أكثر كلمة تستخدمها وسائل الإعلام وقادة الرأي وملوك ورؤساء العالم من كل حدب وصوب، هي كلمة الإرهاب، وأكثر كلمة باتت تؤرق الشعوب وأجهزة المخابرات العالمية وجيوشها، هي أيضا كلمة الإرهاب كابوس العالم برمته.

متى ظهر مصطلح الإرهاب لأول مرة؟

كان أول ظهور لفكرة الإرهاب مقترن مع ظهور الثورة الفرنسية، في هذا الوقت بالتحديد كانت أوروبا تمر بمراحل سياسية صعبة، وخصوصًا فرنسا التي كانت وسط الاضطربات السياسية الجذرية، وكان وقتها الإرهاب معروفا تحت اسم التخويف الحكومي government by intimidation، أي أن الحكومة المسئولة عن ترهيب المواطنين، والحكومات هي المسئولة عن الترهيب أو التخويف لأجل أهداف خارجية أو داخلية لنشر الذعر، وفرض السيطرة، وممارسة الهيمنة، للانفراد بالسلطة.

أما اليوم فلفظ الإرهاب يستخدم عادة لوصف الأعمال الإرهابية التي ترتكبها الكيانات غير الحكومية، أو دون الوطنية، ضد الدولة أو مواطنيها للضغط عليها، لكن في حقيقة الاستخدام الاول كان من طرف الدولة لتصفية معارضيها والسيطرة على السلطة.

ما أسباب ظهور الإرهاب في الدول العربية؟

انعدام العدالة الاجتماعية وتفشي البطالة في أوساط الشباب والمحسوبية التي نخرت عصب كافة المؤسسات، حتى أصبح الفرد يبحث عن الواسطة للتوظيف ولا يبحث عن إعلان التوظيف، إذ يراه المتقدم على الوظيفة مجرد إجراء قانوني شكلي تضطر المؤسسة أو جهة التوظيف إلى الاعلان عنه، وعن خطط التنمية “الورقية حدث ولا حرج؛ لأن حكامنا خطتهم لإدارة البلد أنه لا توجد لديهم خطة! وعن أعداد مذكرات ورسائل الماستر والدكتوراه التي تملأ مخازن الجامعات دون استخدامها، فالأرقام ستكون مرادفة لجيش العاطلين عن العمل، إذ هو مُنتج هذه المواد العلمية الذي يغطيها الآن الغُبار بفعل السنين.

هذه الأسباب وبقية أخرى نفهمها جيدا أدت إلى إنتاج الدولة الفاشلة، وبالتالي وجود أرضية خصبة لبروز التطرف السلوكي أو الفكري، فلو كان الفرد ينعم بحياة طبيعية لما سيسلك درب النار؟ وهنا نحن نُفسر ولا نُبرر!

الاقصاء السياسي التعسُفي وغياب التمثيل السياسي في نظام الحكم لشرائح كبيرة، والطريق للإقصاء، إما بالقتل أو السجن أو الانقلاب أو النموذج المعاصر اليوم مصر، وإما بالتخويف والترهيب من بديل لا يرحم أو بديل مُشيطن صنعته الماكينة الإعلامية للنظام، في خضم ذلك يكون للمتربصين كلمة ودور ليفعلوا فعلهم، والثورة السورية أنموذجا، وفي تاريخ هذه الأنظمة السيرة ذاتها منذ انسحاب الاستعمار القديم من بلادنا.

الجدير بالذكر هنا أن الاسباب المتعلقة بالعدالة الاجتماعية هي في جوهرها أسباب سياسية أو انعكاس حقيقي للفشل والفساد السياسي، فالمطالبة بالتغيير السياسي تكون لضيق الظروف الحياتية والمادية الاجتماعية، وهذه إحالة مباشرة إلى السُلطة في صناعة الأسباب مُجددا.

الأطماع الخارجية والفرقة العربية التي تشكل بدورها ساحة سباق بين أنظمة الحكم اتجاه العالم الغربي للاستقواء على الدول التي تخالفها الرؤيا، مثال على ذلك محاصرة قطر بالمظلة الأمريكية والاستناد على الأمريكان أمام إيران بعقد صفقات تسلح بالمليارات، وهي صفقات رابحة للغرب سياسيا وماديا لذلك يعمل على إبقاء أسباب التوتر أو التستر عليه أحيانا، كخروج قوافل لداعش تحت نظر طائرات التحالف، وهذا ما كشفته هيئة الإذاعة البريطانية عن تفاصيل صفقة سرية سمحت لمئات من مسلحي تنظيم داعش، وأسرهم بمغادرة مدينة الرقة تحت إشراف التحالف الدولي قبل أسابيع.

محاربة الإرهاب.. تزيد الطين بلة

الحرب على الإرهاب ومحاربة التطرف والأفكار الراديكالية، وما إلى ذلك من تصريحات تُطرب الآذان في أهدافها وتُدمي القلوب في نتائجها، فمنذ انطلاق هذه المعركة على إثر أحداث 11/9 والقتل يزداد والخراب يعم الشرق الأوسط والهجمات الإرهابية تشظت في الغرب أيضا.

أما آن للعالم أن يدرك أن النار تولد المزيد من النار؟ بكل تأكيد صناع القرار يفهمون هذه المعادلة تماما، لكن المصالح وتناقضات المشاريع العربية (إسلامية، علمانية، شيوعية…) والأطماع والتدخلات الخارجية على قاعدة الارتهان للغير، تفرض نفسها فوق كل اعتبار وفوق كل الأشلاء، وفوق كافة البيوت المهدمة والأوصال المقطعة.

وكما قال الشاعر تميم البرغوثي: (في العالم العربي تعيش تشتم في طعم المية والطعمية والقهوة وروادها وفي مراتك وأولادها وحر وزحمة الأتوبيس وفي اللي بيعمله إبليس، وفي التفليس ولو سألوك تقول الحمد لله ربنا يديمها نعم).

أليس إرهابا أن تقضي سنوات جامعية يشقى والداك دون خبز الأسرة، والنتيجة نادل في قهوة على أفضل حال، أليس إرهابا أن تخشى أن تُطيل ذقنك خوفا من الاشتباه والمتابعة؟ أليس إرهابا أن تلصق تهمة الإرهاب على الدين الذي كان موجودا منذ فجر التاريخ ولم يكن الإرهاب؟ والسؤال هنا اليوم: لماذا نشأت وتفرعنت الجماعات الإرهابية والتصقت باسم الإسلام فقط؟ دع عنك عزيزي القارئ جملة الأسئلة هذه.

بربك ماذا تشعر عندما تسمع كلمة مخابرات أو أمن الدولة والأمن الوقائي وصوت دوريات العسكر والشرطة؟

ما من شك أن رد الفعل الأولي لديك هو التوجس والرهبة بانتظار ما سيكون من هذه القوات الأمنية، لدي صديق في الولايات المتحدة الأمريكية يخبرني أنه فور سماعه سيارات الشرطة يشعر بالفزع للوهلة الأولى، ثم يتذكر أنه ليس في بلاده التي نشأ بها على الخوف من هؤلاء؛ فيهدأ باله، كل ما سبق يندرج ضمن إرهاب الدولة الصامت، وهذا لا يلغي وجود الإرهاب الصاخب، وعليه فإن النظام وزمرته هم الإرهابيون في الأصل، والآخرون إرهابيون في النتيجة، ومن يصنع الأشباح يظهرون له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد