يأتي الصباح مستعجلًا ينادي العباد للعمل والكدح ..هنا في الشارع الآخر نرى فئة قليلة تكابد المعاناة من شغل ونقل، وتقاوم حس النوم ولذته، هم لم يناموا إلا بضع ساعات، وجوه شاحبة تلهث وراء المادة من أجل قوت أبنائها وخمرها وغيرها. الكل لديه غاية والغايات تختلف بين الإيجاب والسلب، هنا ضجة قائمة لا نعرف معناها غير النظر إلى الآخر بروح خائبة أو محبوبة، الكل ينظر إلى الكل والنظرات تختلف لم نجد لها تفسيرًا قائمًا.

نتجه نحو الرأسمالية التي تقصي الفكر وتستغل العامل حيث يغترب فيها هناك بقوة، نعم يغترب عن كل شيء،
ففي أواخر شهر يونيو (حزيران) من عام 2019، قررت وأجبرت على خوض تجربة جديدة، وهي العمل في مصنع سأسميه «قبر البروليتاريا» في الحقيقة هو ليس قرارًا أو اختيارًا بل إلزامًا من طرف المحيط من أجل العمل لجني بعض من الدنانير الصدئة التي يلهث عليها كل طبقات المجتمع ففي هذا العالم لا يوجد إلا طبقتان، وهم طبقة العمال والكادحين وطبقة الأغنياء المستغلة لجهد العامل الذي يبذله.

هنا الكل ليس من أجل الكل، بل الكل من أجل المادة والحلم بالثراء، الذي لن يتحقق أبدًا ما دمت عاملًا بسيطًا خاضعًا لمشروع رأس المال، هنا تعمل من أجل ثراء صاحب المصنع الذي يأتي بآخر صيحة من السيارات، ثم يصيغ بعض الأوامر لينفذها عماله المقربون، ثم يمضي نحو فنادق فاخرة، أو يقطع تذكرة نحو جزر المالديف أو غيرها من البلدان الأوروبية بعد إرهاق أو ضغط لمدة ساعة كاملة في العمل، ليأتي من بعد ذلك الذين سميتهم بالمتبجحين، ليأمروك كأنهم أصحاب هذا الشغل الدعيس، هنا تسعة ساعات كاملة عمل بأجر زهيد لا يتجاوز عشرين دينار في أواخر القرن الواحد والعشرين وكما يقول المثل التونسي «آش يجيبو حنة والا سواك»، لا يريدون العامل الذي يفكر، هم فقط يحبون العالم الذي ينفذ هنا أين يقع طمسًا للفكر وتحجيرًا للعقل، العامل يعمل من أجل صاحب الثروة لا من أجل نفسه، ومن أجل ازدياد ثراء صاحب العمل، لذلك لا يسعنا إلا أن نقدم ألف تحية لكارل ماركس الذي تنبأ وتحدث عن قساوة العمل واستغلاله، رحت أبحث عن جشع هذه الرأسمالية التي لا ترى في العامل إلا الإنتاج وديمومته في الإنتاجية بأكثر قدر مسطاع، حتى تخيلت في صراخ أحد المتبجحين يردد «سيدك يأمرك بأن تتحول إلى آلة».

نعم لحم الإنسان عليه أن يتحول إلى آلة من أجل كسب الأموال وإرضاء سيده، هنا نرى وحشية الرأسمالية ومثلما قال مؤيدها «آدام سميث: «دعه يعمل دعه يمر» لا يهم جسد الإنسان بقدر ازدياد الإنتاج، فأين نحن من مبادئ حقوق الإنسان، أين منظمتها؟ وما يؤلمني حقًّا تلك الكفاءات وأصحاب الشهادات التي تعمل وتتقاضى الأجر نفسه أو أقل من عامل بسيط بتعلة الأقدمية والخبرة، هنا لا يمكن وصف حجم الظلم، فما ردك عن أستاذ ومهندس يحادثه فتى لم يتجاوز السنة السادسة من الدراسة الابتدائية بكلمات نافية للأخلاق ودفعه من أجل المرور، لا يهم.

أهذه الحياة التي خلقنا من أجلها؟ خلق الفقير من أجل عيون البورجوازية التي شَرَّعت اغتصاب الطبقة الكادحة، وأن تنتهك حقها في الحياة، من هنا يصنع الانحراف والإرهاب، من هنا ينطلق الشباب المتعلم من حب لوطنه الذي يردد نشيدها كل صباح إلى ناقم لدولته التي ترعرع في حضنها لسنوات، الحقيقة أن الإرهاب لا يصنع في الجبال، وإنما يصنع في مؤسسات الرأسمالية التي تحتضنها الدولة ومؤسسات الدولة، لا بد من مراجعة الأمور، وتنظيم قوانين ضامنة لحق العمال من تغول الرأسمالية، ومراقبة المصانع، وتكوين مزيد من النقابات العمالية من أجل الدفاع وتحقيق ولو فتات من الحقوق البسيطة. اصغوا إلى مطالب العمال واحترموا أجسادهم، ووفوا حقهم إن الله أقرب إليكم من حبل الوريد.

إلى كل عمال العالم: «توحدوا واصطفوا، وأنقذوا الإنسانية من هذا الفناء الأبدي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد