شهدت الآونة الأخيرة، انتشار الجماعات الإرهابية، في المنطقة العربية، والتفجيرات التي تحدث في الشرق الأوسط، وحتى العالم الغربي، إلى درجة أننا، لم نعد نستهجن فكرة ربط الإرهاب بالإسلام، وكأنه هويته، لذا صار لزامًا للقضاء على الإرهاب، محاربة الإسلام، فما سبب كل هذا؟ ولم تم هذا الربط، مع أن هنالك إرهابيين يدينون بديانات غير الإسلام؟

للإجابة على هذه الأسئلة، كان لزامًا أن نرجع للماضي، للوقت الذي ظهر فيه مسمى اليمين الإسلامي المتطرف، وارتباطه بالإسلام بعدة أشكال، وكيف كانت أمريكا، أكبر مصنع لتوريد مثل هذه الصناعات للشرق الأوسط، وبعد ذلك استنكارها، وربطها بالإسلام، السؤال الذي يثور، لماذا الإسلام ذاته؟ لماذا ليست المسيحية، أو حتى اليهودية؟

البداية كانت لعبة، تهدف إلى إقصاء، وتدمير، ما يسمى الشرق الأوسط، من خلال عدة أسلحة، وبدأت هذه الحرب، مذ لاحظت أمريكا، أنها لا تستطيع الانتصار على الاتحاد السوفييتي، بأي شكلٍ من الأشكال، وأنها قد دخلت حرب ضروسة باردة ضدها، هذه الحرب، التي نقلتها أمريكا، إلى جارات الاتحاد السوفييتي، الجارات التي سميت بالشرق الأوسط. حاولت أمريكا كثيرًا، الضغط على الاتحاد السوفييتي، من خلال خلق مشاكل لها، عقائدية دينية، متمثلة في التطرف الديني، وكان أسهل هذه الأديان الإسلام، ليس لكونه متطرفًا، وحازمًا شديدًا، بل السهولة كانت تكمن في أمرين: الأول، أن أمريكا قامت بالتلاعب بفكرة الكتلة الإسلامية، وكان ذلك بقيادة السعودية، وكل هذا كان لمواجهة اليسار القومي، وذلك من خلال تأسيس العديد من مؤسسات التعبئة الدينية اليمينية المتطرفة، بمساعدة السعودية، وكانت تتمثل في الكثير من الأحزاب الإسلامية السياسية، الأمر الثاني كان في المتأسلمين الجدد، الذين يظنون أنفسهم حاملي لواء الإسلام، ويحاربون فكرة الاشتراكية، والقومية العربية، واليسارية، كونها تخالف الإسلام، وفحوى الرسالة، ويرددون أن هذا الدين، هو الذي بعث به محمد، وأن هذه التصرفات، هي التي كان يمارسها الرسول، مذ نزلت عليه الرسالة، أي قبل 14 قرن.

ثوب التشدد، وعمامة التطرف، التي لبسها المتأسلمون، هي من أعطت طرف الخيط لأمريكا، حتى تبدأ مشاورها، في صنع الجماعات الإسلامية اليمينية المتطرفة، وكانت البداية أفغانستان، حينما قام الاتحاد السوفييتي باحتلالها، ومن ثم الحرب الضروس، التي خاضتها أمريكا مع هذه الدولة، فوق أفغانستان.

نقلت الأعين صوب أفغانستان، وبدأ الترامي عليها، من كل صوبٍ واتجاه، واتجهت أعين المجاهدين نحوها، وخافت المنطقة، في تلك الآونة على باكستان، فأمنت حدودها، وبدأ زرع اليمين المتطرف الإسلامي، من خلال توجه عبد الله عزام، أحد أفراد منظمة الإخوان المسلمين في مصر، وأسامة بن لادن، وبدأ التطرف اليميني يظهر، في تلك الفترة، من خلال نشوء ما يسمى بالقاعدة، في أفغانستان، وتلك التي أثرت على فكرة الجهاد، ومن هذا المنطلق، أصبح الإسلام السياسي، هو العدو الذي يشكل تهديداً قوياً وجديداً، بدلًا عن الشيوعية، للولايات المتحدة، وكان أشد الفيروسات فتكًا بالولايات المتحدة الأمريكية، هي ما صنعته، تنظيم القاعدة، المتمثل بأسامة بن لادن، أي أن السحر انقلب على الساحر، وهذا الذي أكدته هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، في مقابلة لها على شاشة فوكس نيوز، نشرت سنة 2011، بأنهم عندما خلقوا المجاهدين، ليحاربوا الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وبعد هزيمة السوفيت في تلك الحرب، أدارت أمريكا ظهرها للمجاهدين، بعد أن زودتهم بالسلاح والتدريبات، الفكر المتشدد، والعقول المفكرة في التشدد، ثلاثة أسلحة كانت تمثل النووي، بالنسبة للكثير من الدول العربية والغربية، هذه الأسلحة، بعد أن كانت في حضن أمريكا، أصبحت تصوب سلاحها نحو أمريكا، وهنا يكمن الخطأ الاستراتيجي الأول الذي ارتكبته أمريكا، فالمتطرفون الذين يحاربون الوطن العربي، وأمريكا اليوم، وهذا الإدعاء الأمريكي، بأن المتطرفون يحاربونها، ما هو إلا محاولات لتبرئتها، من السرطان الذي أنشأته، ونشرته، في الوطن العربي، وكأن أمريكا الملاك، وهي والوطن العربي، سيان في محاربة الإرهاب، من الجرم الذي ارتكبته في أفغانستان، وصناعتها لهذه الظاهرة، وأقرب دليلٍ هو أحداث 11 سبتمبر، الذي خلقته أمريكا لتقول للعالم بأن انظروا، الإرهاب يهاجمني، واتضح فيما بعد، أن تلك الأحداث، لم تكن إلا لعبة سياسية، للتبرئة من الجرم الذي ارتكبته.

المتطرفون، المصطبغون بالتشدد الإسلامي، هم أنفسهم، الذين صنعتهم أمريكا، واستخدمتهم للإطاحة بالجيش السوفيتي، في أفغانستان، والتشدد الإسلامي، هذا المصطلح المصطنع، لتشويه الإسلام الصحيح، بعد التأييد له، من قبل أمريكا، ثم صوب الجماعات الشيعية المتطرفة في العراق، وهذا كان الضرب المباشر للشرق الأوسط الجديد.

دعونا نتأمل قليلًا، بعد أن لاحظنا، ماذا فعلت أمريكا، من صناعة وزرع، عقول متشددة يمينية متطرفة إسلامية، في الشرق الأوسط، لذا من أين أتت هذه الفكرة؟

لم تأت هذه الفكرة بمحض الصدفة، والمثير للسخرية، أن أمريكا لم تكن تعلم ماهية الإسلام الحقيقي، وتظن أن العالم العربي، يجوبه الظلام والسيوف والخيول، كما أن المسلمين/المحمدين، عبارة عن أوباش – إن صح التعبير – وهذا هو الفهم المغلوط، الذي كان من دعاته مارك توين، في كتابه الأبرياء في الخارج، الذي وصف العرب بأبشع الصفات، ويرسم للعالم الأمريكي، أن العرب متشددون إسلاميون، يعيشون في زمن العصور الوسطى، يلعبون بالروث، ويلوحون بالسيوف، كانت هذه الفكرة التي جعلت أمريكا، تخطئ في استراتيجياتها، أي أنها لم تملك أي خبرة عن الشرق الأوسط، قبل الحرب العالمية الثانية.

كل هذه الاستراتيجيات، التي وضعتها أمريكا، كانت لمحاربة الاتحاد السوفييتي، وفرض هيمنتها على الشرق الأوسط، قبل وبعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، ولذة الانتصار، ما زالت تجاور أمريكا، وأصابتها بجنون العظمة، كونها محور القوة في المنطقة، في العالم، في الكون كله، وهذا ما شجعها، على توسيع نفوذها السياسي والعسكري، في المناطق المختلفة، من الشرق الأوسط.

في ذات الوقت، عززت أمريكا، بمساعدة بريطانيا، اليمين الإسلامي ضد اليسار، في بلدٍ تلو الآخر، وشجعتا على ظهور نوع من الكتلة الإسلامية، واليمين الإسلامي، أشبه ما يكون بخيل يمكن ترويضه، بنظر الدولتين. في الفترة نفسها، انتشرت كلمة العروبيين، وهم الذين يدعمون القومية العربية، ويتعاطفون معها، خوفاً عليها، الأمر الذي أدى إلى زيادة أعداد الناشطين، الذين يؤيدون الصهيونية، وشنوا حربًا إيديولوجية على العروبيين، ودعونا لا ننسى أن اليمين المسيحي، يشبه اليمين الإسلامي، من حيث التطرف، التشدد الديني، وعدم التنازل عن معتقداتهم بتاتًا، كما يدينون أصحاب الديانات الأخرى، وغير المؤمنين بعقيدتهم، وأصحاب الفكر الحر، لدرجة التكفير، كما يؤمن الجانبين بتوحيد السياسة والدين، كأسلوب حكم، يتشابه فيه المتشددون بكل الأديان، كأن يكون الحكم مطلق السلطة، لخليفة ديني سياسي، أو نظام من الجمهوريات الإسلامية، التي تقيم الشريعة الإسلامية بحذافيرها، دون تفكير، وهذا ساعد على نشوء مسرح لصدام الحضارات، وكانت هذه المشكلة الأساسية، أن الإسلام هو رهينة الشيوخ، والملالي، وآيات الله، كأن تكون مناظرة، بين المتأسلمين الجدد بالأسلحة، البذرة، تم زرعها من قبل أمريكا، في أفغانستان، وكان الاعتناء بهذه البذرة، مرتبط بالإسلاميين، الذين يرون مصلحتهم فيها، ومهمة الحصاد، وجني الثمار، لأصحاب النفوذ الإسلامي في المنطقة، الذين يسمون أنفسهم بالشيوخ، وعلماء المسلمين، وتم تكرار هذه المرحلة من جديد، ثورات الربيع العربي، التي انطلقت من الشعب، وللشعب، البحث عن المفقود، منذ أجيال، الديمقراطية، الحرية، حقوق بسيطة، كانت غائبة قبيل الثورة، بدأت بمرحلة جديدة، ولكن لم تكن مرحلة جديدة، كانت مرحلة متكررة، التاريخ يعيد نفسه، ظهرت الجماعات المتشددة، المتأسلمين الجدد، بأفكارهم التكفيرية، وشنوا حربًا، اجتماعية، ثقافية، دينية، على الثوريين، والسلطات الحاكمة، وبدأت تروج لفكرها، ودستورها، الخالي من مفهوم الحوار، والتكاتف الأصيل، كان الهدف، الوصول للسلطة والكرسي، كان السلم، عقول الشباب، وطاقاتهم، فباشروا بالصعود، على رؤوسهم، درجة، درجةً، وتكييف الوضع، حسب منظورهم الشخصي، تطور تنظيم القاعدة، إلى داعش، تحولت المنطقة، من صراعٍ نحو الحرية، إلى صراعٍ نحو السلطة، الدولة الإسلامية في العراق والشام، وكانت البداية، سوريا، العراق، ثم برداءٍ آخر في مصر وتونس، العودة بنا إلى العصور الوسطى، والحكم بما أمر الله ورسوله، هذا الشعار الباطل، الذي دسه المتأسلمون الجدد، في عقول الشباب، واتجهت أنظارهم، نحو الشعب، باختلاف عقائدهم، التفجير، والذبح، والتكبير على رؤوس الضحايا، قبل اقتلاع أحلامها، أفكارها، حياتها، حب الحرية، الأرض، والوطن.

التاريخ يعيد نفسه، بطريقةٍ أبشع من ذي قبل، وركب المتأسلمون الجدد، موجة النجاح، فضربت سفن المبدعين، وكسرتها، المتحررين، جلهم غرقوا، باسم الله والإسلام، هذا لم يعد غريبًا علينا، ولا حتى على المجتمع الغربي، وطالت التفجيرات الكنائس، المساجد، المدارس، المستشفيات، والأسواق الشعبية، تمحورت الفكرة حول التدمير فقط، لا حاجة للبناء إن كان اسم الله انتشر، التشتت الفكري، والتساؤلات انتشرت، هل هذا هو الإسلام؟ هل هذا هو الله؟
الحقيقة حتى الآن، غائبة عن البعض في هذا المحور، الجدل الذي انتشر، ما هو الصائب؟ وما هو الخاطئ؟ الذي حصل في تونس هو إرادة الحرية، مصر أيضاً، ليبيا، وسوريا، الوسيلة هي الشعب والله، الغاية هي السلطة، لهذا يرتدي الإرهاب دوماً، الثوب الإسلامي؛ لأنه الطريقة الأسهل في المنطقة العربية، والأقرب للعقول، لأنهم تربوا عليها، أما بالنسبة للمسيحيين، كانت الفكرة تتمثل في طردهم، أو قتلهم، واليهود كذلك الأمر، لذلك صنع العداوة، بين الإسلام والمسيحية واليهودية، كان لا بد منه، زرع الكراهية، الحقد، لا بد منه، نسبة المسلمين في الوطن العربي، لا تبعد عن الكمالية سوى بضع نسبٍ مئوية، لهذا، كان الحل الأمثل، هو الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد