الإرهاب الذي يضرب العالم اليوم من شرقه إلى غربه، ومن شماله حتى جنوبه، تم ويتم صناعته بعدة وسائل وبطرق مختلفة، وبمراحل متسلسلة عبر سنوات وعقود من الزمن، مستقي فكره من ثقافة تكفيرية ضاربة جذورها بأعماق التاريخ والتراث الإسلامي المفترى عليهما، أكان ذلك بطرق مباشرة أم غير مباشرة كحصيلة تراكمية من التشوهات التي علقت بجسد الدين الإسلامي منذ نهاية الغزو المغولي لبغداد وما بعده، حين اختلط حابل الدين بنابل السياسة، وجعل الحكام منذ تلك الفترة وحتى اليوم الدين في خدمة السياسة عبر أداة الإسلام السياسي وعلماء بلاط السلطان ونتاجهم الفكري التدميري، من فتاوى وخُطب وكتب ملغمة بعبارات التكفير ومفردات التفسيق، وإشاعة روح إذلال العامة من الناس بسوط طاعة ولي الأمر حتى وأن بلغ ظلمه وجوره وزن الجبال الرواسي؛ فقد جعل هؤلاء هذا الدين سوط يلهب ظهور المنتمين له، قبل أعدائهم، وأنبتوا له أنيابًا ومخالب يكشر بها بوجوه خصومهم السياسيين، تطور هذا النهج المتوحش حتى صار اليوم ما نراه من قناعة لدى كثير من المسلمين، ناهيك عن أعداء الإسلام بـ«أن هذا الدين قد أصبح عبارة عن عقل مفخخ وحزام ناسف بوجه الخصوم السياسيين والمناهضين» في أكبر عملية تشويه وتعدّي يتعرض له هذا الدين السمح، حين عمد ويعمد حكام الأمس واليوم إلى تصوير الاختلاف السياسي معهم بأنه اختلافـًا مع الله، ومناهضة سياستهم ومنافستهم على كرسي الحكم بأنه استهداف للإسلام وللكتاب والسُـنـّة!

وبالتالي فلتفكيك مفاصل هذا الإرهاب وإخباء فتيلته المشتعلة لا بد من اتخاذ منظومة متكاملة من الإجراءات والخطوات المتلازمة؛ فلا يكفي أسلوب الحل الأمني الذي تتبعه معظم الأنظمة العربية والإقليمية في معركة مجابهته وكبح جماحه وهزيمته، أو على الأقل شل فعاليته وتخفيف وطأته على الجميع، لا يكفي وحده لتحقيق الغرض المنشود بغنى عن باقي الوسائل الإجرائية الأخرى.

فالإرهاب صناعة فكرية متماسكة الأوصال يشد بعضه بعضًا، يحتاج النصر عليه إلى وسائل وطرق عديدة في إطار حزمة شاملة من الإجراءات المتسقة الجادة، فقد استغرقت عملية إنتاج هذه الآفة بالتاريخ المعاصر سنوات وعقودًا من الزمن شاركت فيها أنظمة عربية وإقليمية ودولية وأجهزة استخبارات عالمية ومؤسسات دينية رسمية ومستقلة، منذ مطلع عقد الثمانيات من القرن الفارط، كانت جبال تورا بورا بأفغانستان مكانـًا لمخاض هذا المولود المتكون في الرحم الخليجي الأمريكي ومولده، كوليد شرعي لمثلث، أضلاعه: «مال خليجي – سلاح أمريكي- مورد بشري عربي وإقليمي».

فجسد الأمة الإسلامية اليوم يتورم ويستبد به منذ عقود مرض خطير اسمه «الإرهاب» لا يستهدف فقط هذه الأمة وينال من وجودها وعقيدتها، بل يستهدف الإنسانية جمعاء، ازدادت أعراضه وآلامه شدة وضرًا في السنوات الأخيرة، ولعلاج هذه الأمة من هذا الداء الفتاك لا بد من تشخيص المرض تشخيصًا سليمًا كمدخل منطقي طبي للعلاج، بعيدًا عن الاكتفاء بعلاج وتسكين أعراضه دون أسبابه، تتبعها مرحلة علاج مكثفة تتم بأدوات معقمة نظيفة وبأياد أطباء مهرة، لا بأيادٍ وأدوات ملوثة كانت سببًا لوجود هذا المرض وعاملًا مساهمًا في تفشيه.

فهذا الداء المسمى إرهابا يتكئ على عدة قوائم وأعمدة لا بد من تفكيكها بعضها وإعادة النظر بوضع بعضها الآخر من قبل الشعوب والنخب وليس فقط من قبل الأنظمة الحاكمة المتهم معظمها بالإرهاب، ومن هذه الأعمدة التي يستند عليها الإرهاب هي:

1- شيوخ التطرف: ورموز الغلو المنتشرون بكل ركن وزاوية بالعالم الإسلامي والغربي أيضًا، بما لديهم من فلسفة ونتاج تكفيري تحريضي طائفي مذهبي مدمر كالخطب والفتاوى والمحاضرات واللقاءات التلفزيونية ذات النزعة الوهابية المتزمتة، فهؤلاء يشكلون رأس حربة الإرهاب يوجب نزعها، بطرق يعرفها أصحاب الشأن أكثر منّـا.

2- وسائل الإعلام: ومنها القنوات الفضائية والإذاعية المخصصة لبث روح هذا الفكر التدميري المتوحش الباعث لفيروس الطائفية والمذهبية، وطفيل التكفير، والتي أضحت – أي هذه القنوات الفضائية – تتكاثر كالفطر في ظل صمت وتشجيع رسمي من بعض أنظمة المنطقة والوسائل الإعلامية الأخرى، فضلًا عن منابر المساجد والمعاهد الدينية التي يتم ترك الحبل لها على الغارب لتفعل ما تشاء دون رقيب ولا حسيب، فهذه الوسيلة التي لها مفعول السحر بصناعة الإرهاب ووسيلة استدراج خطيرة لعامة الشباب وإنصاف المتعلمين، يجب أن يتم الوقوف أمامها بحزم من الجميع دولًا وأفرادًا ومنظمات وهيئات عربية وإسلامية ودولية باعتبارها واحدة من أخطر الوسائل وأمضى الأسلحة في تكاثر وتنامي الإرهاب وتغوله وتوغله في عقول الناس واختطاف وعيهم، والشباب على وجه الخصوص.

3- المناهج التعليمية: إعادة النظر بالمناهج التعليمة في الدول العربية المتهمة بتشجيع الإرهاب ورعايته وإيقاف إيقاعات فكر التكفير والتشدد وخصي فحوله، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي يزخر بها ملف التراث الإسلامي المفعم بكثير من المفاهيم المتطرفة الكامنة في بطون الكتب التي تحولت إلى ثوابت دينية أي نقد لها يودي بصاحبه إلى المقصلة، فضلًا عن الشروع بعملية إصلاح ديني واسعة النطاق تنقي هذا الدين مما علق به من أدران وشوائب خلال قرون مضت «على غرار حركة البروتستانتية الإصلاحية في التاريخ الدين المسيحي بالقرن السادس عشر على يد مارتن لوثر الذي حاول تخليص الكنيسة من تماهيها مع السياسة وتنصيب نفسها محل الله بمنح صكوك الغفران، وكذا عملية الإصلاح الديني الإسلامي التي قام بها نخبة من رجال الدين المصلحين مثل الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم من ورواد الحركة الفكرية التجديدية الإسلامية ورموز النهضة الإصلاحية للفقه الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتنظفه من الحشو والخزعبلات وثقافة الاستبداد التي تجذرن به التي تتكاثر يومًا بعد يوم كفِطر سام، وتصحح مفاهيم تقادم عليها الدهر وتجاوز ما بها من مغالاة لم يعد هذا الزمن يقبلها ويستسيغها -بعض كتب ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب وسيد قطب «كتاب علامات على الطريق» أمثلة على ذلك-.

4- تحجيم دائرة حركة رموز التكفير وتجفيف منابع تمويلهم المادي والمالي والفكري، والإشراف على الجمعيات المتسترة خلف العمل الخيري التي ترفد نهر الإرهاب بروافد غزيرة من المال والمادة والمتطوعين في مسيرة الموت والهلاك.

5- الخطاب الديني المنفلت من عقاله: ضبط عملية الخطاب الديني المتطرف الذي يطل بقرونه عبر القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية والصحف والمجلات الورقية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي ومنابر المساجد والمدارس الإسلامية، سواء في شرق آسيا أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، وبما في هذه الدول من معاهد وجمعيات مشبوهة، وإن كانت بتراخيص قانونية صارت مكانا آمنًا لتفقيس الإرهاب وتناسله وإعادة تصديره مرة أخرى إلى الوطن الأم «الشرق الأوسط والخليج العربي» بعملية أشبه ما تكون بارتداد الرمح إلى صدر صاحبه، وذلك باتباع إجراء إلزامي لمجابهته يشمل كل الدول المعنية، وبالذات المتهمة صراحة بتمويل الإرهاب وصناعته وبالذات الدول الخليجية والمملكة السعودية في طليعة هذه الدول كدولة يعتقد كثير من المحللين، وحتى الدول الحليفة لها بأنه قد تخلّـقَ في أحشائها هذا المولود المشوه وحبى وتربى في كنفها ولدنها بعمامةٍ أفغانية في زمن الطفولة واليفاعة، وبجلبابٍ يعلو الساق ويداني الركبة في صباه وكهولته.

6- اتباع عقيدة أمنية وعسكرية واستخباراتية واضحة كوسيلة مهمة من وسائل هذه الحرب جنبًا إلى جنب مع باقي الوسائل الأخرى تستهدف محاربة الإرهاب باستهداف مكامنه بطريقة استباقية من منطلق الهجوم قبل الدفاع وتشديد القبضة الأمنية في المناطق والمرافق والمنشآت والمواقع الأكثر المفترض مهاجمتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد