثانوية العامة، مختصرها الخطأ الكبير في التأسيس؛ مثلًا مستوى الطلاب في اللغة الإنجليزية ضعيف جدًا، وهي لغة العصر، وهكذا في الرياضيات، وفي كتابة الأبحاث، وإن كتبوها؛ فلا يجيدون كيفية صياغتها، وتوثيقها، وإجادتها بشكل مهني وحرفي وجميل، بالإضافة إلى نقطة جوهرية وهي الأمانة العلمية؛ فالسرقات العلمية، وسرقة تعب وجهد الآخر الفكري في الوطن العربي، منتشرة وبلا حسيب، أو رقيب؛ وهذا مؤشر إلى خللين خطيرين؛ أولًا: غياب الأمانة والصدق، أي خلل أخلاقي، ثانيًا: غياب القوانين الناظمة والضابطة لهذه المسائل، التي باتت تشكل حيزًا واسعًا من القوانين العصرية، ومجالًا واسعًا للفقهاء والقانونيين، والأبحاث القانونية؛ أي أن هناك خلل قانوني أيضًا.

 وباتت تنتشر في الجامعات العربية ظاهرة شراء الأبحاث الجاهزة، حدثني أحد البروفسورات في أحد الجامعات الفلسطينية، وهو يناقش أحد الطلاب الخريجين في مشروع تخرجه؛ أنه قال لأحد الطلاب وباللغة العامية «اشتريت البحث لكن على الأقل اقرأه جيدًا»، لكن أين الخلل، في المدرس، أم في الطالب نفسه، أم في النظام، أم في المناهج، أم في البيئات الاجتماعية لكل من الطالب والمدرس؟ قد تكون هذه الأسباب مجتمعة مسببات، بالإضافة إلى أمور قد لا أعرفها أو لم أتطرق لها. يُنشر على صفحات التواصل الاجتماعي صورة للمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» لم أستطع التأكد من مدى مصداقية فحواها «إن سر نجاح التعليم في ألمانيا؛ أن راتب المدرس أعلى من راتب القاضي». فيما ينشر صور ودراسات كثيرة عن مدى تطور العملية التعليمية في اليابان، حيث إن ما يجمع بين ألمانيا واليابان الكثير؛ فالبلدان هُزما هزيمة نكراء في الحرب العالمية الثانية، لا زالت تبعاتها تلقي بظلالها على هذين البلدين اللذين أُثقلا باتفاقيات عسكرية، وأمنية مذلة، ولا زالت القواعد الأمريكية منتشرة في هذين البلدين، لكنهما شيئًا فشيئًا تحولا إلى ملوك الصناعة على مستوى العالم، وتحولا لقوتين اقتصاديتين تتفوق على من هزمهما؛ وكلمة السر في هذا النجاح مكونة من كلمتين فقط هما: «التعليم الجيد».

 والتعليم الجيد يتطلب معلمين جيدين، حيث من الواضح أن المعلمين الجيدين تلقوا بالأساس تعليمًا جيدًا، وإعدادًا جيدًا، تمامًا كالطفل الذي لا يمكن تحسين تربيته، قبل أن تكون أمه قد خضعت لتربية حسنة مسبقًا، لكن ذلك لا يكفي أيضًا؛ علينا أن ندرك في العالم العربي أن كرامة المعلم من كرامة العلم، كفى بقاء مهنة التعليم مهنة محتقرة، والمهنة الأقل أجرًا، كيف لمعلم لا يستطيع إعالة أسرته أن يعلم الطلاب؟، كيف لمعلم أن يقدم وهو مثقل بالهموم والديون قبل أن يبدأ الشهر؟ وهنا نصل لحقيقة عامة مفادها أن من لا ينفع نفسه لا يمكن أن ينفع غيره، المعلم ذو الراتب المتدني يجد أنه لا يفيد نفسه، فكيف سيفيد غيره؟ في بلدان تعتبر أدنى الحقوق الطبيعية للبشر أمنيات، بالإضافة إلى أن المنظومة التعليمية في العالم العربي بمعزل عن الجوهر العلمي، فهي مضروبة في جوهرها، وهيكلها، وشكلها الإداري، وهذا ليس منفصلًا عن حجم الفساد المستشري في المؤسسات العربية، يُشار هنا وهناك في بلدان عربية فقيرة إلى شراء شهادات جاهزة، خصوصًا من أبناء أغنياء الخليج العربي، هناك أحاديث عن رشاوى المشرفين الأكاديميين الذين يحملون شهادات عليا من الطلاب؛ لتجاوز هذه المادة، أو تلك؛ للوصول لمتطلبات البكالوريوس، أو الماجستير، أو الدكتوراه. تخيلوا إنسانًا يحصل على شهادة دكتوراه بالغش والرشوة! وسيصبح لاحقًا مشرفًا أكاديميًا على طلاب سيحصلون على هذه الشهادات من أيديهم.

هل الأكاديميون في العالم العربي قدوة لطلابهم؟

المصائب في الحقل الأكاديمي العربي لا تقف عند هذا الحد، من المفارقات المحزنة أن الأكاديمي خصوصًا في الحقل الإنساني؛ لم يعد القدوة الحسنة لطلابه، تخيل أن أكاديميا تصرفاته، وسلوكياته مناقضة تمامًا على الواقع، لما يقوم هو بتدريسه، أو تلقينه لطلابه، تخيل أن أكاديميًا يحاضر طلابه عن القيم والأخلاق مثلًا، ويقوم هو بقمعهم فكريًا، أو يوجه لأحد طلابه أو طالباته إهانة قد تسبب جرحًا، أو ألمًا – ربما لن يبرأ منها في وقت قصير -، تخيل أن أكاديميًا يحابي طلابه على أساس سياسي، أو حزبي، أو على أساس الجنس، أو الدين، أو المذهب، تخيل أن أستاذًا جامعيًا يبتز أحد طالباته جنسيًا مقابل رفع علامتها! ولا بد من التأكيد أن الأمر ليس عامًا، ولا يعمم، إنما تسليط الضوء على بعض الإشكاليات التي تكاد قصصها تتكرر، وتتشابه في أغلب جامعات العالم العربي، تفاصيل أخرى يعيشها بعض الطلبة في علاقاتهم مع أساتذتهم، لا يمكن وصفها سوى بالإرهاب التعليمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد