يعتبر البعض أن الإرهابيين يأخذون نصوصهم من القرآن والأحاديث النبوية، وأن على المسلمين ألا يتهربوا من هذه الحقيقة؛ فنصوص الجهاد تملأ صفحات القرآن والسنة، وهي فريضة واجبة على المسلمين، لهذا فإن الإرهابيين ليسوا سوى أشخاص يستمدُّون هذه الأوامر من النصوص التي يؤمنون بها باعتبارهم مسلمين.

المثير للغرابة أن الذين يتحدثون عن هذه الأمور، يعتقدون أنفسهم، بكل عجرفة ووقاحة منقطعة النظير، أنهم باحثون نقديون لا مثيل لهم في التاريخ، مع أنهم مجرد أحجار على رقعة شطرنج الاستشراق.

نعلم جيدًا أن الإستشراق سعى طويلًا، لإعادة بناء العقلية الإسلامية في العالم الإسلامي، انطلاقًا من الانغماس في دراسة الفكر الإسلامي (الفقهي والفلسفي والتربوي والإجتماعي والتاريخي) لإعادة توجيهه بطريقة استعمارية تُبرٍّر أخلاقيًا وإنسانيًا وفكريًا الغزو الغربي للحضارة الإسلامية. ولكن وبعد مشروع دام لثلاثة قرون أو أكثر؛ فإن الاستشراق لم ينتهِ بل هو مُستمر.

و حين أتحدث هنا عن الاستشراق فإنني أعني الاستشراق الاستعماري، لأنه كم من مستشرق كان أمينًا ونزيهًا في دراسته للحضارة الإسلامية، مثلًا: الألماني تيودور نولدكه، والفرنسي جاك برك، والبريطاني هاملتون جب.

و الآن، سندخل في نقاش الأطروحة التي تخلط الإرهاب بالجهاد، مُعتمدة على الفتوى التي يصدرها بعض الفقهاء في هذا الصدد، وأيضًا على الأحداث التي يكون فيها المسلم شخصًا مُفجّرًا.

أولًا؛ الجهاد مُحرَّم ضد المسلمين، بل ضد المنافقين أنفسهم. ونعلم أنه يكفي للشخص أن ينطق بالشهادة ليكون مسلمًا. لهذا فأي شخص فعل هذا يبقى مسلمًا حتى ولو مارس الكبائر، وهذا عكس ما تفعله داعش.

أي اقتتال بين المسلمين هو ليس جهادًا، فموقعة الصفين أو موقعة الجمل لم تُسميا أبدًا في كتب التاريخ جهادًا، وإنما سُمِّيتا فتنًا.

و حين كان الحجاج يوسف الثقفي (سفاح الأمويين) يُقاتل الروم كان يُسمي فعله ذاك (جهادًا)، وحين كان يُقاتل الخوارج كان يُسمِّي فعله هذا «القضاء على رؤوس الفتنة». ومثال الحجاج هنا، فقط لتأكيد دقة الكلمة في التاريخ الإسلامي، وليس تبرير الأعمال الوحشية التي كان يقوم بها ضد المسلمين أنفسهم.

ثانيًا؛ العمليات الانتحارية ليست نصًا في القرآن ولا في السُّنة، لأن أغلب العمليات الإرهابية هي عمليات انتحارية، فهل الإسلام هو الذي ربط بين هذه والجهاد؟

في كتابه «الثورة بلا قيادات» يثير «كارن روس» قضية مهمة في التاريخ الراهن للشرق الأوسط، فقد أكد أن العمليات الانتحارية في الشرق الأوسط ليست أبدًا إبداعًا للجماعات الإسلامية المسلحة، وإنما هي عقيدة يابانية، استخدمها الجنود اليابانيون في الحرب العالمية الثانية ضد الأسطول الأمريكي، حين أقدموا على توجيه طائراتهم نحو البواخر الأمريكية، بطريقة انتحارية، وسُمِّيت بـ «الكاميكازي».

و العملية الانتحارية هي عقيدة راسخة عند محارب الساموراي؛ يقول الكاتب:«لهذا فإن الكاميكازي هي جزء من ثقافة اليابانيين».

و أضاف المؤلف:«أن الطالبان لم تستخدم العمليات الانتحارية ضد الغزو السوفياتي، بينما استخدمها اليساريون في فيتنام وكوريا وفي فلسطين ولبنان وفي العراق أيضًا، واستخدمها أيضًا نمور التاميل ضد الجنود السيرلانكيين كما استخدموها أيضًا ضد المدنيين، كما أن الانفصاليين الأيرلنديين يستخدمون التفجيرات الانتحارية ضد بريطانيا.

و لم تستخدم القاعدة والطالبان التفجيرات الانتحارية إلا بعد أن لاحظت مدى تأثيرها على الطرف الآخر، في عمليات الفصائل المسلحة الأخرى، خاصة بعد أن انسحبت إسرائيل من لبنان سنة 2000، بفعل هذه التفجيرات الانتحارية».

إذن، فالتفجيرات الانتحارية ليست أبدًا عقيدة في الإسلام، ولا ترتبط أبدا بمصطلح «الجهاد»، ومن يعتقد أن الفتاوى التي تجيز ذلك كافية لتأكيد مدى قرب الإسلام من العمليات الانتحارية. فيمكنني أن أقدم له مثلًا من تاريخ النوازل ليُفرٍّق بين الاجتهاد (الذي قد يُصيب أو قد يُخطئ) وبين العقيدة (كما هي عند محارب الساموراي في اليابان، وهي عقيدة يفتخر بها اليابانيون بالمناسبة).

في عهد الملك سليمان العلوي في المغرب، قام قاضي فاس ومكناس المشهور أحمد بن عبدالملك العلوي بتحريم «الشاي» واعتبره من المسكرات؛ بل إنه، بوصفه قاضيًا، كان لا يقبل شهادة من يشربه. ولو عدنا لدراسة تلك المرحلة لتبين لنا أن القاضي انطلق من واقعه لمواجهة الغزو التجاري الذي تفوق فيه الأوروبيون، وقد قام الملك سليمان العلوي نفسه في العهد نفسه بنهج سياسة حمائية ضد هذا الغزو، واعتبره جهادًا، وبهذا يكون اجتهاد القاضي اجتهاد مرحلي لحماية الوطن من غزو محتمل. (راجع كتاب «من الشاي.. إلى أتاي» للمؤرخين الخصاصي والسبتي).

ثالثًا، الجهاد في الإسلام، شامل لكل حياة المسلم، فكل مجهود لأجل منفعة جماعية هو جهاد، ولكن الجزء الأكثر شيوعًا هو المرتبط بالقتال (والقتال ليس هو القتل)، فالقتال يعني وجوب وجود معركة، فالمقاومون في تاريخ المغرب كانوا مجاهدين، ولم يكونوا مسالمين ضد العنف (لو كانوا كذلك لأصبحنا قطعة أرضية فرنسية – إسبانية)، والمقاومون في فلسطين مجاهدون.

و حتى لا تختلط عليكم الأمور التاريخية، فإن المجتمعات الإسلامية لم تكن تعتمد فقط على الجيش النظامي؛ بل تعتمد على المواطنين العاديين في حروبها، وحين تحثُّهم على التسلح لمقاتلة العدو، لا تعرض عليهم مقابلًا، وإنما تُخبرهم بأنه جهاد في سبيل الله، فيقوم المسلم المتشبِّع بعقيدة الجهاد لمواجهة العدو حتى لا يغزو وطنه، ويستبيح ممتلكاته وأهله. وما يُسمى «التجنيد الإجباري» في الثقافة الغربية التي سادت العالم، هو حث على الحرب في «سبيل الوطن». فلماذا لا تعتبر هذه أيضًا عقيدة عنيفة تنتشر في دهاليز الدول الغربية التي يعتبرها البعض مسالمة وناشرة للسلم، أم أن الفرق هو الوطنية، فسأقول أن الإسلام شامل، فالمسلم يُجاهد في سبيل الله (و ليس مقابل أجر) لمدافعة الأعداء عن الوطن.

على كل حال، عقيدة الجهاد القتالية لدى المسلمين عبر التاريخ هي جزء من القوة التي حافظت على تماسك حضارتهم وبقائها لمدة طويلة، أمام التهديدات الخارجية، فهي التي تجعل من المسلم شخصًا شجاعًا لا يهاب الموت، ولهذا أظن ما قاله نيتشه في كتابه «نقيض المسيح»:«الإسلام يتطلب الرجال».

رابعًا، الجهاد القتالي لا يعني أبدًا قتل الكافر لأنه كافر، وإنما يعني مُقاتلة العدو غير المسلم الذي يُهدِّد أرض المسلمين وأوطانهم، وابن تيمية نفسه كتب رسالة لم يهتم بها الناس كثيرًا عنوانها «قاعدة في قتال الكفار ومهادنتهم، وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم».

فالجهاد القتالي ليس دوره تخويف الكفار وردعهم حتى يؤمنوا  العقيدة نفسها، وإنما دوره دفع العدوان (جهاد الدفع)، وتحقيق قوة هجومية (جهاد الطلب) لا تسمح للآخرين بالهجوم، وهذا نفس فكرة «النظرية الواقعية في سياسة العلاقات الدولية».

وقد فَرَّق المسلمون بين أرض الإسلام وأرض الحرب، وهو تفريق يدل على استراتيجية سياسية ذكية جدًا. فأرض الإسلام تعني المساحة التي يمكن لأي مسلم أن يبوح فيها بعقيدته كما يرغب دون أن يخشى أحدًا (فحتى لو أتيت من الهند فأنت آمن بممارسة شعائرك – كما على اليهودي والمسيحي أو الصابئة أن يأمَنوا في ممارسة شعائرهم)، أما أرض الحرب، فهي الأرض التي لابد من أن يحيط المسلم نفسه فيها بالحذر عند ممارسة شعائره العقائدية.

فأرض الحرب هي أرض الجهاد إما أرض المسلمين إن حدثت داخلها الحرب، فهي ليست جهادًا وإنما فتنة. وهذا لا يعني أن أرض الإسلام وأرض الحرب لم تكن بينهما علاقات سلمية، كما يحاول البعض تصوريه؛ بل كانت هناك التبادلات التجارية بينهما وتبادل الأسرى وتبادل الرسائل كذلك، بل حتى تبادل الأسفار والبعثات الطلابية.

فقد طلب فيليب ملك بافاريا من الخليفة هشام المؤيد في أوائل القرن الـ 11م، القائم في الأندلس، بأن يسمح له بإرسال بعثة من بلاده إلى الأندلس لاستكشاف مآثر التقدم الحضاري هناك والاستفادة من علومها، فوافق الخليفة بالطبع، فجاءت البعثة التي تألفت من (215) طالبًا وطالبة (سطِّروا تحت كلمة على طالبة). وقد اعتنق بعضهم الإسلام. (راجع كتاب «الأندلس بوابة التواصل الحضاري العربي الإسلامي ـ الأوروبي»، للمفكرة المبدعة نهلة شهاب أحمد)

السؤال هو، لماذا لم ينقض المسلمون على هؤلاء لأنهم كفار أتوا من أرض الحرب، ليقتلوهم، كما يفعل بعض المتطرفين وكما يعتقد بعض العلمانيين أن المسلمين هكذا تأمرهم عقيدتهم؟

من هنا يتبين أن ما يتم ترويجه من طرف بعض المسلمين الجهلة، وبعض عوالق الاستعمار هو تشويه خطير جدًا ضد الثقافة والحضارة الإسلامية، فإن كان التشويه الأول أخطر، فإن التشويه الثاني مُمنهج ضمن ماكينة ثقافية عالمية عدمية، تحاول الإجهاز على الثقافات المختلفة لتحويلها لمجرد ثقافة همجية؛ لهذا وجب فضح هؤلاء العوالق وأفكارهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد