تتعدّد الإحصائيّات الّتي تتناول عدد التّونسيين الملتحقين ببؤر التوتّر في العالم وخصوصًا سوريا وليبيا والمنخرطين في تنظيمات إرهابيّة (داعش أساسًا) وتتروراح بين 5300 و5800 تونسي حسب معاهد دراسات ومراكز بحث دوليّة، وهو رقم ينفيه المسؤولون التّونسيون ويدّعون أنّه وقع تضخيمه وأنّ تونس لا يمكن أن تُصنَّف بلدًا مصدّرًا للإرهاب. مع العلم أنّه حسب رئيس الوزراء السّابق السّيد الحبيب الصّيد فإنّ قرابة 13800 تونسي وقع منعهم من الالتحاق ببؤر التوتّر وهي أرقام مفزعة وتطرح مجموعة من الأسئلة أهمّها: ما الّذي يجعل تونس مفرّخة للإرهاب ويجعل استقطاب الإرهابيين فيها سهلًا؟

الدّراسات العلميّة الّتي تناولت مسألة الظّاهرة الإرهابيّة في المجتمع التّونسي كانت نادرة واكتفت الطّبقة السّياسية بالتّراشق بالتّهم في محاولة لاستثمارها سياسيًا دون محاولة تشخيصها أو علاجها بل إنّهم ساهموا في استفحالها من خلال اختلاق مزيد من الأزمات وحالة من التوتّر وشبه الاحتراب المجتمعي دون نسيان التدخّلات الخارجية لوأد التجربة التّونسية الوليدة من رحم استبداد دام أكثر من 60 عامًا.

ومن أبرز هذه الدّراسات تلك الّتي أنجزها المركز التّونسي للبحوث والدّراسات حول الإرهاب وتناولت عيّنة واسعة تشمل ألف متّهم بالإرهاب معتمدة على الملفّات والوثائق القضائيّة المنشورة أمام المحاكم بداية من 2011 حتّى 2015 وقد خلصت إلى جملة من الاستنتاجات أهمّها:

– ذكور 96%.

– النّسب العمرية:

      – من 18 إلى 22سنة:22%.

     – من 25 إلى 29 سنة 28.7%.

      – من 30 إلى 34 سنة 25%.

     – بين 35 و39 سنة 12.6%.

      – فوق سنّ الأربعين 11.4%.

      – تحت سنّ الثمانية عشرة 0.3%

 قرابة 75% من العيّنة نسبتها العمريّة أقلّ من 34 سنة أي نشؤوا وترعرعوا في مناخ الاستبداد والديكتاتورية وكانوا ثمرة سياسات التصحّر والتجهيل وما سمّي حينها بسياسة تجفيف المنابع إذ إنّ الملاحظ أنّ 40% من هؤلاء الشّباب هم خرّيجو جامعات وأنّ غالبيّتهم من العاصمة استقطبوا مباشرة في جوامع وبعضهم منذ الجلسة الأولى. كما يلاحظ أيضًا أنّ نصفهم ينشطون مباشرة في الجناح العسكري من التّنظيمات، وقد عرف عنهم أنّهم الأكثر تطرّفًا وعنفًا.

فما علاقة الظّاهرة الإرهابيّة بالاستبداد؟

كلّ الأنظمة الشّمولية الفاشية الدّينية أو العلمانية والديكتاتوريات الفردية أو الطّبقية أنتجت «مسوخًا» بشرية «إنسانًا» يتّصف حسب أغلب الدّراسات النّفسية بأنّه قلق حذر مرعوب خامد النّشاط منغلق يميل إلى العزلة له معوقات في التّواصل والتركيز والتفكير، يعاني من عديد الأمراض النّفسية كامنة العوارض أو متجلّية، مع اتّجاه عام للخضوع والاستسلام والتحويل والهروب إلى الأمام أو الانهيار والانتحار. فالنّماذج المتّبعة في التربية والتّنشئة في مختلف هذه التّجارب كانت متشابهة تشترك فيما بينها بصفات أهمّها:

1- الافتقار الحقيقي للأيديولوجيا: الافتقار للعقيدة الممدّة للقيم وللأهداف الوجودية أسلوب الحياة وضوابط السّلوك كما تمّ التدخّل الفجّ في تحقّق الذّوات من خلال اختلاق صراع زائف ومناخ عام يتّصف بانسداد الأفق والكبت وانعدام للحرّيات.

2- الأمّية السّياسية والمواطنة المزيّفة: كان كلّ همّ المتحكّمين مركّزًا على احتكار السّلطة وبسط النّفوذ والهيمنة وترصّد كلّ إمكانيّة لانبلاج وعي سياسي أو مشروع مواطنة حقيقي.

3- الافتقار إلى القدوة الصّالحة: غياب أو تغييب الأمثلة الحاملة لمشروع ما والقابلة للتحقّق النّاصحة الموجّهة والمرشدة بل تعوضها بنماذج مشوّهة كاريكاتورية تدّعي أنّها نخبة وهي في حقيقتها نكبة.

لقد سمح هذا المناخ العام المتّسم بالكبت بانسداد الأفق واليأس وغياب العدل المرفود بالجهل والتهميش والفقر بظهور التيّارات التّحتية والجماعات السرّية والعنف السّياسي، وقد كانت كامنة في حالة خمود زمن الاستبداد نتيجة للرّقابة المشدّدة واستحالة الحركة، تفتّقت مع سقوطه.

ويبدو هنا الإرهاب «المحرّم» كردّ فعل انعكاسي وثمرة سفاح للإرهاب «المقنّن المشرعن». ومعالجة هذه الظّاهرة بالاكتفاء بعوارضها دون العودة إلى مسبّباتها لن تكون إلّا عقيمة وسطحيّة، بل وربّما تؤدّي إلى نتائج عكسيّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد