نشر مجلس الشيوخ تقريرًا كاشفًا فاضحًا يثبت ويشرح صور تعذيب CIA للمعتقلين، ويمكنك أن ترفق مع التقرير ما حدث في سجن “أبو غريب” ومجازر فلسطين… إلخ.

 

ماذا تفعل إذا صفع أحد أباك، وعراه ونشر صوره أمام العالم كله؟! ماذا تفعل إن داهموا بيتك واعتقلوا أخاك وهددوه باغتصاب أمه؟! ماذا لو عذبوك وجلدوك وحرموك النور والطعام والنوم والعلاج والحمام… إلخ؟! ماذا لو انتهكوا عِرض أهلك أمام عينك؟!

 

يقع العرب من هذه الجرائم في موضعين:
أولاً الإرهابي:
هذه الانتهاكات والجرائم التي لا تُحصى كفيلة بفوران دم البعض متوعدًا ومنتقمًا، ولا يتورع في حمل السلاح تجاه كل من ينتمي للغرب أو يتعامل معهم. وكي نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا يجب أن نعترف بوجود كثيرين بيننا من مؤيدي أسامة بن لادن حتى أنهم رفعوا صوره في مظاهرات، وهناك أكثر شعروا بالفرحة بعد أحداث 11 سبتمبر، ويسعدون حين يضرب الغرب بعضه بعضًا.

 

من السبب؟
هم فطروا أكبادنا وداسوا على كرامتنا واغتصبوا أراضينا وأعراضنا؛ فأخرجوا أسوأ ما فينا. بالطبع لا نبرر الإرهاب، إلا أننا نشير إلى السبب الرئيس الجوهري للإرهاب. فجل الإرهابيين عانوا من التعذيب أو الاعتقال على يد حكام عرب خونة، أو حكام في الغرب فجرة، وهم أسوء من داعش وطالبان، على الأقل داعش تذبح، أما هم فيعذبون الأحياء حتى يتمنون الموت ويحاولون الانتحار، لكن يحرمونهم من هذه النعمة.

 

الشعور بالانتقام هو شعور فطري، إلا أن الإنسان السوي لا يتصرف إلا بعد الاحتكام لضوابط ومحكمات ثابتة: الدين والقانون والعرف. والوازع الأهم هو الدين، فنجده يحرم ويجرم الاعتداء على أي مدني، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وهنا يجب الإشارة إلا أن الإسلام هو الذي يحمي الغرب من انتقامنا وغِلنا، هو الوحيد الذي لا يجعلنا مثلهم.

 

ثانيًا الديوث:
تحرش مجموعة بامرأة، رآهم زوجها. صمت ولم يتحرك!
هو يرى أن الشجار ربما يتطور فيتأذى هو وهي، أما عن التحرش وحده فهو أقل الأضرار!!

 

هذا المنطق برجماتيًّا وحسابيًّا وماديًّا قد يكون صحيحًا، إلا أننا لا نتورع عن وصف صاحبه بأنه ديوث لا يعرف معنى للرجولة ولا الكرامة. مع كل احتلال تظهر مجموعة تعترف بتمكن الاحتلال – وقد يكون حقيقة- وتنادي بالتكيف والتطبيع معه، وهؤلاء أيضًا حسابيًّا قد يكونون ناجحين، إلا أن التاريخ يصنفهم في خانة الخونة.

 

نحن بشر نشعر ونحس، والدليل أننا نُستفز ونغضب إن داس أحد على كرامتنا، يقول الإمام الشافعي: “من أُستغضب ولم يغضب، فهو حمار”. وكذلك من تُنتهك حرماته أمام العالم ولم يغضب، فهو ديوث. وقد حافظ الإسلام على هذه الدرجة الأخيرة من الشعور والحس، أن ترفض الباطل ولو بإحساسك، أن تغضب، “فقد أوحى الله إلى مَلَك أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال إن فيها عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين، قال اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر من أجلي قط”، وميزاني الخير على هذه الأرض هما: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. هذا النهي قد يصل إلى الإنكار بالقلب، صحيح هو ماديًّا غير مؤثر، إلا أنه يبقي الشر في خانة الشر وإن زاد، فلا يمكن أن تتبلد المشاعر، وتنحرف المعايير ويقفذ الشر لنتكيف معه ويصبح مقبولاً!

 

وعلى عكس الديوث تظهر مواقف حسابيًّا قد تكون خطأ، إلا أنها تعبر عن نفس حرة عزيزة:
يخرج الحسين لأهل العراق كي يساندهم في مقاومة الطاغية يزيد، إلا أنه يفاجأ بجبنهم، عندئذ يقول الرأي الراجح: ارجع فلم يعد لقدومك تأثير. إلا أنه يفضل الموت ثائرًا حرًّا ولا يرضى بعيش الجبناء، واضعًا شعارًا تحتمي تحته القيم: الموت بعزة خير من العيش بذل.

 

اقتحمت قوات الشرطة بيت أحد الإسلاميين وانتهكوا حرمة غرفة نومه ولفوه هو وامرأته في ملايات ليخرجوهم من البيت في هذه الصورة، وجد الزوج سكينًا فغرزها في رقبة الضابط. هذا الرجل لا يكترث بوصف إرهابي، لكن المهم أنه ليس ديوث.

 

قدم بوش إلى العراق وانتهك الحريات، واغتصب الأعراض، وكشف العورات، وذبح، وعذَّب، وفرَّق، وخرَّب، ثم خطب إلى العالم عن إنجازاته في العراق كأنه المخلص المنقذ، عندئذ قذفه الصحفي منتصر الزيدي بحذائه.

 

إن من الدياثة ما قاله رئيس الوزراء المالكي: “فنحن العرب لم نعتد إهانة ضيوفنا بهذه الطريقة”! إن انتقاد الوسيلة ووصفها بأنها ليست مهذبة! أشبه برجل يُجلد فيصرخ، فنتوقف نحن عند صراخه ونصفه بأنه غير مهذب!

 

دعنا الآن نتطرق لبعض مواقفنا تجاه الغرب التي نراها تقترب من الدياثة:
– حين تضرب حماس صاروخًا بدائيًّا على إسرائيل لعله يقتل واحدًا أو اثنين، ترد إسرائيل بوابل من النار والدمار والإبادة، عندئذ يقول البعض إن حماس هي السبب، وهي التي استفزت إسرائيل، ويجب عليها ترك السلاح والاستسلام واللجوء للتفاوض! ناهيك عن إدراج البعض حركة حماس ضمن الحركات الإرهابية وسط كلامه، وإن المرأ يتأفف ويترفع عن جدال حول مقاومة حماس.

 

– يقول تقرير مجلس الشيوخ إنه بعد أحداث 11 سبتمبر قال بوش: “أريد القبض على كل من ينتمي للقاعدة في أي مكان في العالم”، كأنه حاكم للعالم. إلا أن التجربة أثبتت أنه فعلاً حاكم للعالم. فقد ذكر التقرير أن 13حاكمًا عربيًّا – إن جاز التعبير- خطفوا المطلوبين، وجهزوهم، وشحنوهم لأمريكا ليُعذبوا هناك، وآخرون عذبوا مواطنيهم المطلوبين بالوكالة عن أمريكا. وهنا يُفجعني أن أخبرك أن حكومتك المصرية هي أكبر الدول العربية التي أتقنت دور القوَّاد.

 

– حين زار أوباما مصر قال المذيع: “ها هو أوباما يخلع نعليه لتلمس قدمه أرض المسجد، يا للتواضع والاحترام”! وتهتكت الأيدي من التصفيق لكل كلمة قالها في جامعة القاهرة، رغم أن الجميع يعرف أنه كذاب، لكنا نرد له الجميل باختياره مصر ليوجه منها كلمة للعالم الإسلامي!

 

– كتب أحد العلماء – لن أذكر اسمه حتى لا تتعصب له– أنه أثناء تعلمه في أمريكا اكتشف أن الدكتور المشرف على رسالته هو من درب الطيارين الذين شاركوا في العدوان الثلاثي على مصر. ولم يقف عند هذه المعلومة، بل سردها في السياق كأنها طبيعية!

 

– في ظل إعلان أمريكا الحرب على الإرهابيين، ومطاردة الإسلاميين، انتشرت فوبيا الإسلام، لكن العجيب أن هذه الفوبيا طالت بلادنا نفسها، فتبرأ البعض من الدين، وجعلوا من تدخله في السياسة رمزًا للرجعية والتخلف، حتى إن أحد السياسيين قال: “إذا رأيت رجل السياسة يبدأ خطبته ببسم الله الرحمن الرحيم، فاعلم أنه يستدعي الدين لاقناع المواطنين، وهو من ثم متاجر بالدين”! وحين نُشر الفيلم المسيء للنبي، اتخذت وزارة الخارجية إجراءات دبلوماسية وقانونية تجاه الفيلم، إلا أن أحد أشهر الصحفيين قال: “وزارة الخارجية مسئولة عن المصريين، ومحمد بن عبد الله ليس مصريًّا، إذن فلا علاقة لها بالأمر”!

 

– “الفلسطينيون باعوا أرضهم”، “البنت اللي أُغتصبت لبسها أصلاً مغري فتستاهل”، “خالد سعيد بيقولوا إنه حشاش”، “ايه وداها هناك؟!”. إذا ما تتبعت هذه الآراء بدقة لا تجدها نتائج قائمة على أدلة، وإنما هي محاولات لانتزاع المسئولية عن أنفسهم؛ فالضحية مخطئ؛ وبالتالي يستحق، إذن – وهو الأهم- ليس عليّ ذنب!

 

– كتب سيناريست على صفحته على الفيس بوك أنه تعرَّف على رجل في أمريكا، واكتشف أنه إسرائيلي، فقال: ماذا أفعل معه؟ أكثر الردود قالت: عامله معاملة الإسلام بالحسنى والموعظة الحسنة!

 

ما بين الإرهابي والديوث توجد مساحة يمكننا العيش فيها. لا ننسى، نرفض، نغضب، نساعد، نضع العدو مكانه مهما تجمَّل، والصديق مكانه مهما أخطأ، نفرق بين المحارب والمدني، نبيد المحارب ولا نخسر المنصف، إن لم نستطع زحزحة الظلم، على الأقل لا نرويه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد