لا يتصور الكثيرون أن من الممكن أن يكون الإرهاب «برنامج للتسويق السياسي»، عن طريق الدول، وجماعات الضغط، والشركات متعددة الجنسيات، وشركات السلاح، و«المافيا» العالمية في العالم، لفترة مهما اختلف زيهم، وأجناسهم، ودينهم، ولغتهم، ومهما اختلفت البضاعة التي يُسوقونها؛ فالإرهاب أحد أهم برامج التسويق السياسي في المنطقة والعالم، وتُبنى عليه سياسات ومصالح، وتُجنى منه أرباح هائلة، ويدر أموالًا ضخمة أفضل بكثير من تجارة النفط والذهب والآثار، بل أفضل بكثير من تجارة المُخدرات، وغسيل الأموال وتجارة الأعضاء البشرية. فالإرهاب برنامج تسويقي للتجارة بالشعوب ومستقبلها، وهذه التجارة تضمن جميع ما سبق!

إلى الآن لا يوجد معنى، وتعريف مُحدد وموضوعي، ولا معايير، ولا صفات حول ماهيَّة الإرهاب، فمعيار الإرهاب غير مُتفق عليه حتى من الذين يحاربونه اليوم في العلن. إن الإرهاب في أبسط مفاهيمهِ «أنه تَعد على المدنيين والآمنين وإرهابهم من أجل مصالح سياسية»، وبالرغم من أنه ربما لا يعترف الكثيرون بهذا المفهوم، إلا أنهُ حقيقة معيارية لممارسات الإرهابيين.فكل من يَقتل مدنيًا بدافع الجهاد أو باسم الدين أو السلطة أو التحرير، فهو إرهابي من مقاتلي «داعش» الذين يحملون إسلامًا سنيًا متطرفًا، تبلور تحت أنقاض المُدن المُدمرة، وظلام وظلمة السجون، إلى سياسات الدول التي لا تختلف عنهم عند ممارستها لإرهاب الدولة على مواطنيها بثوب الدولة ومؤسساتها؛ فإرهاب داعش بعيد كل البعد عن الإسلام كدين بنظرته الشمولية، ولقيمه المتكاملة، وليس بالنظر إلى الآيات المجتزأة من القرآن، ووضعها في غير سياقها، كما تفعل «داعش»، لكن لا تنطبق معايير الإرهابي على «داعش» فقط؛ هناك ممارسات إرهابية كثيرة لا تُصنف بالإرهاب. فمن يحتل دولة كالعراق، ويدمر اقتصادها وأمنها ويُشرد أهلها، ويُيتم أطفالها، ويرمل نساءها، ثم يعتذر، فهو أيضًا إرهابي، يمارس الإرهاب بثوب سياسات خارجية لدول تريد نشر الديمقراطية كـ«بوش» و«بلير»!

وكل من «يتفرج» على الشعب السوري، يُدك بالبراميل المتفجرة، والنابالم، والفسفور، والأسلحة الكيمياوية، ويستطيع أن يوقف حمامات الدم، ولم يفعل شيئًا، فهو إرهابي يمارس إرهاب السكوت، والفرجة، والقلق، باسم المصالح الدولية والإقليمية، ويرتدي «الكرافتة»، والزي الرسمي، باسم المجتمع الدولي. وكل من يُحرر المدن العراقية من «داعش» عبر تدميرها، وقتل أهلها، وجعلها مُدن أنقاض باسم الحسين، وطريق القدس، فهو إرهابي يمارس الإرهاب بحربهِ ضد الإرهاب، ويرتدي زيًا أسود، ويرقع رايات «لبيك يا حسين».

وكل من ينقلب على ثورات الشعوب الحرة، بثورات مُضادة مُصطنعة، وانقلابات عسكرية، ويقتل متظاهرين مدنيين عُزل باسم «تفويض الشعب»، فهو إرهابي يمارس الإرهاب بزي الشرطة والجيش. وكل من يُبرر القتل بفتوى من وُعاظ السلاطين، مؤيدًا للقتل، فهو إرهابي، سواءَ ارتدى القبعة أو العمامة أو الخوذة. وكل من يقطع رؤوس المدنيين باسم «الجهاد» أو باسم «الجهاد الكفائي»، ويحرق الناس وهم أحياء، أو يُعذب حتى الموت، فهو إرهابي يمارس الإرهاب بحربه ضد الإرهاب، ويمارس سياسات طائفية عن طريق التحرير بالتدمير.

إن الإرهاب السياسي كبرامج لتسويق المشاريع السياسية الإقليمية والدولية، لا نهج، ولا معيار لهذه التصنيفات الإرهابية، سوى التجارة بالشعوب، بالقتل، واللجوء، والنزوح، وتغيير مسار التغيير، بما يضمن المصالح الإقليمية والدولية، ويضع عقبة أمام عجلة التاريخ بـ«محاربة الإرهاب»؛ إلى أن تتَشكَّل المُعطيات والأرضية الخصبة لمشاريعهم. سينتهي القتل باسم الله، والحسين، والجهاد، وباسم السلطة، وباسم الشعب، وستبدأ مرحلة جديدة من التوافقات، ومن دون سلاح، ولا تعلم حينها من أين أتوا، وكيف اتفقوا مع أفكارهم المتناقضة، التي غذتها سياسات، وَظَّفت الإرهاب لصالح مشاريعها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد