فُطر الإنسان على الإسلام والسلام، فتميل نفسه بطبعها إلى الحلول الهادئة، والحياة المسالمة، ولا يسعه أن يتحول عن ذلك إلا إن أحس بخطر يتهدده، أو باختراق لجدار خصوصياته، حينها فقط وأمام جملة من الوقائع والخلفيات المتراكمة في نفسه، يبدأ في اللجوء إلى أساليب أخرى للتعبير عن نفسه، وإيصال ما يستشعره دون وعي منه، وهو على قناعة تامة بما يفعله.

في مرحلة فكرية ما كنت أستغرب أن يخرج من بيننا كبشر أشخاص دمويين عنيفين يعتبرون الحلول الجذرية التي تقوم على فكرة إخلاء الأرض ممن أفسد في البر والبحر، واعتبرهم خريجي مدارس خاصة وثمرات مؤامرة، ما تعمل على خلق بقع نزاع دائمة لمصالحها الشخصية، لكن شيئًا ما في داخلي لم يكن مقتنعًا تمامًا بتلك الأفكار لم فيها من إقصاء وإلغاء لوجودنا ولمحيطنا، وإخلائنا من أي مسؤولية تذكر.

مؤخرًا وأمام كل هذا التفسخ الأخلاقي الذي نعيشه، بدأت صور جديدة تتشكل أمام ناظري، إن تلك المدارس التي كنت أتخيل وجودها منذ فترة هي في حقيقة الأمر عبارة عن شركة عملاقة تعمل على تصنيع كم هائل من الإرهاب، من الميولات العنفية والتطرف في داخل كل شخص يحمل، ولو القليل من النخوة والمبادئ.

أمام بيئة اجتماعية استهلاكية تعمل بشكل حثيث على تصدير صور معينة من العري والرغبات والشهوات الحيوانية، وتدسها وسط الجرائد وفي الإعلانات وعلى واجهات المحال ومواقع الإنترنت وأرضية خصبة نشأت على الابتلاع دون هضم، وعلى التطبيق دون المراجعة تستقبل كل ذلك بطواعية تامة، وتبعية كلية دون أي احتكام لعرف أو دين أو مبدأ يجد المرء المتحفظ نفسه أمام زوبعة لا يدري أين يفر منها، ولا كيف يوقفها أو يحد من جنونها الذي يأتي على كل شيء، على أخته وابنته وعلى عينه ونفسه التي تحاربه فتستكين تارة، وتعارض أخرى.

يحاول أن يضع أثرًا طيبًا فيعلو صوته ليبدي رأيه، لكن الإقصاء سيكون حتمًا حليفه مهما كانت لهجته رقيقة لطيفة، ويجد أنه أمام خيارين: إما ركوب الموجة وابتلاع ما يراه منافيًا لأصله ومبدأه إلى أن يصبح المستهجن مقبولًا في نفسه، أو محاولة الصمود أمام هذا التيار والعمل على تشكيل شخصية ذات ثقل اجتماعي يستطيع معها أن يطرح وجهة نظره، فتشكل هي الأخرى تيارًا لديه مناصروه ومتبعوه، هو الشيء الذي من شأنه أن يخفف شعور الغربة الذي يتذوق طعمه المر شباب متحفظون آخرون.

لكن الحل الثاني ليس بالحل السهل، ولا هو بالخيار الذي يقفز بتلك المنطقية أمام طبقة اجتماعية كان العنف والقمع والاضطهاد جزءًا لا يتجزأ من حياتها، فيصبح الفرار من كل هذه التناقضات والتيارات ومناهضته بمحاولة إزالته، وإن كان ذلك سيكلفها التخلي عن إنسانيتها، إن ذلك بالنسبة لإنسان يعيش ضغوط نفسية دائمة وإقصاء اجتماعيًّا وشعورًا دائمًا بالغربة والرفض الاجتماعي، أهون بكثير وأرحم لنفسه التي تعبت من محاولة التعبير عن نفسها.

لنجد أخيرًا أننا كمجتمع متفسخ نشكل أكبر شركة لصناعة الإرهاب والعنف، ونجعل فكرة الحلول الدموية تبدو أكثر منطقية من محاولة التغيير المسالم الهادئ، هذا وقد أقصينا الكثير من العوامل الأيديولوجية والسياسية التي ترسخ كل ذلك، وتزيد الطين بلة، فتجعلنا نعيش في دوامة لا نهاية لها تمامًا كالمريض، كلما زادت أعراضه وتباينت أصبح من الصعب جدًّا تشخيص مرضه والحيلولة دون تفشيه وانتشاره، لكنها في نفس الوقت تضعنا أمام الواقع الذي نفر منه بخلقنا لنظريات الهجومات الخارجية والمؤامرات والمخططات التي لا نستطيع حتمًا نفيها، والتي لا بد موجودة وعاملة بلا هوادة لتصب كل الذي يحدث ونتائجه في مصب يمكنها من الاستفادة منها، لكنها كذلك ليست المسؤول الوحيد، وأي نسب متعصب لمشاكلنا الاجتماعية والسياسية لتلك النظريات يعتبر قلة مسؤولية وتنكرًا واضحًا، إذ إن الإشارة لموضع العطب تعتبر ثلثي إصلاحه، فكان لزامًا وجوب الإشارة لنقطة أن ما يعتبره البعض تفتحًا وتحضرًا، هو السبب الأول فيم يسمونه أيضًا رجعية وتطرفًا؛ بل هو أكبر شركة لصناعته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد