في شهر رمضان من عام 40 للهجرة خرج الإمام عليّ لصلاة الفجر، وحين سجد ضربه ابن ملجم بالسيف وهو يقول «لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي ولا لأصحابك» وجعل يتلو قوله تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»، كان يرى أنه على حق وأن عليًا ابن عم الرسول كافر مرتد.

وبعكس ما يعتقده معظمنا، لم يكن عبد الرحمن بن ملجم كافرًا أو فاسقًا؛ بل كان صحابيًّا متدينًا، وزاهدًا متقشفًا، تربّى في كنف علي بن أبي طالب وقرأ القرآن على معاذ بن جبل وكان من أوائل المهاجرين للمدينة.

من المؤسف أن مسلسل القتل لم يتوقف حتى الآن، لأن التفسير المشوه للنصوص الشرعية استمر بحسب الظن والهوى وتجاهل مغزى وظروف النص نفسه، فتفجير المدنيين يتم اليوم بحجة «لقد جئتكم بالذبح»، ورفع الرؤوس على الرشاشات بحجة «جُعل رزقي تحت ظل رمحي».

هذه الأحاديث وإن كانت صحيحة -وهي كذلك-، إلا أنها لا ينبغي أن تثير الحيرة في نفس أي عاقل، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون، أولئك الذين يصرون على حرب الإسلام واضطهاد المستضعفين، ولم يتركوا وسيلة تعذيب إلا مارسوها على الفئة المؤمنة، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة، لعلهم يجدون طعم الراحة والأمان.

إنَّ هذا الحديث ليس على عمومه قطعًا، لأنَّ النبي ذكره بصيغة «يا معشر قريش»، ثم إنه ليس عامًا في قريش أيضًا، وإنما المراد به سبعة من رؤوس الكفر الذين أوغلوا في أذيّة المسلمين، كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. بدليل أن أبا جهل عندما راجع النبي خوفًا من أن يناله توعده، وقال للنبي: يا محمد ما كنت جهولًا، قال له النبي أنت منهم. فدل هذا على أنَّ هذا الكلام محمول على أشخاص معدودين.

في رواية أخرى وبعد مقولة النبي، دخل بيته ثم خرج عليهم وفي يده حصباء رماها عليهم وقال: شاهت الوجوه، فما من أحد أصابته تلك الحصباء منهم إلا وُجد صريعًا في بدر.

هنا لا بد من الفصل بين الدعوة للدين التي يجب أن تصل لكل الناس، وبين كيفية إيصالها من الأساس والتغلب على العواقب التي تقف في طريق الدعوة ومن هذه العواقب «بعض» الناس، هنا نفهم «أمرت بأن أقاتل الناس جميعًا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله».

إن القتال في الإسلام يأتي لرفع ظلم وإقامة عدل، بدليل أن ابن أبي طالب حارب الخوارج ولم يُكفّرهم في حين كفّروه هم، وليس أدلّ من فتح مكة حين قال النبي كيوسف «لا تثريب عليكم اليوم».

أما بالنسبة لحديث «جُعل رزقي تحت ظل رمحي» فهو حديث ضعيف. ولو افترضنا صحّته لقلنا أنه خاص بالرسول وحده، ثم نجد أنه أنه غزا تسع عشرة غزوة لم يجز فيها رقبة كافر واحد.

والآن، هل تقف هذه النصوص أمام نصوص أقوى وأكثر شمولية مثل: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» أو «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

«فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» فإن اكتفوا بتكذيبك يا محمد فقط فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ، وإن اضطهدوك فلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ! قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً». رواه مسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد