عمليّة إرهابيّة جديدة في تونس هدفها منزل وزير الداخليّة لطفي بن جدو بمدينة القصرين من الوسط التونسي. ضحاياها أربع من الأمنيين الذين كانوا يحرسون بيت الوزير ولا تتجاوز أعمارهم 21 سنة. عمليّة نفذها جملة من المتشددين دينياً والذين اختلفت المؤسسة الأمنية مع الشهود العيان حول تحديد عددهم . فالسلطات تقول بأنّ العدد لا يتجاوز ال7 أشخاص في حين يؤكد الشهود أنّهم ما يقارب الثلاثين نفراً.

عمليّة ناجحة بمقياس المتطرفين الذين كانوا يطوفون شوارع المدينة مكبّرين إثر العمليّة. وعمليّة جبان من منظور رئيس الحكومة الذي أقرّ بأنّ طرد الأهالي للمتطرفين باستعمال الحجارة دليل بأنّ لا الإرهاب ولا التطرّف سيكون لهما موطئ قدم في البلاد. بإمكان المتابع للمشهد التونسي أن يتفهّم الارتباك الواضح على وزير الداخلية باعتبار أنّ جلّ أفراد أسرته كان متواجد في مسرح الأحداث بل وربّما كانوا هم المستهدفين. ولكن لا يمكن أن يقبل من رئيس حكومة أعلن منذ توليه منصبه أنّ هدفه القضاء على الإرهاب، أن تكون خطة عمله أن يقاوم الأهالي المتطرفين المسلحين بالحجارة.  تمشي “جريء وواعد” من مهدي جمعة رئيس حكومة مرّ بتجربة أمرّ من هذه وهو وزير للصناعة حين كان علي العريّض وزير الداخلية السابق رئيسا للحكومة، مهدي جمعة رئيس لحكومة وفاقيّة أنتجها حوار وطني بين الموالاة والمعارضة، رئيس حكومة صوّره الإعلام التونسي على أنّه المهدي المنتظر ومنقذ البلاد من حكومتين غلبت عليهما المحاصصة الحزبية. رئيس الحكومة مهدي جمعة جاء ليكون رئيس حكومة كفاءات هدفها بالأساس الإعداد للانتخابات. عوض أن يقدّم للتونسيين سياسة حكومته في التصدي للإرهاب يشكر مواطنين عزل لوقوفه أمام أسلحة المتطرفين.

لكن وهو يواجه اليوم عملية إرهابية خطرة قد تتسبب في تقويض المسار الانتخابي برمته، هل يستطيع جمعة المرور بالبلاد إلى برّ الأمان؟ فما الذي جعل ظاهرة الإرهاب تستشري في المجتمع التونسي المعروف باعتداله؟ وأي دور للإعلام في تضخيم صورة الإرهاب؟

لا شكّ أنّ تونس قد نجحت في تجنب الانقلاب والانفلات من خلال تنازل الترويكا الحاكمة عن السلطة وفتح المجال لحكومة كفاءات لقيادة البلاد. يأتي ذلك بعد كتابة دستور توافقي مثّل أحدى إنجازات مهد أولى ثورات الربيع العربي. ليلي ذلك النجاح في كتابة قانون انتخابي سقط فيه الفصل الذي كان ينص على العزل السياسي، ويؤكّد الإسلاميون معذبوا الأمس بأنهم متسامحوا اليوم. ويقترب المسار الانتقالي من انتهاءه بإقرار ما سميت بهيئة الحقيقة والكرامة التي ستسعى إلى محاسبة مذنبي الأمس في حق الوطن كلّ على حدى بعيدا عن العقاب الجماعي. في ظل كلّ ذلك يقضي القضاء التونسي بحلّ ما سمي برابطات حماية الثورة بعد اتهامها بممارسة العنف على السياسيين والمعارضين لحكم الترويكا بل واعتبروها ملشيات حركة النهضة من ذلك الاعتداء على الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر منظمة نقابية في البلاد. وهو قرار يحسب لحكومة جمعة التي منذ أيامها الأولى في السلطة، وجهت ضربات موجعة للإرهاب بالقضاء على المتهم الرئيسي في اغتيالين سياسيين لمعارضين يساريين المدعو كمال القضقاضي، إلاّ أنّها لم تستطع القضاء عليه نهائياً.

ولكن بالعودة إلى أسباب تفاقم ظاهرة الإرهاب وانتشارها  في صفوف شباب ينتمي إلى مجتمع عرف باعتداله وانتسابه للمذهب المالكي الذي يؤكد العديد من المؤرخين بأنّه أساس تماسك شعوب المغرب العربي. يعيد العديد من الخبراء انتشار التطرف في تونس إلى عهد بن علي حيث شهدت البلاد عمليتين سابقتين الأولى على معبد الغريبة اليهودي بجزيرة جربة، والثانيّة هي الأحداث المسلحة في مدينة سليمان شمال البلاد. والمؤسسة الأمنيّة تؤكّد بأنّ جلّ العمليات التي حدثت بعد الثورة تورّط فيها سجناء أحداث سليمان الذين أسعفتهم الثورة بالعفو التشريعي العام. لكنّ المتأمّل يمكنه أن يعي بأنّ المتطرفين التونسيين موجودين في كلّ أرض وفي كلّ زمان.

لكنّ المتابع للوسط الإعلامي التونسي يمكنه أن يدرك بأنّ وسائل الإعلام التونسيّة ساهمت من حيث لا تدري في تنميّة ظاهرة الإرهاب واتساع رقعتها، حيث أنّ تواتر جملة من المصطلحات من قبيل الارهاب، الجهاد، الخلافة، جهاد النكاح، “داعشيون” والعنف السياسي أصبح أشبه بالخبز اليومي للتونسيين.ليصبح الشاب التونسي محاصراً بمصطلحات مرتبطة بالإرهاب في المقاهي، المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام الكلاسكيّة.

وعملاً بالقول أنّ “صنّاع الإشهار ينالون مبتغاهم بالتكرار”، استطاع صناع الإرهاب غزو عقول الشباب التونسي من خلال محاصرته بالحديث عن الإرهاب حيث ما حلّ وأينما ذهب. وقد ساهمت وسائل الإعلام في جعل الإرهاب واقعاً على هذه الأرض حيث إنّ بعض الصحف والتلفازات والإذاعات أصبحت مختصة في الإرهاب تغطيّةً ومتابعةً وتحليلاً.

وككلّ ظاهرة منتشرة يكون لها مخاطر نفسية، إذ تؤكد دراسات علم النفس التحليلي أنّ الخبر لا يؤثر على المتلقي منذ بثه الأوّل لكن عندما يتكرر الخبر تحليلاً ومتابعةً ونقاشاً في العديد من وسائل الإعلام، مما يدعو المتقبل للبحث في كنه هذا الخبر، وفي خضم رحلة البحث هناك من يتأثر ويتبنى فكرة الإرهاب خاصة إذا كانت نفسه تتطوق إلى مثل هذه الأفكار التي تقوم على نبذ الواقع المعاش والنزوع نحو العنف في التغيير، إلى جانب اعتقادهم بأنّهم الواحديين المالكين للحقيقة.

وفي الجهة المقابلة قد يتبنى باحثثين آخرين تجريم من بدؤا النزوع نحو العنف فعوض تعديل سلوكهم يمارسون عليهم المزيد من النبذ والإقصاء فينتجوا  الإرهابيين من حيث لا يعلمون.

وللإشارة فإنّ تكرار الحديث عن الإرهاب في الفضاءات المختلفة من أسرة وإعلام وفضاءات عامة له تأثير على الأطفال والمراهقين الذين مازالت شخصياتهم في طور التكوين لأنّ تكرار اعتماد المصطلح وكانّه عبارة عادية لا تنمّ على رفض ونبذ من المجتمع مع الشخصية الهشّة القابلة للتطويع والتحكّم والتأثير  لهذه الفئة العمرية يجعل إنتاج أناس يحملون فكر العنف الديني والسياسي يسيراً وسهل الانتشار.

لا شكّ بأنّ التطرّف صناعة وأنّ مصانعه عديدة ومنتشرة في العالم وأنّ من يشتري هذا المنتوج كثر. ولعلّ الشباب التونسي المندفع بسبب غياب تكوين ديني في ظلّ الدكتاتورية قد أنتج لنا آلات قتل تدك المجتمع التونسي وتهز استقراره بين الفينة والأخرى .

ثم ألم يشاهد العالم أبشع أنواع التطرّف في بورما والأشلاء البشريّة المتناثرة في شتى أنحاء البلاد. والتّطرف الصهيوني بحق شعب أعزل، والتاريخ يذكّرنا دائما بتطرّف النازية في ألمانيا، والفاشيّة في إيطاليا أو تطرّف العلمانيّة في تركيا. ألم يسجّل العرب لعقود كأمة نائمة خاملة مستهلكة ولا تنتج شيء. وبناءًا على هذا القول فالعرب غير منتجين للتطرّف ولا حتّى هم استطاعوا تطوير أساليبه، قد يكونوا من خيرة مستهلكيه، و لكنّهم لم يصنعه يوماً ولا حتّى امتلكوا الوصفة السّحريّة لصناعته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد