لا ريب أن الإرهاب والتطرف ظاهرة موجودة ومنتشرة لا سيما في أوساط العالم العربي النامي! ولا ريب أنه عنف مسلح يستهدف الإنسانية ويهدد البشرية، لكنه لا دين ولا شريعة ولا مبرر له، مهما كانت تبريرات المدافعين عنه والداعين باسمه، إذ لا شيء يبرر القتل وإن كان لمخالف في الرأي، قال تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليه والله يحب المقسطين»، وصوت الحياة والحرية يعلو دائمًا على صوت المشانق والتفجيرات وإن كان النداء «الله أكبر».

لكن ولا سيما بعد أحداث 11 من سبتمبر، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على «الإرهاب»،واستثمرت الأموال في صناعة الأفلام المتحيزة لغسل أدمغة المشاهد، فبات الإرهاب صناعة عالمية تديرها قوى لامرئية، وتنفذها «ذئاب منفردة» أو «جماعات مرتزقة»، في إطار «لعبة» دولية تفيد منها إمبراطوريات السلاح وأباطرة العالم لتحقيق الأهداف السياسية وبسط السيطرة وتوسيع دائرة النفوذ في الساحة الدولية وشرعنة الجرائم اللاإنسانية واستباحت البلدان، وتستفيد منها –بالقدر نفسه- الأنظمة الاستبدادية لتجديد سلطويتها عبر إعلان «حالة الطوارئ» وانتهاج القمع تحت يافطة «الحرب على الإرهاب»، وغدا الإرهاب كما الزندقة تهمة لا تحتاج لدليل ولا برهان إذ لا حاجة للمدعي لبينة تثبت ادعاءه والمتهم مذنب وإن ثبتت براءته!

ومع اندلاع الثورات العربية بعد أن حين ضاق الوطن بساكنيه، فكان لا بد من الهجرة، فكانت الجزائر النار التي اقتبس منها العالم العربي نوره وأشعل بها ثوراته، انتفض العالم العربي كله –إذ لا شيء ينتشر أسرع من الثورة- يهتف كرجل واحد بكل اللهجات مطالبا «بإسقاط النظام» صارخا بالحرية، رافعا شعار السلمية، كانت الثورات حركة شعوب من أجل الكرامة ضد المهانة، ومن أجل الحرية ضد العبودية، لقد سحرت الثورات العربية، بسلميتها وعفويتها وألوانها، العالم أجمع.

لكن وكما يقال «للأنظمة حساباتها»، لم يكن فراعنة الدول العربية المتربعون على عرش السلطة ليرضوا بالتنحي لشرذمة قليلة تسعى لتحرير الجموع، بل استغلت عفوية الثورة وفورتها وافتقارها للتخطيط والرؤية من جهة وخوف المتشككين من الفوضى من جهة أخرى لإعدام الثورة، وقتل حلم الشباب بالوطن، لقد قام النظام المقاوم بتخوين شعبه كافة واتهم الثوار بالإرهاب فوطن «حالة الطوارئ» في البلاد بحجة الحفاظ على الأمن ومكافحة خطر الإرهاب ذلك الشبح الذي يظهر في أي مكان يبتغيه النظام، وبذلك استطاع أن يجد الغطاء السياسي والدولي لممارساته في قمع الثورات واستباحة الدماء الزكية، وانتهاك الحرمات وتنجيس المقدسات، فأصبح «الإرهاب» ستارا تستخدمه الأنظمة لتبرير جرائمها وإخفاء تعدياتها على آدمية المجتمع، وأصبح حجة سفاح السلطة لتبرير أفعاله اللاإنسانية! وتحت هذا العنوان تجاوز المجتمع الدولي عن إرهاب الأنظمة ضد شعوبها الثائرة، بل اكتسبت معارك النظام قدسية وبطولة فقد بات جنديا في حرب تسعى لإحلال السلام وإن كانت على جثث الأبرياء، وتغاضت لجان حقوق الإنسان عن الانتهاكات التي تمارس والموثقة بالصوت والصورة ضد شعب ما نقموا منه إلا أن آمن بحقه بعيش كريم في ظل قانون عادل حيث الأحلام تتعدى سقف الحقوق، هذه الدلائل على إرهاب الأنظمة المناهضة «للإرهاب»، والتي فاقت إرهاب «الجماعات التكفيرية» التي تتخذها الأنظمة ذريعة للبطش والقمع! وحرب الإبادة هذه والأعمال الطفيلية لم تشعل غيرة «الغرب الإنساني»، بل قابلها صمت عالمي مطبق، إذ صم دعاة الإنسانية والمنادون بالديمقراطية آذانهم عن صرخات استغاثة الشعوب من القصف والجور، وأعمت أبصارها عن مشاهد التدمير وصور الشهداء واكتفت في أفضل حالاتها بالتنظير والشعارات دون إجراءات فاعلة! فتحول الحلم العربي بعد إعادة اختراع الإرهاب إلى كابوس دموي روع الأمن والسكينة وسرق الطمأنينة! ووقع الشعب الثائر الحر ضحية إرهاب معترف به دوليا!

ومع تكالب الأمم وتواطؤ دعاة الإنسانية مع مجرمي الحرب، سقطت الثورة شهيدة مظلومة، والأرواح الثائرة لم تجد ملجأ سوى السماء وقصور الأحلام صارت ركاما، لقد وقعت الشعوب تحت نيران إرهاب رسمي تمارسه الحكومة لإحكام قبضتها على المواطنين وإجهاض الثورة المهددة لزوالها، إرهاب جرد الإنسان من آدميته وحولته إلى حيوان مفترس يبرر القتل بحجة تحرير الأوطان والمحافظة على السلام!

لقد بات الإرهاب فزاعة الأنظمة المتعطشة للسيطرة والنفوذ، واستطاعت الأنظمة العربية مستثمرة في حربها ضد الإرهاب أن تجهض الثورات، وأن تشرعن التعديات الجنائية والأخلاقية والإنسانية، إذ لم يعد الثائر إنسانا بل غدا إرهابيا متعطشا للدماء، وبات قتله بطولة وضرورة تصب في المصلحة العليا للبلاد، وباتت الجرائم دفاعا عن النفس والوطن!

لكن شعوب العالم العربي لم تزل تبهر المجتمع الدولي بثباتها وعزمها على كسر الطواغيت وتحرير الأوطان، لم تزل الشعوب مؤمنة بقدرتها على التغيير وهي وبالرغم من كل المآسي والمحن لم تتخذ من الاستسلام خيارا ولن، وعلى الأنظمة أن تدرك أن الربيع العربي لا يموت، سيتجدد ويزهر في كل مرة ما دامت مطالب الشعوب لم تتحقق ذلك أن الثورة شرف وحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد