يقول الكاتب الساخر جلال عامر: في بلادي، المتهم بريء حتى تثبت ديانته، وربما كلمته هذه باتت تمتلك الشرعية أكثر من أي وقت مضى، في ظل عالم ينخر جسده الإرهاب، وتفتك به الصراعات والأزمات الإنسانية أيما فتك، والناس مشغولون بإلصاق كل عملية إرهابية بديانة ما، وبما أن “داعش” هي حديث العصر، فإن الدين الإسلامي، أو “التطرف الإسلامي” صار هو المتهم في كل مرة، ومن يتابع بجدية ردود العالم غداة كل عملية إرهابية يتبناها تنظيم الدولة الإسلامية، يلاحظ مدى “الإسلاموفوبيا” المتجذرة لدى الكثيرين، ومدى “الوداعة” الموجودة عند الآخرين، وبين جلد الذات “المسلمة” وتمجيدها، تضيع هذه الذات أصلا!

نحن لسنا هنا كي نجرح في أي دين كان، ولا كي نقيم مقارنة يسودها منطق التفاضل بين الأديان، فنحن لسنا “رجال دين”، وإنما بعين الناقد أردنا زعزعة بعض ما ترسخ في أذهان العامة، وربما نفلح وربما لا يكترث أحد لأمرنا! أنا شخصيا – وربما يشاطرني الكثيرون هذا الرأي، وأكون “فردا في صيغة جمع” – أرى أن جل الأديان السماوية ساهمت في تأسيس الوعي بحرية الإنسان وتحريره من كل القيود وجعلته مدار الكون ومناط التكريم بـ”صفته الإنسانية”، وأشير هنا إلى وجوب التفريق بين الأديان “نظريا إلهيا” وبين “تطبيقها البشري” في المجتمعات حسب السياق التاريخي.

 

هذا العالم أيريد «ديمقراطية» أم «ثيوقراطية»؟

وتعني الثيوقراطية حكم الكهنة أو الحكم الديني في المضمار المسيحي، إذ تعني “ثيو” الدين و”قراط” الحكم في اللغة اليونانية، وباختصار تعني استمداد “الحكم من الإله”، فهل العالم المعاصر “المعلمن” هو في الأصل “ثيوقراطي” بحت؟ جميعنا، اقترنت لدينا فكرة “الحكم بالشرائع الإلهية” بتنظيم الدولة الإسلامية التي تسعى جاهدة إلى إعادة “رسكلة نظام الخلافة” وتمزيق الوطن العربي إلى “إمارات” تنصهر جميعها في شخص “أبي بكر البغدادي”، ظهر هذا التنظيم وتجسد “فعليا” بعد موجة الثورات التي عرفتها كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، أو ما يسمى بـ”الربيع العربي”، ثورات شعبية من ضمن مطالبها الواضحة “الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، فهي لم تطالب بـ”أسلمة المجتمع” البتة، هذا إن لم نقل “أفغنته”، ولكن ظهور “داعش” كان بمثابة “ولادة ابن مشوه” تمخض عن هذه الثورات، ولكن هل هو ابن شرعي أم لا؟ فإلى حد هذه الساعة، المصير مشوش تجاهه، وبين إقرار البعض بأن داعش من صنع “أياد خفية” و”أجندة غربية” وبين إقرار البعض الآخر بأنها جاءت نتاجا “لموروث ديني ما” وبين رؤى عديدة وقراءات مضطربة له، يتساقط آلاف الأبرياء ضحايا بسببه.

جرائم داعش “عصية على النسيان” لا لشيء إلا لبشاعتها: فمن مزيد تكريسها للطائفية “بين سنة العراق وشيعته” إلى بيع النساء في سوق الخدمات الجنسية في الشرق الأوسط، مما دفع الكثيرات من الكرديات إلى الانتحار، من قتلها للأطفال الصغار (إعدامها 13 فتى بتعلة أن مشاهدة مباراة كرة القدم “محرمة شرعا”) إلى تجنيدها إياهم بإرسالهم إلى مراكز تدريبية خاصة أو استعمالهم دروعًا بشرية أو جواسيس أو متبرعين بدمائهم لجرحى التنظيم، ومن إحراقها الناس أحياء (معاذ الكساسبة مثلا) إلى التجارة بالأعضاء البشرية في السوق السوداء العالمية، ومن هجمات باريس وتفجير الطائرة الروسية فوق سيناء وبقية العمليات الإرهابية التي تبنتها، إلى هدم الآثار التي تعود لآلاف السنين (مدينة تدمر السورية، مدينة نيمرود الآشورية، مدينة الحضر التاريخية في محافظة سوى العراقية مثلا ).

وهذه الآثار جميعها تعود إلى “الإرث الإنساني المشترك”، بل وصلت جرائمها إلى استخدام السلاح الكيمياوي في بعض معاركها، هذا كما ارتكب التنظيم جرائم في “حق نفسه” حين أعدم أكثر من 200 عضو لمحاولتهم ترك صفوفه! كل من قرأ هذه الأخبار، لا يدين سوى “الدين الإسلامي” أو “التطرف الإسلامي” أو “الإسلام السني” باعتبار أن أعضاء التنظيم من الشباب المسلم السني، ولكن ماذا إذا قرأنا عن “إرهاب من نوع/ دين آخر” من ندين؟

في تموز 2011، اعتقل أندرس بهرنغ بريفيك ووجهت إليه تهمة الإرهاب بعد تفجير سيارة في أوسلو وإطلاق نار جماعي في جزيرة أوتايا النرويجية، حيث أسفرت هذه العملية عن 77 قتيلا وأكثر من 100 مصاب، وعرف المتهم بأنه “مسيحي صليبي”، إذن هل الإرهاب “مسيحي”؟ — للانتقام من العرب، حرضت أيليت شكد الشارع اليهودي على قتل أطفال فلسطين ووصفت هؤلاء الأبرياء بـ”الثعابين الصغار”! والجرائم البشعة التي تحدث بصفة يومية في حق الشعب الفلسطيني (حرق عائلة الدوابشة، على سبيل المثال لا الحصر) هل نبرر هذا “يهوديا”؟ إذن الإرهاب “يهودي”. — إذا أنتج الإسلام داعش وبوكو حرام النيجيرية وحركة الشباب الصومالية فهل أنتجت اليهودية حركة كاخ والسيكاري ولاهافا؟ ما ديانة الإرهاب؟ أم أنه “لا دين له”؟ —

إن هذا الاستخدام الممنهج للإرهاب، وإدانة دين ما وفئة محددة والتغافل عن دين آخر وفئة أخرى لن ينتج إلا مزيدا من الإرهاب. إن إظهار دين ما والمنتسبين إليه في “صورة الغول” (إساءات مجلة شارلي إيبدو مثلا) لن يفرز إلا الكثير من الحقد والكراهية والتباعد بين مختلف الأديان. إن إصرارنا على إلصاق الاتهام/ الإرهاب بديانة المتهم/ الإرهابي سيكلف الإنسانية الكثير من الدم، وللدم لون واحد يا سادة، ولسنا نعرف “فصيلة دم مسلمة وأخرى مسيحية وأخرى يهودية”! في الختام لا أجد سوى هذه القولة الرائعة لجلال الدين الرومي: “إن الحكمة الإلهية حدت بنا أن نحب بعضنا البعض”.

* ملاحظة: هذه الآراء لا تلزم إلا صاحبتها كوثر السعداوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد