يعتبر الصراع قضية وعي في المقام الأول، ذلك أن الإحساس بتعارض المصالح والقيم والمفاهيم التي ينتج عنها الصراع، إنما يتم داخل الوعي دون غيره. ولهذا السبب، فإن الصراع يتشكل في وعي الناس قبل أن يأخذ طريقه إلى أرض الواقع. وطالما أن دوافع الناس وتوجهاتهم تتقرر في ضوء التصورات التي يتشبع بها الوعي، فإن مهمة تزويد وعيهم الجمعي بالمصطلحات والمفاهيم والمعطيات الجاهزة تصبح أخطر وسائل الصراع، وذلك لدورها الحاسم في توجيه دفته وصولًا إلى كسبه آخر المطاف، وهي المهمة التي تضطلع بها جهات دولية نافذة. من هنا، فإن كثيرًا من المصطلحات الرائجة أيامنا هذه تتجاوز دورها في الوصف والتعبير لتصبح بذاتها واحدة من أدوات الصراع المشتعل.

يشكل مصطلح الإرهاب مثالًا لمعركة الوعي المحتدمة بين قوى متعددة، تشكل إسرائيل والغرب من جهة والعرب والمسلمون من جهة أخرى أهم أطرافها، وهي تهدف لتسجيل انتصار حاسم في هذه المساحة كخطوة أولى تمهد الطريق لكسب المعركة نهائيًا. يراهن الغرب على كسب المعركة من خلال اعتقاده بقدرته على تعميم المفهوم المستحدث الذي بات يتبناه حول الإرهاب مؤخرًا. في الأصل إن مفهوم الإرهاب وفقًا للمنظور الغربي إياه يعني استخدام العنف في مواجهة المدنيين من أجل تحقيق أهداف سياسية، وهو مفهوم واضح الدلالة ولا يستثير أي لبس حول معانيه، ويمكن لمثل هذا التعريف المبسط أن يشكل قاعدة إجماع عالمي واسع، تلتقي عليه منظومات ثقافية متعددة بما فيها العرب والمسلمون. بيد أن جهودًا حثيثة قد بذلت في العقود الأخيرة للصق الإرهاب بالمسلمين وحدهم، وجعله صفة قرينة بهم، في محاولة مكشوفة لتوظيف المصطلح في المعارك التي يخوضها الغرب في مواجهة قضايا العرب والمسلمين في أرجاء المعمورة، وبطريقة تناقض التوصيف الغربي المشار إليه للإرهاب آنفًا. لقد فتح هذا التحايل على دلالة المصطلح بابًا واسعًا للجدل حول مصطلح ومفهوم الإرهاب، ويراد لهذا الجدل أن يستمر، حيث إن الأطراف التي تستثمر في توظيف المصطلح لا يعنيها الوصول إلى موقف مشترك تجمع عليه الثقافات المتعددة، فيما يتعلق بتحديد تصور دقيق وواضح ومتفق عليه للمفهوم.

وليس من المتوقع الوصول إلى ذلك لسببين، أولا: إن الابقاء على ظلال كثيفة من الضباب حول المصطلح تبدو مطلوبة لذاتها، حيث يلعب هذا الغموض دورًا مهما في خلق حالة من البلبلة حول دلالة المصطلح، ويؤدي ذلك إلى استدامة وتعظيم فرص الاستثمار فيه، ولو كانت دلالته محسومة لانحسرت القدرة على توظيفه من قبل جهات بعينها، أو توظيفه لاستهداف جهات أخرى بعينها، ولكان من السهل حينها إدانة سلوك كثير من القوى التي ترفع سيف الإرهاب في مواجهة العرب والمسلمين وفقًا لدلالات المصطلح كما قرره الإرث المفهومي الغربي، ولذلك فإنه لم يكن متاحًا لها أن تفلت من تهمة الإرهاب سوى باصطناع هالة من الضبابية حول المفهوم. أما الثاني فإن الجهات النافذة ترفض أن تشاركها المنظومات الثقافية الأخرى – خصوصًا المغمورة منها – تقرير دلالة المصطلح طالما أنه بات يمثل أحد أدوات المعركة، إذ إنها لا تسمح والحال هكذا بسعي تلك الأطراف للإمساك ببعض أوراق القوة؟ لأن من شأن ذلك أن يجعل من مسألة سيادة الثقافية الغربية موضعا للتساؤل.

في الأساس، يعكس الإرهاب ظاهرة إنسانية، بمعنى أنها ذات صلة بالإنسان من حيث كونه إنسانًا، وبمعزل عن دينه أو لغته أو عرقه، وكان ينبغي معالجتها وفقًا لهذا المعطى الواضح، لكن الاستخدام الوظيفي للمصطلح من قبل الغرب قد جعل منه أداة لمواجهة المسلمين فحسب، وتبعا لذلك فقد تغيرت معادلة الموقف من الإرهاب، فبدلًا عن أن يقف المجموع الإنساني معا في مواجهته بوصفه ظاهرة بشرية، باتت المعادلة تقوم على قاعدة تقسيم هذا المجموع إلى إرهابيين ومقاتلين ضد الإرهاب، وتبعًا لذلك فقد أضحت كل فعال الطرف الأول إرهابًا، حتى لو لم تكن في حقيقتها كذلك، وباتت فعال الطرف الآخر مشروعة ومسكوت عنها، حتى لو كانت إرهابًا واضحًا كوضوح الشمس في رابعة النهار، وذلك لأن من يمارسها يغطي فعاله عبر الادعاء بمحاربة الإرهاب.

وتمثيلًا لهذا التقسيم المصلحي المعوج، وبهذه الطريقة غير العادلة بات من السهل إيجاد حالة من التماهي والمماثلة بين الإرهاب ومقاومة العدوان، وخلط حابل الأول بنابل الثانية، وذلك تجريمًا للمقاومة عندما يمارسها العرب والمسلمون في مواجهة العدوان من جهة، وتسويغًا للإرهاب والعدوان عندما تمارسه إسرائيل والغرب، وهما يعتديان على الطرف الأول من جهة أخرى.

إن واحدة من أهم الأمثلة على توظيف مصطلح الإرهاب لاستهداف العرب والمسلمين تتجلى على وقع وضع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية على قوائم الإرهاب الأمريكية، بحجة أنه يهدد السلم والاستقرار في المنطقة، وهي خطوة تكفي للتدليل على مدى تهافت المحاولات الهادفة لحرف المفهوم عن دلالته الصحيحة، بمقدار دلالتها على انفضاح الجهات الدولية التي تستثمر فيه، لا سيما إسرائيل والولايات المتحدة. يتسع مغزى اتهام هنية بالإرهاب عندما ندرك أن التهمة تنتج في الوقت ذاته دلالة مغايرة بحق الطرف النقيض، فإذا كان هنية إرهابيًا فهذا يعني أن نتنياهو حمامة سلام. إذًا فنحن أمام حالة يتم فيها توصيف الفلسطيني اللاجيء المطرود من أرضه، المهدوم بيته، المحاصر في لقمة عيشة، المهدد بالقتل في كل لحظة إرهابيًا. وهذا يعني – على قاعدة أن الشيء بالشيء يذكر – أن قادة الاحتلال الذي احتل أرض الفلسطينيين وهدم بيوتهم ومزارعهم، ودفعهم إلى اللجوء في منافي الأرض، ولم يزل يتربص بهم دوائر السوء، هم مناضلون من أجل الحرية! هل ثمة ما هو أشد من هذا القبح؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد