التطرف ظاهرة اجتماعية لا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات، سواء أكان هذا المجتمع ينتمي إلى العالم المتحضر أم العالم المتخلف، ولذا فإن الحكم على التطرف بأنه ظاهرة مرضية، أو مشكلة يعيشها المجتمع وينبغي التخلص منها، ليس بالأمر الموضوعي، فهو ظاهرة لها مسبباتها ولها عواملها التي أدت إلى ظهورها، ولها مقوماتها التي أدت إلى استمرار بقائها، ومن ثم فإن التطرف في مجتمع من المجتمعات ينبغي النظر إليه على أنه نتيجة وليس سببًا، يصبح التطرف ظاهرة تشغل بال المجتمع إذا اتجه إلى التطرف الديني أو السياسي عندما تتدخل جماعات معينة لأحداث التغيير الاجتماعي «Social change» أو السياسي، أخذ ظاهرة التطرف المنحى العالمي، فلم يعد ينجو منها أحد بقدر أو بآخر، إذ أصبح القلق أو الخوف منها قدرًا إنسانيًا مشتركـًا، وهو الأمر الذي دفع مجموعة من الباحثين إلى دراسة الظاهرة ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة التي تشكل العلاج الحقيقي لها. والحرص على تشجيع اتجاهات الوسطية والاعتدال والمعاني الإنسانية التي جاءت بها الأديان السماوية. فقد شهدت السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين الميلادي تصاعدًا ملحوظـًا في العمليات الإرهابية، كانت أشدها سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة تحت ما يسمى بالشرق الأوسط، إذ احتلت فيها العراق وقبلها أفغانستان، بالإضافة إلى التهديدات المستمرة لعدد من الدول في المنطقة ومحاولة تغيير ملامح المنطقة من خلال طرح مشاريع تقسيم الشرق الأوسط. التطرف أصبح هاجسًا للأسرة الدولية كلها، وقد تطورت مفاهيمه للحد الذي دفع بعض الحكومات إلى إدخال التلاعب في الاقتصاد الوطني ضربًا من ضروب الإرهاب، من واقع القراءة نجد أن الإرهاب، وإن تعددت أعماله وأشكاله، ينطوي على عدة معان ولا يحمل معنى واحدًا وأصبح ظاهرة عالمية، يصعب تحديد أو معرفة من يحرك التطرف الإسلامي الذي أخذ يزداد في الآونة الأخيرة، ولكن هناك حقيقة تاريخية جهادية بدأت 1979- 1997 أصبح التطرف مفهومًا يحيل إلى الأيديولوجيا على الحضارة ومفهوم التاريخ على الثقافة، مما يتطلب عملية فك وتركيب لمعرفة الإشكاليات ذات الارتباط بالمفهوم الأساسي للوصول إلى نتائج وحلول مقبولة بهذا الصدد. هنالك مجموعة متصلة من الإشكالات يحيل بعضها إلى بعض وتكون مفهوم الإرهاب بشكله الحالي، يمكن أن نلخصها بالآتي:

أولًا: إشكال الهوية

مشكلة الهوية هي أم المشكلات وسط الزخم الإعلامي والفوضى القيمية، فعندما تسود اللامعيارية وتفقد الأشياء معناها المتعارف عليها ويصبح اللامعقول هو النمط وأنصاف العارفين هم الملجأ، هنا فإن المقدمات تدفعنا دفعًا إلى نتائج مؤلمة يمكن أن نختزلها في البحث عن الذات والهوية الحقيقية إفراز مجتمع يئن تحت ضربات الاختراق الثقافي التي تصر أن تحوله إلى مسخ خرافي يرقص في خلاعة ويغني بلا معنى، يعاني من فراغ الضمير والنفس والوقت بما يحمله من ملهاة البحث عن الذات في الابتذال. هذا المسخ الخرافي هو نفسه الذي يتشح بالسواد ويغوص ويغوص في ملهاة التشدد والتعصب الديني لعله يجد ذاته المفقودة، إن كلا الطرفين مؤلم وفاشل، فالعالم اليوم يمر بمتغيرات سريعة أصبحت سمة العصر وانتقلت آثار هذا التغيير من الحياة التكنولوجية إلى الحياة الاجتماعية فتأثرت القيم والعادات والتقاليد والمعايير، اضطر الإنسان إلى التعامل مع التنافس والتصارع والقلق والتوتر والخوف فاستجد بذلك عدد من المصطلحات التي تسهم في وصف ما يمر به من توتر واضطرابات، ورغم أن عصرنا الحاضر هو عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، وقد توافرت فيه منجزات عظيمة فإنها تحمل في طياتها الكثير من الآلام والمتاعب النفسية والكثير من مقومات التدمير والتخريب، وبالتالي الكثير من الشقاء الإنساني، وليس الأوضاع الراهنة وما تنطوي عليه من مظاهر غير سوية إلا انعكاس للأوضاع والمتناقضات الموجودة في هذا العصر فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها وتتغذى بها، ظاهرة الانشغال بالهوية القومية، وتطوير خطاب سياسي حول الهوية القومية، يمكن رصده في الفكر السياسي، منذ 300 سنة على الأقل، وهي بارزة بحدة في الأدبيات السياسية المعاصرة التي تختص في حل النزاعات الإثنية والقومية والدينية. وقد أصبح هذا الموضوع يثير اهتمام الباحثين بفعل اتساع دائرة التطورات كبيرة الأثر على الساحة الدولية، التي طرحت قضايا الأقليات وما ارتكب ويرتكب بحقها من تمييز وجرائم وانتهاكات لأبسط قواعد حقوق الإنسان، الأمر الذي جعل الأقليات وهويتها تطرح بحساسية خاصة، على الساحة السياسية والحقوق الدولية.

ثانيًا: الإدراك السلبي للنسق الثقافي

الفهم السلبي للنسق السيسيولوجي للثقافة إذا انطلق من مسار التعرف على الآخر نحو إدراك الذات، بمعنى أن الأمه لا تستطيع أن تحدد مكوناتها هي إلا بالتعرف إلى مكونات الآخر أولًا، قبل أن تقوم في مرحلة ثانية بوضع نفسها موضع السلب الكامل لكل ما يمثله، لتصبح مجرد نقيض له على صعيد الرؤى والمواقف والأدوار التي تصورها الآخر لنفسه، وتستند هذه الاستراتيجية إلى إدراك «ذاتي سيكولوجي» لظاهرة الثقافة، يستند بدوره إلى نظم فكرية مكتملة يتوافر لها الشمول، كالدين في فهمه الضيق، أو التي تدعي هذا الشمول كالفلسفة المثالية ذات الطابع الميتافيزيقي، والأيديولوجيات السياسية الكبرى، والثقافة وفق هذا الإدراك هي بناء عقلي شامل ونظام صارم للأفكار يفسر نفسه بنفسه، تستطيع أن تجد داخله كل الحقيقة إذا ما حاولت وكنت أكثر إيمانًا/ الدين/ الثورية/ الأيديولوجيا.

ثالثًا: المركزية الذاتية الغربية

في الوعي الأوروبي الحديث ثمة نزعة التمركز حول الذات، تلك التي نمت منذ القرن الثامن عشر، وهيمنت على التاسع عشر وبداية العشرين، استنادًا إلى افتراضين اختزاليين: أولهما هو مركزية الاستثنائية الإغريقية في التاريخ الفلسفي، لدرجة تصبح معها الجذر لكل عقلانية ممكنة، فلا توجد عقلانية أخرى خارجها، وثانيهما هو المفهوم العنصري للثقافة، والذي يتصور بقاء هذه الفلسفة أصلًا نقيًا لفكر غربي خالص لم يرفده مكون ثقافي سابق لها، كما لم يلوثها أي بناء فكري لاحق عليها. هكذا تنسب هذه النزعة إلى الذات الغربية كل إنجازات الحاضر العالمي. قبل أن تقوم باختزال التاريخ كله في هذا الحاضر، وتثبيت معطياته المستجدة مرجعية لبقية عصور التاريخ، تقاس إليها بل تحاكم بها الثقافات والحضارات الأخرى. وهكذا تصير نزعة إقصائية تستند إلى العنف واحتقار الآخر، ولذا كانت هي الجذر الذي خرج منه نسق الفكر الكولونيالي وظاهرة الاستعمار الغربي، والعنصريتين: النازية والفاشية، وما تزال تنسب إليه التيارات العنصرية واليمينية في الثقافة الأوروبية المعاصرة.

أما المشكلة الثانية فهي الإغراق في كراهية الآخر كلما زاد تقدمه، واستطاع الولوج إلى فضاءات جديدة ومستويات أرقى على صعيد التجربة الإنسانية، ذلك أن الذات الحضارية هنا تقع بين شقي رحى: فإما مماثلة الآخر في هذه الآفاق جميعًا، ما يعني لديها الذوبان فيه، وإما النأي بنفسها عنه، واعتبار هذه الآفاق مساحات غريبة على ما تعتقده أصالتها، وربما غير أخلاقية قياسًا إلى ما تتصوره فضيلتها.

الرابع: مفارقات المثالية

تتمثل في الفكر الذي ينبع من روافد مثالية، روحية فلسفية أو دينية، هو نفسه الذي ينتج وعيًا حديًّا استبعاديًّا لا يتحمس للتعدد، ولا يكترث بالتواصل مع الخصوصيات، يشكل إغراقًا تلقائيًا في إبراز التناقض مع الآخر، لأنه يتصور أن كل عامل مشترك مع الآخر يعني إذابة الذات فيه، ولأنها تنطلق من تصور طهراني للثقافة وخلاصي للهوية، الفكر هنا لا يمثل إشكالية في حد ذاته، ولكن تبدأ الإشكالية من الإدراك السلبي للفكر عندما ينشغل فقط بمبدأ الخصوصية غير مكترث بالمشترك الإنساني مع الجماعات المغايرة، هنا نكون بصدد عملية ليست فقط تلقائية بل متنامية، لإبراز التناقض باعتباره الطريق الوحيد لتأكيد الذات. وقد عبرت حالة السلب هذه نفسها في الأديان السماوية الثلاثة التي صاغت الحضارتين الكبيرتين: العربية الإسلامية، والغربية اليهو-مسيحية، وذلك من خلال أفكار ثلاثة أساسية :

ففي الرؤية الدينية اليهودية للعالم ثمة فكرة الاختيار، تلك التي صنعت حاجزًا بين اليهود والأغيار امتد بعمق تاريخهم، وشوه جل تفاعلاتهم، وربما صنع عقدتهم الوجودية، لقد عاش اليهودي تاريخه بإحساس متلبس، ففي ردح قصير من الزمن بدا «متعاليا» على الآخرين بقوته التي ظنها نابعة من خيريته، حتى إذا ما دالت دولته، وجدناه يحيا «أسفًا متألمًا» إذ يجد نفسه «عاديًا» في التاريخ منذ سبي البابليين أجداده، وفتك الرومان بهم، وبالأخص منذ جاء المسيح إلى الأرض نبيًا للرحمة لا القتال، رافضًا أن يكون ملكهم المقدس، فاتحًا شريعة موسي ودين الرب «يهوه» لجميع الناس/ الأغيار/ الأمم، ومانحًا الخيرية لجميع المؤمنين من بينهم، المنتمين إلى إبراهيم بالروح والجسد، بالعقيدة لا العرق. وحينئذ صار اليهودي لا يرى في التاريخ سوى مجرد لص قام بسرقة خيريته، ولهذا نلاحظ كيف أن الشخصية اليهودية ظلت تراوح بين طبائع وأمزجه متناقضة، فهي شديدة الانسحاق، والعزلة والانطواء، وهي شديدة الغرور والغطرسة والعدوانية حينًا آخر.

في الثقافة الإسلامية ثمة نزعة ماضوية لدى فصيل من المسلمين يسقط على الإسلام في مرحلة الأزمة، فهمه وتأويله المنغلقين، مستخدمًا العنف في غير محله، معتبرًا إياه وسيلة طبيعية لتغيير الواقع باتجاه مثالية لماض غابر، ولو نال عنفه من الآخر الذي يسهم بجدية في صناعة الحاضر، وذلك على الرغم من الروح العالمية الكامنة في الإسلام، ونزعته العميقة إلى التسامح. وإذ ينسب هذا التيار نفسه إلى السلف ويلبس عنفه العبثي أحيانًا، والعدمي أحيانًا أخرى ثوب الجهاد، فإنه يسيء إلى إحدى أهم الظواهر التي صاغت مسيرة الحضارة الإنسانية، وهي الجهاد الإسلامي «الحضاري» ذو المنزع الإنساني والغاية التحريرية للتاريخ من قبضة الوثنية والشرك والانحطاط والفوضى.

من الهجمات الإرهابية في 2017

هجوم إسطنبول 2017 هو هجوم وقع خلال احتفالات رأس السنة يوم 1 يناير (كانون الثاني) 2017 في مطعم رينا في حي أورطاكوي بمنطقة بشكطاش بمدينة إسطنبول، حيث قام مسلح بقتل 39 وجرح 69 باستخدام رشاش. وفي اليوم التالي أعلن تنظيم «داعش» في بيان مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي، بحسب وكالة رويترز. وقال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في البيان أنهُ يعد «استمرارًا في العمليات التي يخوضها التنظيم ضد تركيا». وتأتي «ثأرًا لما سماه دين الله وتلبية لأمر أمير زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي باستهداف تركيا

».

هجوم متحف اللوفر أو هجوم الماشيتي في باريس هو هجوم إرهابي حصل في الثالث من فبراير (شباط) لعام 2017 ميلادي، عندما هجم رجل مصري سني يحمل سكينًا ماشيتيًا على جنود فرنسيين على بوابة متحف اللوفر وهو يصرخ الله أكبر. حاول المهاجم أولًا دخول المتحف بحقيبتين، مما أثار شكوك الحرس الذين أرادوا تفتيشها، ولكن المهاجم قرر أن يهجم على الجنود بمنجل ماشيتي فقام أحد الجنود الفرنسيين بإطلاق خمس رصاصات على المهاجم الذي سقط مصابًا وقبض عليه وأرسل إلى المستشفى.

الحلول المقترحة

1- معرفة الدين لا تتم إلا بشرط الحرية، ولعل الحرية هي النصاب الأعلى لهذه المعرفة، تحققها وتتحقق بها.

2- صياغة مبادرات عربية وإسلامية ذات مضمون إنساني؛ للحد من مخاطر عصر العولمة والتفرد الأمريكي بالقرارات الدولية.

3- وضع معايير عربية وإسلامية أساسية للتمييز بين المقاومة والإرهاب، وضمان الحد من التدخل الخارجي على مختلف الأصعدة.

4- مشاركة العرب والمسلمين مشاركة فاعلة في إصلاح الأمم المتحدة ومؤسساتها لتعزيز دورها في الحفاظ على السلم العالمي القائم على العدل، وصون استقلال الدول الصغيرة، ومنع التدخل العسكري للدول الكبرى وهيمنتها.

5- الإسهام في إصدار تشريعات دولية تمنع الأعمال العنصرية ضد الأقليات العرقية والدينية في كل دول العالم والمصادقة عليها.

6- وضع ضوابط عقلانية لمبدأ حرية التجارة الدولية الذي ألحق أضرارًا فادحة بالدول الفقيرة والنامية بشكل خاص.

7- المشاركة الفاعلة في الحركة الثقافية العالمية المناهضة للعولمة الراهنة التي يقودها القطب الأمريكي المتفرد بقيادة العولمة.

8- تشجيع نزوع العرب إلى إقامة عولمة أكثر إنسانية ودورهم في تحقيقها، والتعاون الوثيق مع المثقفين الليبراليين والديمقراطيين في جميع دول العالم؛ من أجل وقف النزعة المتزايدة نحو سباق التسلح، والتهديد بتفجير نزعات جديدة في العالم، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط.

9- توليد أجيال متعاقبة مع القوي الشبابية المؤمنة بالحوار الإيجابي بين الشعوب، وإطلاق حملة واسعة لنشر الكتب الموضوعة والمترجمة التي تساعد على تعميق الوعي لدى الشباب العربي والمسلم في بناء عالم آمن، ومنزوع السلاح، ومنفتح على كل أشكال التفاعل البناء بين شباب العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد