مدخل

كان لسياسات الليبرالية الجديدة التي مارسها السادات ومن بعده مبارك تبعات اقتصادية عنيفة على الطبقة الوسطى قوام المشروع الناصري التي اعتمد عليها عبد الناصر في السابق لتمرير مشروعه القمعي كحل رئيسي لمواجهة الحركات الإسلامية والشيوعية المعارضة، فمع انسحاب الدولة من القطاع الصناعي والخدمي لصالح القطاع الخاص فقدت هذه الطبقة الدولة كحامٍ لمصالحها مما دفعها للهجرة للخليج ثم العودة محملة بأمواله وكذا ثقافته الوهابية مما خلق في مصر نمطًا جديدًا من أنماط التدين الشكلي ومهد التربة أمام بروز النزعات الإسلامية المتطرفة بين مثقفي الطبقة الوسطي وخلق حالة عامة من التجريف الثقافي لهذه الطبقة وبالتالي أضعف من قدرتها على خلق نمط ثقافي مستقل قادر على مواجهة الأفكار الجهادية والطائفية والتكفيرية خصوصًا مع وقوف اليسار التقليدي الستاليني مع الدولة ورفعه شعار الأسقف المنخفضة في الوقت الذي كانت تئن فيه هذه الطبقة تحت وطأة الإجراءات التي تمارسها الدولة ضدهم.

وكما كان لهذه السياسات تبعات على الطبقة الوسطى كان له تبعات أشد على الملايين من العمال والفلاحين والمهمشين، وكانت سياسات الإفقار هي الأخرى تتم بشكل غير متكافئ لتشكل عملية مركزة للثروة بالمراكز الحضرية الكبرى وفي المقابل تنامي الفقر في المناطق الأبعد عن المراكز والأقل تمثيلًا في السلطة، مما خلق أحزمة كبيرة من الفقر حول المدن الكبرى وصلت الآن إلى ما يزيد على الـ 120 منها 17 حزامًا يتم تصنيفه عالي الخطورة ومستقل تمامًا عن الدولة.

وقد كشفت البيانات الرسمية ارتفاع معدل الفقر في مصر بنهاية العام التالي (2012 – 2013)، ليتجاوز 26.3 بالمئة وكشفت خريطة الفقر التي أعلن عنها الصندوق الاجتماعي للتنمية عن تركز الفقر في الصعيد وشمال سيناء بشكل كبير حيث تضمنت قائمة أفقر 10 محافظات كل محافظات الوجه القبلي الـ 9، بالإضافة إلى شمال سيناء حيث تحتل شمال سيناء المرتبة الخامسة في معدل الفقر بعد أسيوط وقنا وسوهاج والأقصر مما جعل منها بؤرًا شديدة التوتر وملاذًا آمنًا للعنف والبلطجة والأهم للأفكار الجهادية الناقمة على المجتمع ككل منذ ثمانينيات القرن الماضي.

شمال سيناء

أما عن شمال سيناء تحديدًا فيصل عدد سكانها إلى حوالي 500 ألف نسمة يعيش نصفهم تحت خط الفقر وتصل نسب البطالة بينهم إلى 40% خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عامًا وتعتبر منطقة الوسط، التي نما وتمركز بها مجاهدو سرايا بيت المقدس والمجاهدون في سيناء “ولاية سيناء حاليًا” والممتلئة بالجبال الوعرة هي الأفقر حيث تصل معدلات البطالة بين سكانها إلى 90%، وذلك بعد تراجع الدولة بضغوط صهيونية على الأرجح عن توصيل مياه ترعة السلام إلى منطقة الوسط “السرو والقوراير”، والتي كانت ستضمن زراعة نحو 140 ألف فدان بالمنطقة ولم يتم إنشاء محطات تحلية لمياه البحر لري هذه الفدادين كبديل.

كما لا تسمح الحكومة للسيناوية بالتعيين في الوظائف الحكومية إلا نادرًا، ومن غير المسموح لهم العمل في الشرطة أو القوات المسلحة ويمنع امتلاكهم للأراضي وتفضل الشركات التي تقوم بالاستثمار توظيف غيرهم نظرًا لتدني مستواهم التعليمي فلا يوجد هناك سوى التعليم الخاص.

كما أدى تعامل الحكومة مع شمال سيناء كمنطقة حدودية مع الكيان الصهيوني بعد كامب ديفيد إلى سيادة المنطق الأمني في التعامل مع البدو السيناويين مما صنع حالة من العداء للدولة المصرية بلغت ذروتها في أبريل 2007 عندما اعتصموا بالقرب من الحدود المصرية الإسرائيلية احتجاجًا على التمييز الحكومي ضدهم في الخدمات والتعيينات واستخدام القوة غير المبررة ضدهم وأعلن قادة البدو في حينها أن الآلاف تم اعتقالهم بعد الهجمات الإرهابية في 2004 دون ذنب ولم يعودوا.

وخلق حصار قطاع غزة المجاور لهم مباشرة وتربطهم بأهله علاقات تاريخية وعائلية تعاطفًا واسعًا من السيناوية مع القضية الفلسطينية وفتح أعينهم على مشروع الإسلام السياسي خصوصًا بعد صعود حماس للسلطة، كما خلقت الأنفاق بين مصر وغزة متنفسًا اقتصاديًا لطبقة جديدة من الشباب لكسب الرزق عن طريق تهريب البضائع عبر الأنفاق بين شمال سيناء وقطاع غزة المحاصر مما أدى إلى نمو سوق سوداء كبيرة في شمال سيناء دفعت مبارك يومًا لرفض طلب الكيان الصهيوني علنًا بغلق الأنفاق، وأدى غلقها بعد ذلك إلى قطع عيش الآلاف منهم.

الإرهاب والثورة

يصف المفكر الاشتراكي جون مولينو أحداث الثورات العربية بـ “أضخم موجة لكفاح الطبقة العاملة وللنضال الثوري في الثلاثين عامًا الماضية ضد سياسات الليبرالية الجديدة”، وبالفعل كانت على أولويات أجندة الثورة المصرية الوقوف ضد الإمبريالية والكيان الصهيوني وسياسات الليبرالية الجديدة والسعي لتنمية شمال سيناء والتعامل مع السيناوية كشركاء وطن ورفض اتفاقية كامب ديفيد والتطبيع بكل أشكاله مع الكيان الصهيوني كلب الإمبريالية بالمنطقة، ووقف تصدير الغاز له والسعي لفتح المنافذ ووقف الحصار على غزة، مع السعي بالتوازي للكشف عن موارد سيناء كالرمال البيضاء والمعادن والثروة السمكية والأراضي الزراعية، وفتح ملفات بيع وتقسيم الأراضي حول ترعة السلام وأسباب عدم اكتمال المشروع نفسه ليصل إلى وسط سيناء مما أدى إلى انضمام العديد من شباب السيناوية لصفوف الثورة منذ اللحظة الأولى وبالتالي حصار النزعات الطائفية  والبؤر الجهادية بها.

ولكن ما فعله المجلس العسكري بعد ثورة يناير مباشرة من اختطاف للثورة ثم سعيه المستمر لاحتوائها عبر دق الإسفين تلو الآخر بين القوى التي صنعت ثورة يناير وخلق توازنات خارج إطارهذه القوى برفع أسماء 3000 جهادي من قوائم ترقب الوصول والسماح لهم بالعودة لمصر، وإحداث استقطاب ديني علماني ككمين للثورة المصرية يتم إغراقها فيه ومن ثم تصفيتها لتقويض المقاومة الاجتماعية وتفتيتها على الأرضية الطائفية في ظل غياب قيادة ثورية أو حتى نقابية منظمة قادرة على قيادة دفة هذه المقاومة وخلق استقطاب رأسي ضد السياسات الرأسمالية وممثليها في مصر.

ثم الانقلاب على مرسي في 3 يوليو 2014 ومن ثم فشل المسار الإصلاحي التدريجي الذي كان يمثله تنظيم الإخوان المسلمين وما تلا ذلك من مجازر في رابعة والنهضة وغيرهما ومن اعتقالات واختطاف قسري وتصفية جسدية طالت الإسلاميين بالأساس ووصلت إلى كل معارضي نظام السيسي مما أدى إلى حالة من الاستقطاب المجتمعي والانسداد السياسي وسيادة منطق القوة الخشنة.

وكما كانت تضاريس أسيوط الوعرة وحقول القصب الكثيفة ملاذًا للحركات الجهادية في الثمانينيات والتسعينيات ضد مبارك، كانت الطبيبعة الجغرافية الوعرة التي تحكم شمال سيناء بهضبة التيه في الوسط والتي يطلق عليها خبراء الأمن “المنطقة المظلمة” لخطورتها، والجنوب الممتلئ بالمرتفعات الجبلية سببًا في اختيارها ملاذًا آمنًا لبؤر الجهاديين الذين التفوا حول الهوية الإسلامية الجهادية كبديل وخصوصًا في ظل العجز الكبير في عدد العناصر الأمنية نتيجة للالتزام باتفاقية “كامب ديفيد” التي قلصت تمامًا من التواجد العسكري في سيناء في المنطقة ب وج.

كما وفر انسحاب الدولة عن أداء دورها في تنمية شمال سيناء وغياب أي أمل في تنميتها بعد تراجع المد الثوري والانقلاب على المسار الإصلاحي التدريجي وانتصار الثورة المضادة والمنطق الأمني في التعامل مع السيناوية حاضنة شعبية لنمو هذه البؤر وتمددها وسط سيناء إن لم يكن تعاطفًا مع المشروع الإسلامي الجهادي التكفيري فعلى الأقل نكاية في الدولة التي تعاملهم كمواطنين درجة ثالثة وتعتقل شبابهم وتقتلهم في السجون.

فعندما تغيب الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية وعن العمل على خلق تنمية متوازنة وتوفير فرص العمل للجميع يبدأ الفرد في البحث عن هوية جديدة تستطيع توفير الحد الأدنى من هذه الحاجات الأساسية وتمتلك حدًا أدنى من الأفكار والمعايير والخبرات والقيم المشتركة  ليخوض الفرد بعد ذلك من أجلها معاركه الصفرية ضد النظام الذي عمل على إقصائه وتهميشه بل وقمعه من قبل في معركة ثأرية من منطلق “ليس لدينا ما نخسره”.

السيسي والحرب على الإرهاب

يعلم السيسي جيدًا أن الشعبية التي اكتسبها على أنقاض جماعة الإخوان المسلمين لن تستمر طويلًا تحت مطرقة الإجراءات التقشفية التي يقوم بها لتهيئة مناخ الاستثمار لقوى الليبرالية الجديدة وهذا ما يدفعه لمحاولة الحفاظ على معركة دائمة مع الإسلاميين لأطول وقت ممكن لتبرير الاعتماد المتزايد على الحل الأمني والآلة القمعية الداخلية ولخلق تماسك “اصطفاف” داخل الطبقة الحاكمة، كما أن عمق الأزمة الاقتصادية داخليًا وضعف شرعيته خارجيًا يدفعه للمزيد من محاولات استرضاء الكيان الصهيوني بوابة الرضا الأمريكي بالمنطقة.

ولهذا قامت القوات المسلحة المصرية بعمليات موسعة في شمال سيناء بالوكالة عن العدو الصهيوني وبتنسيق كامل معه لضرب أي كيان من الممكن أن يشكل تهديدًا للعمق الصهيوني، مما وضع القلب الصلب للدولة في مواجهة مباشرة وشديدة العنف مع البؤر الجهادية والأهم دون تمييز لها عن حاضنتها الشعبية الحانقة على سنوات التهميش والقمع بالأساس ودون تمييزها حتى عن عموم المدنيين السيناويين ممن يقطنون المناطق المجاورة للقصف  فـ “السيناوي إرهابي إلى أن يثبت العكس” وفقًا لمنطق القادة العسكريين.

وتكشف تقارير حقوقية أن هناك أكثر من 1328 سيناوي معظمهم من المدنيين تم قتلهم في حملة وحشية منذ الثالث من يوليو 2013 على يد الجيش المصري باستخدام طائرات الأباتشي والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، كما هُدم ما يزيد على 800 منزل وتم تهجير أهالي الشريط الحدودي برفح في مخالفة صريحة لكافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وتم تحويل سيناء إلى منطقة عسكرية واحدة وفرض الطوارئ عليها لستة أشهر كاملة مما شكل عبئًا كبيرًا على قاطنيها.

في المقابل وجدنا النمو السريع لتنظيم الدولة الإسلامية وازدياد وتيرة وعنف الهجمات على الجيش المصري في سيناء بعد كل عملية جديدة للجيش مستغلين البيئة الجغرافية الوعرة والعقلية الدفاعية للقوات المسلحة غير القادرة على مواجهة حرب العصابات، حتى وصلنا إلى العملية الأخيرة في الشيخ زويد والتي دارت فيها المعارك بين الجيش المصري والجهاديين لـ 9 ساعات متواصلة وسقط فيها ما يزيد على 60 جنديًا مصريًا لتقف هذه الجماعة الجهادية على قدم المساواة مع الدولة المصرية ويحول السيسي سيناء بل ومصر كلها بعد عامين فقط على الانقلاب وعام واحد على وصوله لمقعد الرئاسة من دولة تحت تهديد بعض العمليات الإرهابية إلى واحدة من أهم بؤر النفوذ الجهادي على مستوى العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد