كيفما كانت القراءات، ومهما اختلفت الآراء، ووجهات النظر حول حقيقة ” تفجير 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة المريكية”؛ إلا أن الثابت والمتفق عليه عند جل المتتبعين هو أن هذا التفجيير كان بمثابة “الحلقة” الأولى في “مسلسل” عنوانه: “الإرهاب”!

قيل للرأي العام العالمي مباشرة، ودون تريث: إن كاتب السيناريو هم الجماعات الإرهابية، الجهادية، التكفيرية، الإسلامية، أو “تنظيم القاعدة” اختصارا. في حين أن قراءات أخرى أكدت ـ بمرور الوقت ـ أن التفجير هو عمل ممنهج ومفبرك من طرف المخابرات الأمريكية؛ تستهدف من خلاله شرعنة سن مجموعة من القوانين والإجراءات الداخلية، وأيضا تبرر لها التدخل في شئون الدول الأخرى ـ وخاصة المستضعفة منها ـ سياسيا واقتصاديا، وأيضا عسكريا، تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”.

وبعد عدت حلقات من هذا المسلسل التراجيدي (الواقعي) الذي شارك فيه العالم بأسره؛ تنحى تنظيم القاعدة ـ أو تم تنحيته ـ عن مهمة صنع الأحداث الدامية لصالح تنظيم جديد ـ قيل إنه امتداد للسابق ـ واسمه: تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أو “داعش” اختصارا.

ورغم أنه ابتدع استراتيجيات ووسائل وأماكن جديدة في “الجزء الثاني من هذا المسلسل”، إلا أنه حافظ على الهدف الذي بدأ به تنظيم القاعدة، وهو كتابة سيناريوهات الأحداث الإجرامية/الوحشية بأقلام مدادها دماء الأبرياء، أما شعاراتها وخطاباتها فتنسب ـ تعسفا ـ للدين الإسلامي البريء كل البراءة من هذه اللعبة الخبيثة التي لم تنته أشواطها بعد، أو بالأحرى، لا يراد لها أن تنتهي قط!

ورغم أن عملية تتبع الخيوط التي تكشف الهوية الحقيقية لأولئك الذين يلعبون دور “الجلاد” داخل هذا المسلسل معقدة ومتشابكة، إلا أن هوية “الضحية” ـ في غالب الأحيان ـ تتكشف للجميع؛ فهم أولئك الأبرياء/المظلومون من مختلف دول العالم. ومعهم يتعاطف كل المشاهدين الذين يحتفظون بسمات الرحمة والحب والسلام التي فقدها الكثير من الكائنات البشرية في عصرنا هذا.

إلا أن الغريب في الأمر هو أن “ضحايا” الجلادين داخل “مسلسل الإرهاب”، ليسوا سواسية في نظر “بعض المشاهدين” الذين يتأثرون بتلك المشاهد العنيفة/الدامية؛ لأننا لاحظنا ولا زلنا نلاحظ أن تعاطفهم مع مآسيهم وتعبيرهم عن التضامن معهم فيه الكثير من التمييز، بالرغم من أن الضحايا يشتركون في نفس المصير الذي يسعى الجلادون لتحقيقه كالموت والجرح والطرد والرعب والأسر… إلخ.

والأمثلة التي تفصح عن هذه الحقيقة كثيرة، يمكن العودة لأرشيف الحلقات القديمة من هذا المسلسل للوقوف عليها، وسنكتفي هنا بتقديم بعض الأمثلة من الحلقات التي نشاهدها في أيامنا هذه؛ ونقصد بالذات الحدثين الإجراميين/الدمويين الأخيرين، اللذين استهدفا “الطائرة المدنية الروسية”، وأيضا، ساكني مدينة “باريس” الفرنسية، والذي ذهب ضحيته الكثير من الأبرياء.

لكن السؤال المحرج الذي يطرح بحدة اليوم هو لماذا يكون رد فعل هذه الدول الكبرى، ومن يتحالف معهم من حكامنا، وبعض أبناء جلدتنا، مدويا وصارخا، كلما فقدوا بعض مواطنيهم، في حين أنهم يشاهدون المئات من الأبرياء الذين قتلوا ولا زالت تسفك دماؤهم ـ بشكل يوميـ في سوريا والعراق وفلسطين ومصر واليمن وليبيا؟

لماذا تقوم قيامة هؤلاء لفقدان عدد قليل جدا مقارنة بالعدد الهائل الذي تفقده بلدان الشرق الإسلامية في أعمال إجرامية، بغض النظر عن حقيقة مدبريها؟

ما الفرق بين الذين يقتلون ويشردون في سوريا من طرف السفاح “بشار” بدعم من روسيا وإيران وحلفائهم، وأيضا من طرف “داعش” وكل الذين لا يميزون بين عسكري ومدني وبين المواطنين الروسيين؟

وما الفرق بين الفلسطينيين الذي يقتلون ويغتصبون في حقوقهم وأراضيهم من طرف أكبر دولة إرهابية عرفها التاريخ وبين المواطنين الفرنسيين؟

وما الفرق بين المدنيين الذين تسفك دماؤهم في اليمن، سواء من طرف الحوثيين وصالح، أو من طرف التحالف العربي الذي يقوده النظام السعودي، وبين الذين يقتلون في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرهما؟

وأيضا ما الفرق بين الذين قتلوا في المظاهرات السلمية في مصر من طرف السيسي وأعوانه، والذين يقتلون في ليبيا ودول أخرى، وبين المواطنين في الدول الغربية الذين كانوا ضحية هجمات إجرامية/وحشية ؟

والغريب في الأمر أنه ليس المتتبعون والمشاهدون لهذا المسلسل الدامي في الجهة الغربية هم وحدهم من يكرسون هذا التمييز بين الضحايا؛ بل حتى الكثير من مشاهدي الجهة الشرقية سقطوا في هذا التمييز الحقير/المقيت؛ لأنهم يشاهدون الأحداث بعيون نظرائهم في الجهة الأخرى، وكأن أولئك القتلى والجرحى واللاجئين (سوريا، فلسطين، العراق، اليمن، ليبيا، مصر…) الذين يرونهم بالمئات في الأخبار اليومية التي تقدمها قناة الجزيرة وقنوات إخبارية أخرى، ليسوا بكائنات بشرية؛ لتستحق اهتماما كبيرا في مساندتهم ماديا ورمزيا، لتجاوز مآسيهم كما هو الشأن بالنسبة لضحايا البلدان الغربية !

يبدو أن الكائنات البشرية تعيش أزمة أخلاقية لا مثيل لها في التاريخ؛ لأنها فقد ولا زالت تفقد الكثير من الأسس التي تضمن لها الاستمرار والتعايش المشترك بينها بسلام وهناء ومحبة وإيخاء، فالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لا يكترثون للعدد الهائل من القتلى والدمار في حربهم على العراق وأفغانستان ودول أخرى، فالأهم عندهم هو استنزاف الثروات لتضخيم اقتصادهم وفرض سيطرتهم، وبعد ذلك يأتي “طوني بلير” ليعتذرـ ببرودة وحقارة ـ للشعب العراقي بذريعة أن تدخلهم كان مبنيا على الكثير من المعلومات الاستخباراتية الخاطئة!

أما روسيا وإيران وحلفاؤهم فقد أعلنوا الحرب ـ التي تستهدف في مجملها المدنيين السوريين والمعارضين لنظام الطاغية/السفاح ـ بذريعة محاربة “داعش” والإرهابيين في حين أن هدفه هو المحافظة على نظام الأسد، واستغلال الفرصة المناسبة لبيع الأسلحة، وتجريب أخرى جديدة، وأيضا لتضمن حصتها في ثروات المنطقة !

وأما نظامي السعودية والإمارات وحلفاؤهم فملياراتهم (التي هي “زي الرز” !) مهداة لكل من يعمل جاهدا على إقصاء وتهميش، بل حتى القضاء على من يخالفونهم في أسلوبهم في الحكم أو من يرون فيهم خطرا يهدد استمرار أنظمتهم كما حدث في مصر التي شهدت أخس وأبشع وأحقر انقلاب عسكري على الشرعية الديمقراطية، بحيث ذهب ضحيته آلاف المتظاهرين السلميين في ظل تواطؤ مقيت من طرف الكثير من الدول التي تريد تعليمنا مفاهيم (الديمقراطية، حق الحياة، حق التظاهر السلمي، حق التعبير، المساواة بين المواطنين…).

أما “داعش” ـ وبغض النظر عن حقيقتها ومن يديرها ـ فهي ليست إلا تنظيما يريد ـ أو يراد له ـ أن ينافس دولة إسرائيل الإرهابية في أعمال القتل والتدمير والعنصرية المقيتة/الحقيرة بشعار وخطاب ديني إسلامي مبيت، وأن يفسح المجال أمام الدول الكبرى/المتغولة؛ لتتدخل في الشرق الأوسط الجديد ـ الذي بشر به “بوش” ! ـ في اللحظة والمنطقة التي تريد؛ بدعوى محاربة “داعش”، هذا التنظيم الإرهابي الذي لم تستطع كبرى دول العالم هزيمته ! بل إنه بين الفينة والأخرى يظهر للعالم انتصاره كما حدث أخيرا في فرنسا والطائرة الروسية !

فهل حقا هذا التنظيم قوي إلى هذه الدرجة، بالرغم من أنه يوجد في منطقة جغرافية معروفة لدى العامة من الناس (المناطق التي يسطر عليها التنظيم في العراق وسوريا) فما بالك بالمخابرات الحربية؟ وبماذا نفسر تصريحات قادة الدول الكبرى بأنهم يحتاجون لسنوات للقضاء على التنظيم كما صرح “جون كيري رغم توفرهم على معدات حربية متطورة جدا؟

وفي الختام، نؤكد ـ كما أكد آخرون ومنهم باحثون غربيون ـ أن من صنع الإرهاب والإجرام والدمار ـ بأسلوب مباشر أو غير مباشر ـ هم الدول القوية/ المتوحشة التي تدخلت ولم تزل تتدخل في شئون الدول المستضعفة بحجج وذرائع كاذبة ومفضوحة (نزع أسلحة الضمار الشامل، وجود إرهابيين، حماية مصالحها في تلك الدول، مساعدة الأنظمة لتحقيق الديمقراطية…).

كما أن مساندتها المادية والرمزية لإسرائيل في إرهابها المتواصل على الشعب الفلسطيني المحاصر عسكريا واقتصاديا وسياسيا من طرف إسرائيل، وأيضا من طرف حليفها الجديد السيسي وأعوانه، كان له تأثير كبير في تشجيع الأعمال الإجرامية؛ بالإضافة إلى أن تدعيمها لأنظمة ديكتاتورية في الدول الإسلامية ـ وما أكثرها ـ ساهم بشكل كبير في ظهور رود فعل عنيفة ودامية أحيانا.

ومن جهة أخرى كان لتأجيج الخلافات العرقية والطائفية خاصة في منطقة الشرق الأوسط (شيعة/ سنة…)، إلى درجة تكون معسكرين متحاربين في المنطقة؛ معسكر يقوده النظام الإيراني وحلفاؤه، في مقابل معسكر يقوده النظام السعودي وحلفاؤه أثر كبير في هذه الوضعية المتأزمة؛ بحيث أن كلا هذين المعسكرين يساهمان في تعقيد وتأزيم الوضع بالمنطقة وتأجيج الحروب بين أبناء المنطقة الذين يدفعون أرواحهم واستقرارهم ثمنا لهذه المواقف الخبيثة/الدنيئة التي لا تكترث لأمن وسلامة شعوب المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد