مرة أخرى وبعد كل حادثة إرهابية في تونس يفتح باب النقاش والجدل حول قانون مقاومة الإرهاب. هذا القانون الذي يُطرح كضمانة لمواجهة الإرهاب وإيجاد مرتكز قانوني له يمثل مصدرًا للتجاذب بين الآراء المتعددة والقراءات المتداخلة في هذا الإطار, ما بين النظرة الأمنية والسياسية والحقوقية والشعبية تتشابك التفاعلات التي وإن اشتركت في حمل واجب مقاومة الإرهاب فإنها تختلف في الآليات والوسائل والضوابط التي تبني هذا المسار. هذا التجاذب مرده خوف على واقع تونس في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب وتوجس من عودة اليد القمعية التي وسمت قانون الإرهاب في فترة حكم النظام السابق. أصوات تنادي بأولوية الأمن على حساب قضايا الحرية والديمقراطية وأخرى تطالب بالموازنة ما بين مواجهة الإرهاب والعمل على صون واقع الحريات والديمقراطية.

بين هذا وذاك طالت القراءات وأكلت الكثير من الوقت وكان التأجيل المتكرر للمصادقة على قانون الإرهاب وغسيل الأموال هو المسار المُمَيز للفترة الماضية. التحول العملي والذي جعل الجميع يصطدم بحقيقة الفراغ القانوني وبقوة تأثير الإرهاب هو عملية متحف باردو التي جعلت الجميع يعدل بوصلته ويستفيق من صراخ الأقوال إلى ضرورة تشكيل الرأي الجامع حول التقدم بخطوة عملية نحو إستراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب الذي تحول بدوره من العمل الانفرادي المعزول إلى العمل النوعي المنظم. أولى هذه الخطوات كانت بمصادقة المجلس الوزاري على مشروع قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال وتحويله إلى لجنة التشريع في مجلس نواب الشعب للنظر فيه.

في هذا المقال نحاول بصورة مبسطة العودة إلى مجمل المراحل التي عرفها هذا القانون في تونس إلى حين الساعة باعتبار الحبر الكثير الذي أساله وللأهمية التي يحظى بها في هذه الفترة.

قانون مكافحة الإرهاب يعود حضوره في تونس إلى فترة حكم زين العابدين بن علي, في 2003 قامت تونس بالمصادقة وتبني قانون الإرهاب. هذا القانون في تونس خلال تلك الفترة وبحسب الملاحظين والسياسيين والحقوقيين مَثّل مدخلاً لفرض الهيمنة على كل نفس معارض للسلطة واعتبر اليد التي ضرب بها النظام خصومه من مختلف المشارب والتوجهات المعارضة لسياسته والرافضة لديكتاتوريته. هذا القانون وجد المعارضة الدائمة نتيجة انحرافه عن مساره الصحيح وتحوله إلى ورقة مربحة لدى النظام لتصفية معارضيه. قانون الإرهاب بتلك الصيغة حمل تعريفًا غامضًا وفضفاضًا للإرهاب بحيث فتح الباب مثلاً للمحاكمات لجلّ أطراف المعارضة السلمية حيث كانت عبارة “تعكير صفو النظام العام” المضمنة في القانون كافية لإدخال كل تيار معارض تحت سلطة قانون الإرهاب.

 

في هذا الإطار قام نظام بن علي بمحاكمة أكثر من 3000 شخص بموجب قانون الإرهاب. هذا القانون أيضًا لم يمكِّن المشتبه فيهم من حق إعداد دفاع قانوني جيد.

قانون مكافحة الإرهاب بتلك الصورة لم يعطِ التونسيين الأمن بقدر ما كان أداة لضرب كل معارضة سلمية تواجه النظام القائم. بعد الثورة عاد هذا القانون إلى سطح الأحداث مع تكرر العمليات الإرهابية التي ذهب ضحيتها جنودٌ وأمنيون إضافة إلى اغتيال رمزين من المعارضة هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي وآخرها عملية متحف باردو التي قتل خلالها مواطنون من جنسيات مختلفة وتونسيون. قانون مقاومة الإرهاب وغسيل الأموال ومنذ عرضه في 2014 على المجلس التأسيسي وجد جدلاً واختلافًا كبيرين حال دون المصادقة عليه.

حيث ربطه البعض بماضي حكم بن علي في حين نادى آخرون بضرورة التنقيح لتجاوز أخطاء الماضي. بين هذا وذاك تغيرت صياغة مشروع القانون الجديد وتغيرت الصياغات والقراءات من أجل إيجاد قانون واضح وعملي يضمن الحقوق والحريات من ناحية ويغلق الباب أمام الإرهاب من ناحية أخرى.

عرف القانون ومنذ طرحه على المجلس التأسيسي تعددًا في المواقف ونقدًا متواصلاً لجملة من الفصول التي اعتبرت مبهمة وغامضة والتي فتحت باب التأويل والمطالبة بالتنقيح في عديد منها, من أهم النقاط التي أُثير حولها النقاش هي تعريف الإرهاب حيث رأى البعض أن مشروع القانون ذكر أعمالاً لا تتوفر فيها نية استخدام العنف أو إلحاق الأذى بالناس، مثل جرائم الملكية وتعطيل المرافق العامة حيث أنه بحسب آرائهم قد يُستخدم التعريف الفضفاض والمبهم للأعمال الإرهابية الواردة في مشروع القانون لتجريم أعمال المعارضة السلمية التي قد تتسبب في تعطيل النقل العمومي والمرافق العامة، وهو ما يحدث أثناء الاحتجاجات. يمكن مثلاً اعتبار مسيرة غير عنيفة تتسبب في تعطيل حركة المرور عملاً إرهابيًا، وينتج عنها الحكم على متظاهرين بالسجن عدة سنوات.

إلى جانب هذا قام الجدل حول مشروع القانون في سياق مناقشته في المجلس على أن مشروع القانون قد يسمح أيضًا بإجراء محاكمات لأشخاص بتهمة الإرهاب بسبب ارتكاب أعمال عنف صغيرة في إطار القيام بنشاط سياسي. وعلى سبيل المثال، يُمكن ملاحقة أحد المشاركين في احتجاج معيّن بسبب الإضرار بسيارة شرطة أو تكسير نافذة إحدى البنايات الحكومية.

إضافة إلى ذلك، يكفي أن يُهدد شخص ما بارتكاب أي من الأعمال المذكورة، بما في ذلك الاعتداء على الأملاك أو تعطيل النقل العمومي أو غيره من المرافق العامة حتى تتم محاكمته على أنه إرهابي، ويُعاقب بالسجن لفترة لا تقل عن ست سنوات. هذا القانون وإن لم يلق الترحيب في صياغته الأولى نتيجة تعدد النقاط الخلافية حوله والتي ذكرنا البعض منها لأن المجال لا يتسع لها جميعًا فإن مشروع القانون وبعد التنقيح والتغيير الذي وقع عليه أصبح أقرب إلى الواقعية والروح الحقوقية التي كان ينشدها النواب والشعب عمومًا من أجل تثبيت واقع الحرية والديمقراطية.

في هذا الإطار وقع التركيز على فصول بعينها والتي كان يري فيها من خلال صياغتها الأولى منزلقات نحو العمل بالطريقة القديمة, هذه الفصول بإيجاز هي الفصل 67 الذي نص في إطار صياغة أولى على أنه يُمكن لقاضي التحقيق أو رئيس المحكمة الأمر، عند وجود خطر محدق، بإجراء تحقيقات أولية أو جلسة خارج الإطار العادي مع حماية حق المتهمين في المحاكمة العادلة.

كما يستطيع القاضي الأمر بجلسة مغلقة. هذا الفصل مثلا عرف مطالبات كثيرة بضرورة تنقيحه بحيث تكون جلسات محاكمة الإرهاب علنية، وأنه لا يحق للقاضي الأمر بإجراء جلسات مغلقة أو مقيّدة إلا في ظروف استثنائية يفرضها احترام إجراءات المحكمة، والضحايا، والشهود، وعندما يوجد خطر فعلي ناجم عن المحاكمة العلنية. ويجب اللجوء إلى الجلسات المغلقة لأقصر مدة زمنية ممكنة، على أن لا يضرّ ذلك بحق المتهمين في الطعن في صحة شهادات الشهود والطعن على غير ذلك من الأدلة المستخدمة ضدّهم.

الفصل 28 يفرض عقوبة بالسجن لمدة تتراوح بين سنة واحدة وخمس سنوات وغرامة مالية بين 5 آلاف و10 آلاف دينار (بين 2960 و5920 دولارًا أمريكيًا) في حق “كل من يتعمد الإشادة علنًا، بأي وسيلة كانت، بجريمة إرهابية أو بمرتكبها أو بتنظيم أو وفاق له علاقة بجرائم إرهابية أو بأعضائه أو بنشاطه” هذا الفصل وجد مطالبات بضرورة تجنب تقييد حرية التعبير والإشارة إلى أن التحريض على الإرهاب يعني نشر أو توزيع رسالة للجمهور، عمدًا وبشكل غير قانوني، قصد التحريض على ارتكاب عمل إرهابي، وينتج عن ذلك خطر ارتكاب هذا العمل، بغض النظر عما إذا كان في الرسالة دفاع صريح عن الأعمال الإرهابية. شمل مشروع القانون في صياغته الأولى كذلك نداءات بضرورة تعديل الفصلين 51 و58 بالنصّ على عدم الإذن بإجراءات تحقيق فيها تدخل في حياة الأشخاص مثل “الاعتراض على الاتصالات” و”المراقبة” إلا في حالات استثنائية يتوفر فيها خطر ذو مصداقية باحتمال ارتكاب عمل إرهابي. وتبقى هذه الإجراءات من صلاحيات القضاة دون سواهم.

هذه بعض من النقاط الخلافية وليست كلها, قمنا برصدها فقط كدلالات على التجاذب والجدل الذي أثاره المشروع في صياغته الأولى والتي عرفت تنقيحًا وإضافات ساهمت في بلورة مشروع حاصل على إجماع أغلب الأطراف السياسية والشعبية والحقوقية بحيث يكون مصدرًا قانونيًا واضحًا لمكافحة الإرهاب، وفي ذات الوقت ضامنًا لواقع الحرية وممارسة التعددية السياسية والمجتمعية في إطار مناخ الديمقراطية الشاملة لجميع مكونات الدولة.

اليوم وبعد حادثة المتحف، وكما ذكرنا في البداية فإن مصادقة المجلس الوزاري على مشروع قانون مكافحة الإرهاب يعتبر خطوة جديدة في إطار التعامل مع آفة الإرهاب؛ هذه الخطوة هامة جدًا في نظر المواطنين والأطراف المساهمة في الشأن العام, هذه الخطوة تعطي دلالة على أنه لا نجاح في مقاومة الإرهاب بدون رافد قانوني عملي يضبط كل العملية ويضع الجميع أمام حقوقهم وواجباتهم وهو ما يقطع مع حالة شبه
الفراغ القانوني في التعامل مع الأحداث الإرهابية خلال الفترة الماضية.

مشروع القانون سيمضي إلى لجنة التشريع في مجلس النواب ويأخذ معه الطريق نحو المصادقة النهائية عليه بعد تجاوز بعض الشكليات التقنية. في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة في إطار هذا الموضوع الذي نال اهتمام الرأي العام في تونس بعد تواتر الأحداث الإرهابية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد