في كل مرة تخرج علينا رائحة كريهة تزكم أنوفنا نجد هناك من يشكك في أنوفنا، وأن العطب منها وبها، وأن الرائحة هذه ما هي إلا رائحة عطور، والدخان المتطاير هذا بخور، وما تشتمه أنوفنا هي أوهام نتوهمها من أثر أمراض نفسية نعاني منها فتخرج هذه الرائحة لنا، وإذا أكدنا أن الرائحة قوية ونفاثة، بحيث لا نستطيع أن نتنفس، قالوا: إنها رائحة متعمدة وعملية تمويهية معدة مسبقًا، حتى لا نشتم غيرها ورائحة العفن الحقيقي الذي يأتي بعدها!

إلى متى البعض يحاول أن يستعمل نفس (الكليشيه) المبتذل معنا، في كل قضية رأي عام تأخذ زخمًا في هذا الزحام، حيث أنه لا يتوانى أن يشكك في وعينا وعقلياتنا ومداركنا وجميع حواسنا، وما يفتأ يقول لنا بالفم الممتلئ، وبكل احتقار، ودون أدنى مواربة، ولا أي احترام للأنام،أننا ما نحن سوى قطيع من الأغبياء، وألعوبة يتلاعب بنا ثلة من المتنفذين وأبناء الوجهاء المترفين، ليدخلنا بحديثه هذا في رحى نظرية المؤامرة، وأن هناك من هم يتآمرون علينا ليبعدوا أنظارنا عن فساد يطبخ على نار هادئة حتى لا نكتشفه ولا نشتم رائحته.

ولهم في ذلك سوابق عديدة في قضايا كبيرة، فلقد خرج سابقًا البعض عند اكتشاف شبهة فساد في إحدى الوزارات، والتي نشرتها صحيفة محلية، ليقول إن هذه الصحيفة هي نفسها التي كانت خلف قضية ما يدعى إعلاميًا (القبيضة)، وهي التي كشفت هذه القضية حتى توقع بنا كما أوقعت بنا في تلك القضية، وهنا أيضًا يعاد نفس السيناريو بحذافيره، ليقولوا هل تتوقعون هذا المصدر الذي نشر، أو تلك الصحيفة التي أوردت الخبر، تريد مصلحتكم وتقف في صفكم!

ونحن نقول لهم: هل تريدوننا إذًا  أن نترك حدث التزوير القائم والفساد العارم لأنه من آثار القضية هذه الصحيفة أو تلك، والتي لا تعجبكم، ولا تتماشى مع مصلحتكم، ولا تتوافق مع مواقفكم، هل هذا منطق برأيكم؟ احترموا قليلًا فكر من يتابعونكم، ورفقًا بعقول من يتبعونكم، وفي كل أمر يؤيدونكم.

المشكلة أن هناك من يذهب بعيدًا ليدخلنا في أمور اقتصادية وقضايا جانبية، ليست بذات الأهمية حتى يشتت التفكير والكفة لا تميل، بل يصل به الحال أن يشكك بالإجراءات الحكومية حيال القضية قبل أن تشرع بها! حتى يثبط همتنا؛ ويهبط عزائمنا، ولا أعرف ماذا يقصد البعض! وماذا يريد بالضبط؟

هل أصبح ينظر لقضايا الفساد على أنها موسم للتنازلات، وفرصة سانحة لبدء المفاوضات، والتوقيع على الاتفاقيات، وعقد الصفقات للخروج بأكبر أرباح، لماذا أي موضوع يمس الفساد نجد من يحاولوا أن يتصدروا المشهد، ليأخذوا أما دور المدافع أو المشكك في هذا الفساد، ليهونوا منه وليحبطوا من هو ذو همة والأمر يهمه وهو همه، لا نكاد نجد هنا إجابة شافية كافية، وهذا مما يثير تساؤلات كثيرة وأهمها: هل هنالك من هو معني بهذا الفساد من قريب أو بعيد فلذلك لا يريد للقضية أن تبرز وتتوسع وتأخذ أبعادها، فيحاول يحجمها بأي طريقة ووضعها في حيز أقل من حيزها؟ أم أنهم يريدوا القضايا الشعبوية والمجتمعية هم فقط الذين يثيروها ويفجروها ليقفوا خلفها ويتكسبوا منها، وأن أتت من غيرهم تصبح هنا “كوخه” غير ذات أهمية ولا تأخذ طابع الجدية،لم نعد نعرف ولا نفهم ما هو المنهج الذي يتبعونه، والمؤشر الذي يتابعونه، والمعيار الذي يتبنونه، والميزان الذي في شأن كهذا يستخدمونه.

ولكن ما نعرفه كشعب جيدًا وندركه إدراكًا ليس بهينًا، ودون أي تقية حزبية أو مواربة سياسية، أن المسؤولية تقع بهذا الجانب على نواب الشعب وممثليه، والذين انتخبوا من قبله ليحاسبوا الحكومة، ويراجعوا قراراتها، ويدققوا على ميزانياتها، ويتابعوا إجراءاتها، وأما نحن كمواطنين فما يعنينا وواجب في هذا الصدد علينا أن لا نلتفت للمحبطين، حتى لا تهبط عزائمنا، ولا تفتر هممنا، ولا تخفت أصواتنا بالمطالبة بفتح الملفات وإعادة التدقيق على الشهادات؛ لأنه أمر يمس كل أطياف المجتمع، بل – دون مبالغة – مستقبل وطن

كيف بمن تعب تعلم واجتهد وواصل النهار بالليل وسهر ليتحصل على هذه الشهادة، يأتيه شخص ودون أي وجه حق يأخذ مكانه ويصبح ذا مكانة بشهادة مزورة، ويترقى قبله ويكون أمامه، بل مرءوسه، والأدهى والأمر إن كان هذا الشخص يعالج كطبيب، أو من يبني ويعمر إن كان مهندسًا، أو ممن يعلم أبنائنا وأجيال المستقبل كمعلم، أو إن كان ممن يوكل لهم وضع الأسس والإستراتيجيات والخطط المستقبلية للبناء والتطور، كيف لي أن آمن لهؤلاء جميعًا بعد اليوم، وأنا أشك أن شهادتهم (فشنك)؟

أخيرًا:

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا. مستقبل أبنائنا وأجيالنا القادمة على المحك، يجب أن تكون هناك وقفة جادة وحاسمة في هذا الاتجاه، واتخاذ القرارات الحازمة الصارمة، لا المتخاذلة الصادمة في هذه القضية، وإلا فسوف نكون كمن يمنح التزوير الصفة القانونية، ويضفي على الفساد المشروعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد